ما تبقى من وجه القاتل … True story

171

يبدأ الفلم بمشاهد عن المهمة الصحفية التي يقوم بها (مايكل فينكل)، لصالح صحيفة “نيويورك تايمز” في إفريقيا، والتي يكون من خلالها بصدد توثيق حالة تعذيب تعرض لها أحد اليافعين في إحدى المناطق التي ترزح تحت وطأة الفقر والحرمان، لكن حينما يعود لأمريكا تظهر حقائق وملابسات أخرى تطعن بمصداقية البحث الذي أجراه في تلك المناطق وتتسبب بطرده. إذ اتهم (مايكل) بأنه اختلق كثيراً من الأشياء غير الموجودة على أرض الواقع، إضافة إلى حقيقة أن المراهق الذي أجري عليه البحث لم يكن هو الشخص المراد ذاته.30-31ما تبقى من وجه القاتل ... True story (3)

يتأزم وضع مايكل على الصعيد النفسي والصحي بعد استبعاده عن العمل رغماً عنه، فيحاول بشتى الوسائل التواصل مع جميع أصدقائه القدامى كي يعاود العمل في مجال الصحافة، إلا أن جميع محاولاته تبوء بالفشل. وفي خضم تلك الظروف القاسية التي كان يعيشها، يتلقى مايكل اتصالاً هاتفياً من (بار فريتو) أحد مراسلي صحيفة “أوغونيون”، والذي أخبره عن شخص يسمى (كريستيان لونغو)، متهم بقتل أفراد عائلته وقد انتحل هذا الشخص حينما اعتقل في المكسيك أي قبل نقله إلى أمريكا اسم مايكل نفسه.

يمضي مايكل إلى الصحفي الذي نقل له هذا الخبر الغريب، ليكتشف من أقواله أن هذا المجرم شخص عادي يتسم بالذكاء ومن عائلة محترمة، وارتكابه لهذه الجريمة دون أي سبب يدعوه إلى ذلك يعد أمراً غير منطقي.

يقوم مايكل إثر تلك الأحداث وبدافع من الفضول بكتابة رسالة إلى لونغو المقيم في السجن، يستأذن فيها أن يزوره في السجن، موضحاً له في الرسالة عن رغبته لمعرفة السبب الذي دعاه إلى انتحال شخصيته، وبالفعل يتم اللقاء في جو لا يخلو من الحراسة المشددة ومدةٍ قصيرة إلى حدٍ ما، فيخبره لونغو ضمن هذا اللقاء بأن أكثر الأوقات سعادة في حياته هي التي مضت حينما كان ينتحل اسمه، ووعده بأن يجعل قصته حصرية له كي يكتبها شريطة ألا يخبر أحداً عن الأشياء التي سيقولها له حتى موعد المحاكمة، بالإضافة إلى شرط غريب آخر، هو أن يعلمه مايكل مهارة الكتابة.

بعد أيام يتلقى مايكل من السجين لونغو حزمة كثيرة من الرسائل على شكل سيرة ذاتية لجميع المراحل التي عاشها منذ طفولته إلى مرحلة زواجه وانجابه للأطفال، ذاكراً فيها مدى معاناته من قسوة والده الصارم في طبعه ومدى التناقضات التي عاشها حينما أصبح مسؤولاً عن رعاية أسرته، إضافة إلى الكثير من التفاصيل المعقدة التي تبرز عمق اشمئزازه من الواقع الذي اضطر إلى معايشته.

بطبيعة الحال لم يعتمد مايكل على لونغو كمصدر وحيد للمعلومات التي هو بصدد جمعها لأجل قصته الجديدة، بل ذهب برفقة صديقه الصحفي “بار فريتو”، إلى المكان الذي كان يقيم فيه لونغو مع عائلته كي يتقصى عن حقيقة مقتل أفراد تلك العائلة التي، وكما تبيّن له، عانت تجربة مرعبة، حيث تعرضت الأم (زوجة لونغو) وأطفالها للضرب والخنق حتى الموت وتجاوز الأمر إلى وضعهم في حقائب مثقلة بالأوزان؛ ليتم إغراقهم في النهر الذي يمر من البلدة المجاورة.

بعد معرفة مايكل لجميع التفاصيل المتعلقة بالجريمة يعود إلى زيارة لونغو ليعقد اتفاقاً شفهياً معه يعده فيه بأنه سيعطيه جميع الملاحظات التي من شأنها أن تطور مهاراته في الكتابة، لكن هذا الأمر سيتوقف عليه بالإجابة عن جميع الأسئلة التي تخطر ببال مايكل بشكل صريح دون أيّة مواربة أو التفاف، وتماماً كما اتفقا وبعد تقديم مايكل ملاحظة نحوية إليه يتوجه إلى لونغو بسؤال فيما إذا كان مذنباً في هذه الجريمة، لكن لونغو اكتفى بالصمت كبداية ومن ثم ردّ عليه ببالغ الألم بأنه لا يستطيع الخوض في هذا الموضوع، فكرر مايكل سؤاله بصيغة أخرى: “إن لم تكن القاتل فلماذا هربت إلى المكسيك”، فأجابه لونغو بعبارات تنطوي على قدر كبير من الإقناع: “أحياناً عليك القبول بشيء ما والرضوخ له كي يتسنى لك حماية ما هو أهم”.

