التحرش بالرجال

610
التحرش بالرجال
التحرش بالرجال
التحرش بالرجال


التحرش بالرجال

حين يصبح التحرش سلاحاً مزدوجاً

 

خاص – سامر مختار

 

يبدوأن قضية التحرش في مصر باتت تأخذ أبعاداً كثيرة على كافة الأصعدة، خصوصاً بعد تفاقم المشكلات الاجتماعية الكثيرة التي أدت إلى حدوث “الثورات” في المنطقة، إذ إن قضية التحرش تعتبر من القضايا التي شغلت كثيراً من الأطباء وعلماء النفس ومراكز حقوقية تعنى بالشؤون المدنية وحقوق المرأة، في محاولة لتسليط الضوء على القضية من جهة، وتحليل وتوثيق حالات لا تعد ولا تحصى من جهة أخرى. وفي الزخم التي أتت به الثورات العربية، وباتت الأصوات التي تطالب المؤسسات الحكومية، والمؤسسات الإعلامية الرسمية وغير الرسمية تزداد يوماً بعد يوم.

تعود أسباب ارتفاع الأصوات، بجعل القضية تتحول من قضية كانت ضمن إطار منظمات حقوقية، إلى قضية رأي عام، هو أن الشعوب حين تتفجر مشكلاتها الاجتماعية وتطفو على السطح، تبدأ بالبحث عن حلول، بالتزامن مع مطالبة «الدولة» بوضع قوانين صارمة تجاه هذه القضية.

لكن بعدما هلَّلَ الكثيرون ممن عانوا من «التحرش» الذي يبدأ بالكلام، وينتهي بالاغتصاب، أو القتل.. أخذت القضية تتجه نحو نفق مظلم مغاير للشكل المباشر الذي نعرفه جميعاً.

 

شاب سوري في المترو

يقول الشاب السوري «م.ن» المقيم في القاهرة: «تعرضت لحالة تحرش أثناء تواجدي في المترو، إذ كنت قد استقليت المترو في وقت الظهيرة، حيث يكون المترو في هذا الوقت مزدحماً جداً، مما يضطر بعض النساء لركوب العربات المخصصة للرجال. وكانت هناك امرأة تقف بجانبي، وكلما زاد توافد الناس إلى العربة، اقتربت مني أكثر، وهي تنظر إليّ نظرات كلها إيحاءات، إلى أن ألصقت صدرها بكتفي، وماكان مني إلا أن غيرت مكاني كله رغم صعوبة التحرك من شدة الازدحام.

 

تحرش رجل برجل

تحكي الأستاذة أمل فهمي أحد أعضاء مؤسسة خريطة التحرش في مصر: «أثناء رصد حالة التحرش بالرجال، اكتشفنا حالات مختلفة من هذا النوع، إذا قد تحصل حالات تحرش بالكلام، والذي قد يتقبلها الرجل كنوع من المزاح»، ولايكون للكلام هذا التأثير، كالتأثير الذي يحصل عند المرأة، وقد تصل أحياناً حد الملامسة إذا كان الرجل أو الشاب وسيماً ويرتدي ثياباً ملفتة نوعاً ما. إلا أن الحالات المؤذية تحصل عندما يتحرش رجل برجل، وحين حاولنا التقصي عن الأسباب، وجدنا أن الدافع للتحرش عائد لكون المتحرش به ذا شعر طويل ويرتدي ثياباً قصيرة، ومختلفة نوعاً ما، بالإضافة إلى عامل الوسامة.

 

في بعض الأحياء الشعبية

« أ. ي» رجل مصري  (أستاذ لغة عربية)، أثناء بحثه عن شقة للإيجار بسعر رخيص، دخل إلى أحد أحياء القاهرة الشعبية، برفقة سمسار. وأثناء تجوله بالحي، نادت عليه امرأة كانت تطل برأسها من نافذة بيتها وقالت له: «ماتيجي تعملك لفة».. وماكان منه إلا أن ضحك، لكن السمسار الذي كان برفقته نبّهه أن لا يأخذ الموضوع على سبيل المزاح، وقال له إن المرأة لم تكن تمزح، ولوكنت تمشي في الحي وحدك «ورفضت طلبها»، سترسل لك رجالاً «من بلطجية الحي» وسيتهمونك بالتحرش بها وإلا فعليك القبول بعرضها، وهذا ماجعل «أ. ي» يغادر الحي فوراً.

 

متاجرة واستغلال

«آ . س» شاب وصحفي مصري يروي لنا إحدى حالات «التحرش» التي حدثت معه أثناء ركوبه الأتوبيس، يقول: «أثناء ركوبي الأتوبيس لاحظت أن هناك رجلا ينظر إلي بشكل غريب، وكأنه يراقبني. بعد مضي دقائق قليلة، تفاجأت بإمرأة ترتمي في حضني بشكل مباغت، وتبدأ بالصراخ، واتهامي بأني تحرشت بها، ليتقدم الرجل الذي كان يراقبني، ويطالبني إما بدفع المال مقابل فعلتي، أو بأخذي، وتسليمي إلى أقرب قسم للشرطة، وكتابة محضر باسمي».

