المرأة والاقتصاد: تحديات الجنسين /الجزء الثاني

67
المرأة والاقتصاد
المرأة والاقتصاد
المرأة والاقتصاد

المرأة والاقتصاد: تحديات الجنسين /الجزء الثاني

الاقتصاد غير الرسمي – الحصن الهش ضد الفقر المدقع

بقلم روزي ويسترفيلد/ترجمة إنعام شرف
تعد المرأة من الجهات الفاعلة الرئيسية في قطاع الاقتصاد غير الرسمي. وفي أفريقيا، يمثل  هذا القطاع نسبة 61% من مجمل الأصول الإفريقية، وهو يغطي الأنشطة الاقتصادية التي تتعدى فوائدها فوائد الاقتصاد القومي، والتي تتم دون إشراف الدولة أو الامتثال للمعايير القانونية. في البلدان التي شهدت انفجاراً في النمو السكاني تناسب هذا القطاع عكساً مع النمو الاقتصادي خلال السنوات 1970-1980، ووجد السكان أنفسهم مضطرين للتعامل والتأقلم مع الشح في فرص العمل والتزايد في حجم البطالة. ولهذا تم إدراج أزمة الديون وعجز الحكومات الوطنية في المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي)، والتي انسحبت من القطاع العام على حساب قطاع الرعاية والتربية والتعليم (إغلاق رياض الأطفال والمستشفيات، إلخ) في إطار برامج إعادة الهيكلة. وقد أدت سياسة خصخصة الخدمات، والتي ترافقت مع ظاهرة الهجرة غير المسبوقة من الريف إلى المدينة، إلى نوع من الخلل الاجتماعي، دفعت النساء ثمناً باهظاً نتيجته.
كما أن تمركز السكان في مناطق جغرافية محددة عزز وبشكل كبير قطاع الاقتصاد غير الرسمي.

إن وجود الاقتصاد غير الرسمي يعني بالضرورة عدم وجود رقابة على ممارسات وظروف العمل، وكذلك ضعفاً كبيراً في الجهات الفاعلة. كما أن حالة عدم اليقين الناجمة عن هذا الوضع تركت أثراً لا يستهان به على جميع العاملين في هذا القطاع: الأجور، حقوق ومسؤوليات متذبذبة، خطر  في العمل وانعدام تام للأمان الوظيفي. وعلى الرغم من هذه الوقائع، فإن نمو هذا القطاع يعد اليوم ذا قيمة كبيرة في البلدان التي لا تستطيع أن تلبي احتياجات سكانها، خاصةً فيما يتعلق بخلق فرص العمل: ففي بوركينا فاسو، وقفت الحكومات والمؤسسات الدولية مع المنظمات غير الحكومية الداعمة لأنشطة الاقتصاد غير الرسمي المدرة للدخل، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يأملان بضم هذه الأنشطة ووضعها تحت سيطرتهما المالية، والدعم الذي يقدمانه يستند أساساً على تدريب موجه نحو «التسويق والإدارة والمنافسة» وذلك بهدف دمج المستفيدين، على المدى القصير، في اقتصاد السوق.


من
«العمل في الظل» إلى العمل المعترف به: تشكيل الحركات النسائية والمعوقات

تواجه المرأة صعوبة أكثر من الرجل في تحويل عملها إلى عمل مأجور، وتحصيل دخل أكبر، عمل أكثر استقراراً يسمح لها بتغطية حاجاتها الأساسية وحاجات كل من تتحمل مسؤولية إعالته. إنها تشكل جزءاً حيوياً من «قطاع الاقتصاد السري وغير الرسمي» وتعاني كثيراً في الحصول على عمل مشروع ولائق.


هيكلة جديدة للمجتمع المدني

إذا كانت «العاملات في الظل» يشكلنّ وكلاءً لا غنى عنهم في الاقتصاد، فإنهنّ لا يزلن يطمحن إلى تحصيل الاعتراف بأنشطتهنّ. وسواء في المدينة أو في الريف، فإن التشابه في الأنشطة والمشاكل التي يواجهنها داخل المجتمعات المتشابهة دفعتهن للعمل معاً لتحسين فرص الحصول على الدخل، والتعليم وجميع حقوقهنّ. أدى ذلك أيضاً إلى ظهور وانتشار تجمعات منظمة تعمل على توفير فرص عمل حقيقية في إطار الاقتصاد الرسمي وتحصيل قروض من البنوك لتمويل مشاريع نسائية خلّاقة ومبدعة تساهم في تحسين ظروف المرأة وتمكنها من السيطرة على حياتها. وقد بدأت هذه التجمعات تأخذ تدريجياً أشكالاً متنوعة وتختص بنوع محدد من الأنشطة، أو تذهب باتجاه تأسيس منظمات اجتماعية تهدف إلى دعم مشاريع نسائية فردية (خاصة و/أو مهنية).

