اغتصاب المرأة سينمائياً..

340
اغتصاب المرأة سينمائياً..
اغتصاب المرأة سينمائياً
اغتصاب المرأة سينمائياً

اغتصاب المرأة سينمائياً..

كيف تقنع مشاهداً أدمن العنف بألا يفعله..

عديدة هي التجارب التي عالجت فيها السينما العنف ضد النساء، غير أن شكل معالجة هذه الثيمة، كان مصاباً بالتقليدية في العديد من تجاربه، ما حوّلها من طبيعتها الملفتة والملحّة، إلى ساحة المعتاد والمكرر، ولهذا كان من الملفت أن يقوم أحد ما بنفض الغبار عن الشكل في طريقة معالجة هذه الثيمة، وهذا ما فعله فيلم “Irréversible” للمخرج الفرنسي غاسبار نوي ((Gaspar Noé, الذي أنتج في العام 2002 وعرض في مهرجان “كان” السينمائي 2003، فحاز عدداً من الجوائز الهامة، تاركاً وراءه سيلاً جارفاً من ردود الأفعال المتباينة..

هنا نحن على موعد لمشاهدة ساعة ونصف من الاشتغال البصري، على حكاية شبه عادية تحدث في أي مكان في الدنيا، ولكنها في هذا الفيلم تتحول إلى “إنجاز” بصري، يلعب المخرج من خلال كاميرته على تحويله إلى أطروحة فكرية أخلاقية، تمس الذهنية التقليدية وتبعثر فيها أشواك المحتمل وغير المحتمل..!

تُبنى قصة الفيلم على ثيمة اغتصاب أليكس (مونيكا بلوتشي Monica Bellucci)، في ممر سفلي/ نفق، من قبل رجل شاذ جنسياً بشكل عنيف، وتتمحور تفاصيل الفيلم حول بحث صديقها أو “رجلها” ماركوس (فنسنت كاسل Vincent Cassel) عن المغتصب، للانتقام منه برفقة صديقه بيير (ألبرت دو بونتيل Albert Dupontel) الذي كانت تربطه بها علاقة حب سابقة، وإذ يقوم بيير بقتل المغتصب أو شخص يشبهه، في نادٍ للشاذين جنسياً، يستطيع المغتصب قبل موته أن يكسر يد ماركوس كما حطم وجه عشيقته حين قام باغتصابها!!

هذه الحكاية البسيطة والمفعمة بالتشويق والإثارة قدمها مخرج الفيلم بطريقة مباغتة وغير متوقعة، فالفيلم يبدأ من نهايته بشكل سردي معكوس، أي أن المشهد الأخير يعقبه المشهد الذي قبله وهكذا…، وكل مشهد من هذه المشاهد هو لقطة واحدة مستمرة بدون قطع، وقد تبدو هذه الطريقة السردية المعكوسة أمراً محتملاً وبشدة في الأطوار الجديدة التي تعيشها اللغة السردية الفيلمية حالياً، ولكن التدقيق فيها، وبحسب ثيمة الفيلم، يجعلنا أمام معادلة مدهشة، تهدف إلى تفريغ الإثارة والتشويق والرغبة بالانتقام كأحاسيس من ذات المتلقي، وإحلال الرغبة في تأمل النتائج بدلاً من تأمل مؤديات الأفعال. فهنا، وعبر عكس السرد، لا يمكن للمشاهد أن يترقب الأفعال العنيفة بقدر مراقبة أثرها على نفسه، وكمثال على هذه الرؤية يمكن للمشاهد أن يتوقف ملياً عند مشهد قتل المغتصب تينيا، ومراقبة تهشُّم وجهه حين يهاجمه بيير بمطفأة حريق ليفتت جمجمته، وكذلك يجد المشاهد نفسه مستغرقاً في متابعة مشهد الاغتصاب، حيث يستمر المشهد لتسعة دقائق كاملة تقدمها مونيكا بيلوتشي بشكل مؤثر جداً…!!