ويضيف «آ.س»:  «أدركت أن مايحدث هو عملية ابتزاز، واستغلال من أجل الحصول على المال، ولا أنكر أني صدمت وذهلت من هذا النوع «الجديد»، على حد قوله، من الابتزاز، ولم أتوقع أن يصبح «التحرش»  وسيلة للمتاجرة. بالطبع دافعت عن نفسي وقلت للرجل أنني لم أتحرك من مكاني، وأن المرأة هي التي ارتمت في حضني بشكل متعمد، إلا انه أصرَّ على أخذي لقسم الشرطة، وعندما شعر أن تهديداته لم تخفني أو تضعفني، إضافة إلى استشعاره أن بعض الركاب لاحظوا ماحدث، ولم يؤيد أحد اتهاماته الموجهة إلي.. لاذ بالصمت.

وتعود المتاجرة بقضية التحرش، إلى صدور قوانين صارمة، لردع المتحرشين، والحد من هذه الظاهرة. إذ تتراوح العقوبات حسب القانون الجديد بما يخص الجرائم الجنائية ما بين السجن 3 سنوات إلى المؤبد، وقد تصل إلى الإعدام، أما الجنح، فلا تزيد عقوبتها على الحبس 3 سنوات، غير أنه يجوز للمشرع رفع الحد الأقصى لعقوبة الجنحة إلى 5 سنوات، وهذا يعني أن التحرش الجنسي جنحة، وليس جناية مثل هتك العرض والاغتصاب.

والفارق بين هتك العرض والاغتصاب أن الأخير لا يقع إلا من رجل على امرأة، ويكون من خلال مواقعتها، وتصل عقوبته إلى السجن المؤبد، ويعاقب الجاني بالإعدام إذا كانت المجني عليها تحت سن الثامنة عشرة، أو كان للجاني سلطة على الضحية، سواء كانت أسرية أو وظيفية أو مدرسية، كأن يكون زوج الأم، أو رئيس الضحية في العمل، أما التعريف القانوني لهتك العرض فهو ملامسة أى جزء حساس من جسد المرأة، أو كشف عوراتها، وهذا الفعل يعد جناية عقوبتها السجن من 3 إلى 15 سنة.

 

أما التحرش الجنسي، فمعناه القانوني التعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية، وهذه جنحة عقوبتها تبدأ من الحبس 6 أشهر إلى 5 سنوات، وفقاً للتعديل الجديد.


تلفيق تهم لناشطين ومتظاهرين سلميين

القصة بدأت حين نظم مجموعة من المحامين والحقوقيين مؤتمراً في نقابة الصحفيين للمطالبة بالإفراج عن ناشطين، ومتظاهرين، اعتقلوا أثناء مظاهرات سلمية ترفض «قانون التظاهر الجديد» الذي صدر في ظل الحكومة المؤقتة تحت رئاسة المستشار عدلي منصور في عام 2013، عقب انتهاء المؤتمر جرت وقفة احتجاج على سلّم النقابة، هتف فيها المحتجون بإنهاء قانون التظاهر، والإفراج عن كامل المتظاهرين، ومعتقلي الرأي. ولم يمض على الوقفة الاحتجاجية حوالي الساعة، حتى هاجم الأمن المعزز بمجموعة من البلطجية المتظاهرين، حيث تم اعتقال أحد الناشطين المشاركين آنذاك.

وأثناء احتجازه، تم إحضار فتاة لكتابة محضر تتهمه فيه بأنه اعتدى عليها جنسياً وحاول اغتصابها. وتجدر الإشارة أن هذه الحالة تم فيها استغلال قضية التحرش سياسياً، لتلفيق تهم جاهزة لناشطين ومتظاهرين.
تعد هذه الحالات بداية لشيطنة قضية التحرش، في ظل جهود منظمات حقوقية ومدنية تحاول إحداث وعي عند المجتمع المصري، في محاولة للتصدي لهذه النوع من الممارسات.
لكن مع تصاعد الأحداث السياسية في مصر، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المتدهور، وارتفاع الأسعار والغلاء من جهة. وممارسات النظام المصري، واستمراره باعتقال ناشطين وحقوقيين ومتظاهرين على أثر قانون التظاهر والمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى، تصبح قضية التحرش سلاحاً مزدوجاً يواجهه الشعب المصري، إما بالمتاجرة بالقضية أو استخدامها لتلفيق تهمة جاهزة حين يتعلق الأمر بالسياسة.

 

التحرش بالرجال
التحرش بالرجال