ولهذه التجمعات أشكال متباينة جداً: فمثلاً التحول من تجمع للنساء الريفيات إلى تجمع الشبكات الإقليمية العابرة للحدود، بالإضافة إلى أنها تمثل أعضاءً وسياقات متباينة. وعدم التجانس هذا يفسر نوعاً ما نقص الإحصائيات وانعدام الرؤية الجامعة حول قضية المرأة. ومع ذلك، فإن هذه التجمعات، أياً كان شكلها، جمعيات، تعاونيات، اتحادات.. إلخ، لا تزال لديها بعض القواسم المشتركة: فهي التي تضمن تجميع الموارد المالية والمادية البشرية، وإدارة الوقت، وكل ذلك بهدف زيادة الدخل والأرباح. هذا التشارك في الأهداف يسمح بضمان تأمين دخل منتظم للنساء وتوفير سبل التعليم والتدريب المستمر. أما المشاريع التجارية الصغيرة، فتكون مثمرة ويتم التعامل معها بسهولة أكبر، وتستهدف عدداً أكبر من المستفيدين، حتى إن النساء يستطعن من خلال هذه المشاريع تنويع المنتجات، وبالتالي سد حاجة السوق المحلي بطريقة أسهل، وذلك بالحفاظ على أسعار معقولة وجذابة.
إن التحدي المركزي الذي يواجه هذه التجمعات هو الحصول على الأراضي والتملك من أجل الزراعة أو إنشاء محلات تجارية لبيع المنتجات الزراعية، وإذا فشلت النساء في الحصول على مساحة لأنشطتهن، فإنه سيكون من الصعب عليهن الذهاب إلى ما هو أبعد من نطاق الإنتاج والتسويق الفرديين وتوسيعه. كما أن التشارك في العقارات وتملّك الأراضي والمحلات التجارية يعد من المعايير الهامة في ملكية المشروع، وكذلك في التخلص من الفضاء المنزلي. هذا هو الحال بالنسبة لتجمع «كاندي كوميه التضامني» في بنين، حيث سمح الاتحاد باستئجار أرض مشتركة يتم تسديد إيجارها بصورة منتظمة، وتحتفظ النساء بيومين في الأسبوع للعمل المشترك، ويشرفن بشكل فردي على مجموعة من النشاطات في آن معاً ليتمكنّ من إعالة أسرهنّ، وقد أصبحت المنتجات التي يعملن عليها اليوم معروفة على الصعيد الوطني.


المشاريع النسائية الصغيرة والصغيرة جداَ

تعود ظاهرة إنشاء الشركات التي تديرها النساء إلى 1980-1990 في المغرب، ويقدر الخبراء أن عدد النساء من صاحبات المشاريع اللاتي يمتلكن أو يدرن شركات في مختلف قطاعات النشاط الاقتصادي تصل إلى 5,000 أي ما يعادل 0.5٪ من مجمل العمالة النسائية في القطاع الرسمي وحوالي 10 ٪ من إجمالي عدد المنشآت (الإحصاءات لا تشمل القطاع غير الرسمي). كما أكد الخبراء أن الشركات التي تمتلك أكثر من 100 موظف هي في غالبيتها شركات تعود ملكيتها لنساء، وتصل نسبتها إلى 31% مقابل 24% من الشركات التي تعود ملكيتها لرجال. أما فيما يتعلق بالمشاريع الصغيرة جداً، فإن الكثير منها تم إنشاؤه بمبادرات نسائية، خاصةً في دول الجنوب. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، فإن هذه المشاريع الصغيرة تمتلك مجموعة من الميزات منها سهولة حصولها على الموارد المحلية، في غالبيتها مشاريع تعود ملكيتها لعائلات، محدودية الأنشطة، الاستخدام المكثف لتكنولوجيا المعلومات ومحدودية الأيدي العاملة، وبالإضافة إلى ذلك يتم تمويل 90٪ من هذه المشاريع الصغيرة عن طريق المدخرات الشخصية.