في هذه المرحلة من سير القصة نلاحظ تعلق مايكل بشخصية لونغو وهذا ما نلتمسه في المشاهد التي كان يتحدث فيها هذا السجين عن جميع الأعمال التي كان يقوم بها من أجل رعاية عائلته وإطعامهم، كل ذلك لم يمنع مايكل من مواجهة لونغو ببعض السرقات التي قام بارتكابها ليعترف الأخير بحقيقة أنه فعل ذلك لا لشيء بل في سبيل تغطية حاجات أفراد عائلته التي كانت تعاني الحرمان، مضيفاً أن تلك السرقات لم تكن سوى بعض الأطعمة والأغراض الزهيدة الثمن، لم يعكر هذا الكلام مشاعر مايكل تجاه قضيته بل ازداد حرصه على إظهار الجانب الإنساني في القصة التي يكتبها عنه.30-31ما تبقى من وجه القاتل ... True story (2)

ونتيجة لكل هذه الثقة المتبادلة والتواصل المستمر بين الطرفين، يتمكن مايكل من كتابة قصة لونغو تحت عنوان (ترو ستوري)، ويتلقى عرضاً بقيمة 250000 ألف دولار مقابل نشر هذا الكتاب، لكن شعوره بهذا الإنجاز الذي حققه كان ناقصاً إلى حدٍ ما، إذ كان يشعر بأن القصة غير مكتملة وأن هنالك خفايا لا يعلمها حتى الآن عن حقيقة لونغو، لكن هذا الغبن لم يمنع مايكل من أن يبدي رأيه الداعم حينما رآه في إحدى اللقاءات مستسلماً ومنهاراً قبل محاكمته الأولى، إذ قال له: “إذا كنت تغطي على أحدهم أو كنت تكذب فإن هذا الأمر قد يدمرك وينهيك”.

تزداد حبكة القصة تعقيداً باعتراف لونغو في محاكمته الأولى بقتله لزوجته ماري وابنته ماديسون في حين أنكر أي دور له في مقتل الطفلين الآخرين، شكل هذا الاعتراف نقطة تحول في مجريات الفيلم على جميع الأصعدة، فنرى مايكل من هول ما تلقاه من هذا النبأ في حالة هيستيرية تقارب الجنون وهو يتجه إلى السجن كي يفهم الدافع وراء هذا الاعتراف الذي قدمه لونغو، رغم أنه شرح له في الكثير من المرات عدم اقترافه لهذه الجريمة، إلا أن لونغو استمر بالالتفاف وطلب منه عدم التخلي عنه في أزمته.

في هذه الأثناء من الأحداث تظهر غرابة لونغو شيئاً فشيئاً وخاصة في المشهد الذي أجرى فيه الاتصال من داخل السجن مع (جيل) زوجة مايكل والتي كانت على دراية كاملة بملفه أيضاً، لكن الوجه المزيف للونغو لا يبدأ في الظهور إلا أثناء الإدلاء بإفادته التي ألصقت تهمة موت طفلين من العائلة بزوجته ماري التي قتلها؛ بحسب ما قاله كردّة فعل لما اقترفت يداها من عمل وحشي لا يغتفر، ما جعله يفقد صوابه ويقدم على قتل طفلته ماديسون التي كانت شبه ميتة جراء ما فعلته زوجته بها، لم تكن صدمة مايكل ناتجة فقط عن قدرة لونغو على تلفيق الحقائق بل كانت الصدمة في استغلاله لعبارات مايكل التي كان يقولها له ومحاولة الاستفادة منها خلال إفادته.

لم تستطع زوجة مايكل أن تكتفي بالصمت بعد خداع لونغو لزوجها، بل أرادت أن تنتقم من لونغو على طريقتها فأقدمت على زيارته في السجن وكان اللقاء فريداً من نوعه حيث أسمعته من هاتفها المحمول مقطوعة (كارلو جزوالدو) التي كتبها عام 1611 بعد عدة سنوات من قتله لزوجته وطفله، إذ ألبس عشيقها ثوب زوجته الدامي قبل أن ينهي حياته، لكن جيل وقبل أن تنتهي المعزوفة قالت له:”هذه المقطوعة جميلة إلى حد يمكن فيه أن ننسى بأن الرجل الذي ألفها قد هشم رأس طفله … لقد حاول مايكل أن يفهمك لكي يفهم ذاته لكنني لست بحاجة لذلك فأنت قاتل للنساء والأطفال ونرجسي لا تستحق أي لحظة تعيشها، ولن تفلت أبداً من نفسك”.

واستناداً لجميع الأدلة القاطعة يتم إدانة لونغو بهذه الجريمة المروعة وتتمكن هيئة المحلفين بإصدار حكم الإعدام عليه، رغم ذلك يكتب لونغو بعد فترة وجيزة رسالة لمايكل لطلب لقاءه والذي وافق بدوره على ذلك لكن اللقاء لم يكن سوى محاولة أخرى منه للاستمرار في أكاذيبه، لينتهي الفلم بمشهد يسوده الطابع الرمزي ويعكس مدى تأثر مايكل بهذا السجين الذي قال له أثناء حفل توقيع الكتاب: “يبدو لي في الوقت الذي فقد فيه كريستيان لونغو حريته، فقدت أنت أيضاً حريتك”.

الفلم من إخراج (روبيرت غوولد)، وجسد دور الصحفي مايكل الممثل (جونا هيل)، بينما جسّد شخصية المجرم لونغو الممثل الشهير (جيمس فرانكو)، أما النص فهو مستمد من القصة الحقيقية والكتاب الذي ألفه (مايكل فينكل).

ريناس أحمد سينو