الرسم بالقلم الرصاص.. رشاقة الفن الفطري

567

الرسم بالقلم الرصاص هو البداية الطبيعية لكل رسام تشكيلي، يتعرف إليه منذ الحضانة أو المدرسة، ويتهجى به وهو صغير الخطوط والأشكال، ويحاكي منعرجات الرسمة الموجودة أمامه في الكتاب أو على السبورة، فقلم الرصاص مناسب لتلك البدايات المتعثرة، وحركة يد الطفل المضطربة، لأنه جاف لا يلوث الورق أو الثياب بعكس أقلام الحبر أو الفرش التي تغمس في الأصباغ، ما يسهل على الطالب التعلم، ويقلل من التشوهات على أوراقه، كما أن قابليته للمحو والتعديل تؤهله لهذه الصدارة، وقد تفوّق قلم الرصاص على الفحم الذي يعتبر من أكثر مواد الرسم توفراً ويسراً في الاستخدام، بيد أن ذرات الفحم تلوث يد الطفل وأثوابه، ولهذا كان قلم الرصاص الوسيلة الفضلى في كل بدايات تعليمية في ميدان الرسم.

القلم الرصاص هو القلم المفضل لرسامي الكاريكاتير، ويكاد يكون من اختصاصهم وحدهم، نظراً لرشاقته وسرعته في الرسم، وكونه لا يسبب أية تشويهات جانبية، فهو مثالي لهذا اللون من فنون الرسم، ويلبي السرعة المطلوبة فيه، لكنّ ذلك لا يعني أنه لا يمكن للفنانين في حقول أخرى استخدام الرصاص والإبداع فيه، كما أن كونه هو خيار البداية لأي فنان، لا يلغي قابليته للاستمرار مع الفنان والوصول إلى أقصى درجات الإبداع، فهناك من الفنانين من يلازم قلم الرصاص ويفضله على الأحبار والأصباغ وغيرها، ويستطيع به أن يقدم جماليات فنية باهرة، ومن أشهر الفنانين المعاصرين الذين نذروا أنفسهم لإبداعات قلم الرصاص الفنان الكندي راندي هان المولود عام 1961، الذي بلغ من دقة استخدامه لقلم الرصاص أن المشاهد عندما يعاين صور الأشخاص الذين يرسمهم يخيل إليه أنه أمام صورة فوتوغرافية مأخوذة بدقة عالية، بتقنية الأسود والأبيض، ويعتبر راندي من أكثر الفنانين موهبة في رسم تفاصيل معقدة تشبه إلى حد كبير الحقيقة، وهو يستمد موضوعاته من مشاهد الطبيعة وملامح الأشخاص وحركاتهم، ويلتقط كل ذلك بدقة وحذق.

في الإمارات لم تختلف مسيرة الفنانين عن غيرهم من فناني العالم، فكل واحد منهم عرف البدايات المدرسية مع قلم الرصاص، وتعلموا من خلاله أن يصنعوا إبداعاتهم البريئة على الورق، وقد سعت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية عند انطلاقها عام 1993 إلى استثمار مهارات الرسم بقلم الرصاص، وذلك من خلال معرض «قلم رصاص» الذي نظمته في ذلك العام، وشهد مشاركة واسعة من طرف فنانين قدموا رسومات جميلة بالرصاص وضعت العديد منهم على طريق الإبداع، ومن الفنانين من تجاوز تلك مرحلة البدايات تلك سريعاً، من دون الاحتفاظ بأية تجارب منها، ومنهم من استمر لفترة يرسم بقلم الرصاص بالموازاة مع الرسم بالألوان والأقلام الأخرى، كعبد الرحيم سالم الذي تشهد بداياته على إمكاناته الكبيرة في استخدام قلم الرصاص، وكذلك الفنان محمد القصاب والدكتورة نجاة مكي، أما الدكتور محمد يوسف فقد شكل قلم الرصاص عنده عنوان مرحلة من مراحل مسيرته الفنية هي مرحلة الفن الفطري، التي مال إليها في فترة وأنجز فيها عدة تجارب بالاعتماد على قلم الرصاص، وهذه المرحلة وإن كانت لم تخل عنده من استخدام الألوان إلا أن قلم الرصاص شكل احدى ركائزها، وأظهر يوسف من خلاله قدرات إبداعية كبيرة.
يعتبر حسن شريف أحد أهم الفنانين الإماراتيين الذين استخدموا قلم الرصاص لفترة طويلة، وأنجز به عدة أعمال تتجاوز مراحل البدايات، وتوغل في الإبداع، وقد ركز اهتمامه في هذه الفترة على رسم البورتريهات والاسكتشات، وكان أسلوبه فيها أسلوباً تعبيرياً، لا يحاكي المشاهد كما هي في الطبيعة، بل يقدمها من خلال انطباع الفنان عنها، وربما شكلت تلك المرحلة إرهاصا للتطور اللاحق الذي ستشهده تجربة شريف بالانتقال إلى المفاهيمية، ولن تخطئ عين المتأمل في تلك التجارب قدرة شريف على التقاط التفاصيل، وتشكيل المشهد كما يريده، وتضمينه الانطباع الذي يحس به، ما يعني أن إمكاناته في استخدام قلم الرصاص هائلة.
ينظم مجمع الشارقة للآداب والفنون والمرسم الحر في أبوظبي وغيرها من المؤسسات المعنية بالفن بين الحين والآخر دورات في تقنيات الرسم بقلم الرصاص، تأكيداً على أهميته كوسيلة تأسيسية في تجربة كل فنان.

المصدر: صحيفة الخليج