من المهم أن نفرق بين المشاريع الصغيرة وفقاً لحجمها، فهناك المشاريع التي تفي فقط بسد الحاجات اليومية والعيش بصورة مقبولة، والتي يبلغ رأسمالها أقل من 75 يورو. وهناك «الشركات الناشئة» التي يتراوح رأسمالها ما بين 75- 300 يورو، وتوجد الشركات التي تتمتع بإمكانيات عالية للنمو، وهذه يتراوح رأسمالها  بين 300- 3000 16 يورو. إنتاج هذه المشاريع الصغيرة يذهب أساساً للأسواق المحلية والوطنية (التصدير أمر نادر الحدوث، إلا عندما يتعلق الأمر ببعض الأسواق الدولية، كبيع الزيوت المحلية مثلاً والتي لا يوجد منها خارج البلاد، كتلك التي تنتجها النساء من النفط في المغرب، والذي عليه ارتفاع في الطلب في أوروبا لصناعة مستحضرات التجميل).
إذن على المستوى المحلي تلعب النساء صاحبات المشاريع دوراً حيوياً، كما أنهن يواجهن الكثير من العقبات الرئيسية، ففي الكاميرون مثلاً، تحصل النساء على موارد محدودة جداً سواء كانت هذه الموارد متعلقة بالإنتاج أو بالتمويل والدعم الفني، وهذا يحد بشكل كبير من قدرتها على النمو والتطور. كما أن الإجراءات الإدارية والافتقار إلى المؤهلات والقدرات التقنية وكذلك الجهل بالأسواق يضع إنشاء مشروع صغير على مسار محفوف بالمخاطر. بالإضافة إلى ذلك، فإن الضوابط والقيود التي يتم فرضها على المرأة الراغبة بإطلاق مشروعها، يجعل العملية شاقة ومعقدة بالنسبة لها.

غالبية المشاريع النسائية في مالي، هي مشاريع صغيرة جداً، والمرأة هناك لا تزال تسود في القطاعات غير الرسمية وغير المستقرة في إطار الأنشطة المدرة للدخل، وتتركز أنشطتها في صناعة المواد الغذائية، والمنسوجات، والملابس، وصناعة الصابون ومستحضرات التجميل، وأحياناً من دون أي وعي بالآثار المدمرة التي تتركها هذه المنتجات على صحتها وعلى بيئتها. هناك أيضاً مسألة آليات الوصول إلى رأس المال، والحل يكمن في القروض الصغيرة، وهناك دراسات واسعة النطاق بشأن مسألة «المرأة والقروض الصغيرة»، وعلى الرغم من الحملة الإعلامية الواسعة التي تشجع على هذا الموضوع، لا تزال بعض الأصوات تنتقده وتعارضه. إن الحصول على قرض ائتمان هو بالتأكيد مسألة خانقة بالنسبة للعديد من رجال الأعمال، ولكن ليس بالنسبة لهم فقط، فالقروض الصغيرة المقدمة للنساء لا تمثل حقاً الحل السحري، خاصةً عندما لا يكون هذا القرض مدعوماً بأيدي عاملة فاعلة، تحديداً بالنسبة للنساء اللاتي يعانين من الفقر المدقع.  في أحسن الأحوال، تبقى برامج القروض الصغيرة بمثابة «دفعة» للتنمية المحلية، ولتعزيز الروابط بين البنى القائمة، وكذلك لتعزيز الأنشطة المحلية والإقليمية».
بعيداً عن الجانب المالي المحض، فإن برامج القروض الصغيرة تؤثر على قطاعات متعددة، كقطاع الزراعة (المجموعات الريفية وتعاونيات المزارعين ومنظماتهم)، والحرف (مجموعات من الحرفيين والجمعيات الحرفية النسائية)، والتمويل والاقتصاد الاجتماعي (جمعيات الادخار والائتمان والمصارف الزراعية)، والحماية الاجتماعية (الرعاية الصحية وصندوق الصحة الأولي). في كثير من الحالات، يتم طلب القروض الصغيرة من قبل تجمعات تضامنية، وذلك للحصول على المزيد من الضمانات، وهذا الإطار الجماعي يخلق قيمة حقيقية مضافة للزيادة من التمكين الاقتصادي للمرأة. وبالتالي، من الناحية المثالية، تساهم مؤسسات التمويل المحدود ليس فقط بتعزيز المشاريع الصغيرة، ولكن أيضاً بتحسين فرص الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية (المهملة من قبل الحكومات) والرعاية الصحية، وخدمات تنظيم الأسرة والمياه الصالحة للشرب.