الطبقة الفكرية التي تغلف خيارات الشخصيات في الفيلم تبنى هاهنا بشكل شبه غيبي، تطرحه أليكس في أحد مشاهد الفيلم حين تتحدث عن كتاب تقرؤه، تخبرها معلوماته بأن الإنسان يرى مستقبله في أحلامه، وأن ما يراه في هذه الأحلام غير قابل للتغيير، وحين تخبر صديقها ماركوس وهما في الفراش بذلك، يصبح الأمر موضع شك، إذ تبرر رؤيتها للحلم بانقطاع دورتها الشهرية والذي يصبح إشارة لكونها تحمل في أحشائها طفلاً.وفي تأمّل أليكس لمشروع الأمومة يمكن لنا، وإذا عكسنا السرد المتحقق في الفيلم، أن نعثر على نقطة بدايته..!!

وبينما تمر بنا، وعبر مشاهد الفيلم، الأحاديث المهمة عن الرغبة بالحب والاشتغال عليه، نرى إلى أي ضفة يقودنا المخرج حين تنقسم عوالمه إلى عالمين متحققين اجتماعياً، الأول هو عالم الفعل (الشواذ الذي يحكم الحركة على الأرض في الواقع العملي)، وعالم اللافعل (عالم الطبقة الوسطى المحكوم بأشخاص مثل بيير يرغبون بالحب وبالجنس ولكنه يؤدي بشكل وظائفي يجعله بعيدا عن الاستمتاع الشخصي وبعيد أيضاً عن إمتاع الأخر)..!

هذا الخطاب الاجتماعي والأخلاقي الذي يرسمه الفيلم تشتته الكاميرا في حركتها الفوضوية الغرائبية وغير المحتملة في عالم التصوير السينمائي التقليدي، حيث تركز العدسة على الأفعال ولا تذهب إلى المناخ أو الفضاء الذي يجري فيه الحدث بشكل مجاني، وحين نصل إلى الذروة في الحدث نرى كيف ينقلب الفضاء ليكون هو بطل المشهد، كما في مشهد البداية حين يعثر ماركوس وبيير على المغتصب تينيا..!

إن الكاميرا تبني عالم الحكاية من زاوية غير متوقعة، وهي لا تختفي وراء حرفيتها بقدر ما تستند على حرفية الممثلين الذين يؤدون الأفعال، وحين نعلم أن هذا الفيلم قد صُنِّف ضمن أهم الأفلام التي استعملت تكنيك اللقطة المتصلة الطويلة (on shot)، لابد سندرك أن غاسبار نوي لم يكن راغباً في العمل على إثبات التكنيك قدر رغبته في إثبات الرؤية، وهو يعترف في أحد لقاءاته أن مشهد الاغتصاب قد تم تنفيذه وفقاً لرؤية مونيكا بلوتشي ذاتها، الممثلة المؤدية للشخصية التي تغتصب..!!

أثار الفيلم حين عرضه حالة من الدهشة والصدمة لدى المتفرج الفرنسي وغير الفرنسي، وقد نقلت الأخبار أن عدد كبيراً من مشاهديه في مهرجان كان قد انسحبوا من الصالة بعد أن استفزتهم جرعة القسوة التي تقدمها مشاهده، وقد احتجّت عدة جمعيات إنسانية على مخرج الفيلم متهمة إياه بالإفراط في استخدام العنف والقسوة على مشاهديه، وبادلها المخرج المناوشة حين اعترف بتعمّده استخدام العناصر الواقعية الموغلة في واقعيتها، رغم كونه قد لجأ لعدة تقنيات رقمية قربت بين الممكن الواقعي وبين اللاممكن السينمائي، وفي تبريره لهذا الاستخدام يفترض غاسبار نوي أن السرد التقليدي للحكاية كان سيؤدي لردود أفعال عادية أخلاقياً، بينما يريد هو أن يكون الموقف الأخلاقي ممسوكاً ومتعمداً ومترابطاً، وعن استخدامه لعكس السرد كتقنية يعترف بأن هذه الفكرة قد حُبِّبت إليه بعد أن قرأ كتاباً عن ستانلي كيوبريك يوضح فيه رغبته بصناعة فيلم يبدأه من نهايته وبشكل عكسي.

 

اغتصاب المرأة سينمائياً
اغتصاب المرأة سينمائياً