المرأة العاملة، النقابات والحركات النضالية

خارج القطاع العام، تعد المرأة العاملة من أول ضحايا سوء ظروف العمل، لأنها لا تملك الضمان الصحي اللازم الذي يغطي لها إجازات الأمومة أو الإجازات المرضية. بالإضافة إلى أنها لا تخضع لقانون الضمان الاجتماعي، وغالباً ليس لها أي تأمين صحي (أرباب العمل يشتركون بعدد محدد من حسابات التأمين وغالباً ما تكون المرأة منسية في هذه الاشتراكات). هنالك أيضاً التمييز في الوظائف، وهو تمييز قائم على الجنس، كما هو الحال في غينيا، حيث يفضل أرباب العمل توظيف الرجال على النساء، مع أنهم يتلقون المساعدات الحكومية لتوظيف النساء (حتى إنهم يحتفظون بهذه المساعدات، ولكن دون احترام شروط الحصول عليها). أما ظروف العمل في القطاع العام، فهي أفضل، ولكن مرةً أخرى، كثيراً ما تجد المرأة نفسها في أسفل التسلسل الهرمي، مع عقود غير مستقرة وأكثر تعقيداً من الزملاء الذكور في موضوع الترقيات.
في رواندا، تعاني الأقسام النسائية في منظمات العمل من عدم وجود التعليم النقابي، وعدم إشراك المرأة في صنع القرار، والركود لدى عدد من أعضاء النقابة، وأيضاً عدم وجود معايير للتدريب على المساواة بين الجنسين. وللتغلب على هذه العيوب، تم الشروع بتنفيذ استراتيجيات تساهم وتركز على تعزيز المساواة بين الجنسين في الشركات وعلى مستوى منظمات العمل والعمال، وعلى قدرتها على دمج الجنسين في جميع أنشطتها.
من ناحية أخرى، يوجد شبكة في طور التأسيس تضم المغرب ومالي والسنغال وموريتانيا، تعمل هذه الشبكة على إنشاء مركز لتدريب قيادات نقابية من النساء في أفريقيا، مع التركيز على تدريب قيادات للاتحاد النسائي، وذلك لتعزيز العمل النقابي وحقوق المرأة وفق المعايير واتفاقيات العمل الدولية، وأخيراً بحوث ودراسات عن العمل النقابي النسائي في البلدان الأربعة المعنية والمذكورة آنفاً.

والتطور الآخر المثير للاهتمام هو التوجه نحو تشكيل مجموعات نسائية للخدمة المنزلية (مثل ناميبيا وجنوب أفريقيا والفلبين)، وللعمل في مجال «الرعاية» (رعاية الأشخاص ورعاية أفراد الأسرة) كما في أفريقيا على سبيل المثال. وهذا بالتالي يعطي مزيداً من الوضوح حول العمل في القطاع الخاص، مهما كان مردود هذا العمل. أما تحديات التنظيم النقابي النسائي المتزايد فهي مهمة جداً، حيث تمنح حيزاً لمعالجة القضايا الحرجة وتقديم تقرير عن هذه القضايا وتطورات الوضع فيها، مثل موضوع الحماية الاجتماعية والصحة والسلامة في العمل، ومكافحة فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والتدريب المهني، والحقوق الأساسية في العمل. والهدف من جميع هذه الإجراءات هو تعزيز المساواة بين الجنسين وتكافؤ الفرص في العمل، ولا سيما في القطاع الخاص.

غالباً ما تواجه النساء في الواقع، سواء في الجمعيات أو التعاونيات أو الشركات أو النقابات، مشكلة الافتقار إلى المهارات والقدرات والتقنيات المتعلقة بالإنتاج والتسويق، الأمر الذي يتطلب دعماً ومتابعة لتحقيق النتائج المرجوة. بالإضافة إلى أنه، وفي كثير من الأحيان، يتم استبعاد المرأة من المناقشات أو التفاعلات المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية، وهذا يؤدي إلى تأسيس وإطلاق مشاريع نسائية تفتقر إلى المعلومات الكافية وإلى الخبرة العملية، تحديداً في مجال الإدارة والمحاسبة والتجارة، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى مواجهتها لعقبات قد تكون مستعصية على الحل: الديون، انخفاض الإنتاج، وعدم وجود فرص، إلخ.

من المهم، ولكي تكون المرأة جاهزة للعمل، أن تخضع للتدريب المهني والتقني (محو الأمية، التدريب المهني لفهم طريقة العمل في مجال الاقتصاد والاستثمار في الأسواق المحلية، المحاسبة والإدارة، إلخ.)،كما ويجب أن تخضع لتدريب يتعلق بقضايا تمسها من الناحية الاجتماعية (حقوق الإنسان والعمل والتحدث أمام الجمهور والثقة بالنفس، وسائل منع الحمل، والأمراض، إلخ).

 

المرأة والاقتصاد
المرأة والاقتصاد