صوت الكمنجة مازال عالياً

1233

أنظر إليه.. كلّ شيء فيه يستدعي الغيرة لتعشش فيّ، وتدفعني للجنون.. عيناه وتفصيلات ليل معتم يغزوه هدبان يرسمان بدايات ونهايات حكايات شغف..

“حبيبي! ثمّة شيء ما على عينك اليسرى انتبه لها”.

شعره وتموجات البني الآسر، وتلك التسريحة الفاتنة التي اخترتها له، وأنا أخشى عليه من عيني معجبة.. “حبيبي! ثمّة شعرة هناك ناشزة، أعد تصفيف شعرك”.

شفتاه المكتنزتان اللتان ترسمان عيدي قبلاً، كلّ مرّة يغزوني شيطان الغيرة ليخبرني بأنّ هناك أخرى ستتذوقهما ذات يوم! شفتاه اللتان تنفرجان عن ابتسامة تجعل قلبي يستعيد شغف أول لقاء في كلّ مرّة..

“حبيبي! لا تبخل على الحاضرين بابتسامتك العذبة تلك”.

جسده المتناسق، وتلك اليد التي تعرف تضاريس جسدي أكثر مما أعرفها أنا، وذاك الكتف الذي يحتضن الكمان في مشهد آسر، جعلني أهذي لأيام لحظة رأيته، حتى قررت أن أتعلّم العزف على الكمنجات، علّي أصل يوماً إلى لحظة عناق توازي عناق الكمنجات لألحانها..

“حبيبي! اعزف تلك القطعة التي أحبّ”.

أحياناً أظنني حمقاء أو مجنونة، فقد حظيت برجل تحسدني عليه كلّ نساء الأرض، ومع ذلك أسمح لهنّ بمشاركتي فيه، ليتني أستطيع حبسه، أو رميه في قاع قلبي ليكون لي وحدي أكثر مما هو الآن..

“لا تعامل الفتيات بعجرفة.. ابتسم لهنّ.. وكن كما عرفتك.. فأنا أثق بك!”.

يطوقني طويلاً، يعانق كلّ مسامات جسدي، يسكب صوته بالغزل، وشفتاه بالقبل، ويهبط ليقبّل ابنه فيّ.. وهو يقول له: “انتبه لحبيبتي في غيابي”.

لم يقل لي يوماً: انتبهي للصغير، أو اعتني بنفسك من أجله، هو دائماً يراني أهم من كلّ شيء حوله، وإن كان ذاك الطفل ابنه، فهو لن يحبّه إلا لأنّه مني..

دخلت جنّته، وما فارقتني روائح الفرح مرّة، لم نختلف مرّة، لم يرفع صوته مرّة.. لم يتذمرّ، لم يسأم، لم ولم..

جنّة جعلتني أخشى عليها من الغيرة التي تنهشني، وتثير فيّ هاجساً واحداً أنّه سيهب جنّته هذه لأخرى ذات يومٍ تشاركني فيه!

كنت أغلق قلبي على ذاك الهاجس، رغم تردده في كلّي دوماً، وكأنني بيني وبيني أشعر بأنّ هذه السعادة لا تليق بي!

يرفع رأسه بعد أن عانق صغيره فيّ، ويغمرني بعناق طويل ليسّرب إليّ رائحته الشهيّة، وكأنّه لا يريد أن يذهب، وينتظر منّي أن أسأله البقاء، كدت استسلم له، وأسلمني لموجة الحبّ تلك.. لكني دون وعي أقول: ” يّا اذهب حبيبي.. هذا الصغير يحتاج الكثير..”.

عندما أحضن الفراغ في غيابه، أشعر بمقدار غبائي، ماذا لو بقي أكثر.. ماذا لو قضينا ساعة أخرى بكلّ العمر..

“ما بك.. سيعود مساء وستقضين معه ليلة جميلة ككل ليلة!”

“ثمّة وعورة في ذلك الطريق الذي كنت أسلكه، لكني كنت أؤمن أنّ يده لن تتركني أنزلق، أحضن كتفه، ويده الأخرى تمسك بكمانه، رغم maxresdefaultالكعب العالي الذي كنت ألبسه لأصعد إلى قامته، لم أجفل من الحفر التي تصادفني، كلّما تعثرت أتمسك به أكثر.. فجأة انتهى الطريق، خطوته كانت تسبقني، سقط هناك في الغياب، وأنا أمسك بكتفه الذي بدأ يتهاوى، رفع يده الأخرى التي تحمل الكمان، أمسكت بالوتر، فتردد منه لحن حزين، ثم صرخة..”.

فتحت عينيّ بعيداً عن ذلك الفخ/الغياب، قلبي يخفق بجنون، وقلب الصغير في داخلي يضربني أيضاً، أمسكت هاتفي المحمول وأنا أرتعش.. اتصلت به، فجاء صوته عيداً: “دقائق وأكون عند الباب..هيّا افتحي!”..

مذ حملنا أرواحنا بعيداً عن بلاد الحرب، وقلبي لا يطمئن لأي تأخير، كنت رغم كلّ ما يجري في حلب أجد للتأخير ألف مبرر منطقي، وآخر يستفز قلبي خوفاً، وبسبب ذلك الخوف الضئيل، قررنا أن نترك مدينة تسكننا، ونأوي إلى الأمان في مكان ما، أخبرته بأنّه وطني، وأنني معه لن أشعر بالغربة، وهذا ما حصل، ولكنه ما إن يخطو خارج عتبة الباب، حتى تنهشني الغربة، فأنسلّ مني إلى عالم غارق بالصور، صور حلب، أندس في أخبار الجميع، أتأوه معهم، أعود إلى حلب وأمارس كلّ طقوس الخوف، أرتعد من قذيفة هاون وأفور غضباً من برميل.. أرتجف من أخبار الخطف والموت والغلاء والجنون وانعدام كلّ شيء، أحمد الله أنني هربت معه، ولكنّه الحنين يفتت روحي، تظهر لي صفحته الشخصيّة، أفتح صورته أقربها، أحضن ابتسامته، أربت على بطني وأخبر صغيري بأنّ لديه أباً جميلاً، أتملى تفاصيله، أشعر بالطمأنينة.. ثمّ تمتدّ يدي إلى أسماء المعجبات، ينقبض قلبي مجدداً من كثرتهن.. ويعاود هاجس أن تشاركني إحداهنّ قلبه لاحتلالي..

لم يخطر في بالي يوماً أنّ الموت قد يقترب من سعادتي هذه، كان خوفي منه قد انتهى من يوم رحلنا عن مدينة الموت، كنت قد التفتُّ نحوه قبل الرحيل، وأخذت منه وعداً بألا يلحق بي..

كان يقيني بغيابه يجعلني مهووسة بالغيرة فقط، بخطر المشاركة لا أكثر، كنت مطمئنةً أنّ الأبديّة هي عالمي، وأنني وإياه استحلنا إلهين سنحيا ما شئنا.. سننجب قبيلة من الصبيان والبنات، سنرى أولادهم، وسيبقى هو يعزف على كمنجته لحناً لا ينتهي..

لكنّ الموت وبعد ذلك الكابوس عاد يتمثّل لي في أنّ طفلنا المنتظر لن يلامس وجه الحياة، لم أخبره بخوفي ذاك، لكنّه أحسّ بهواجسي عندما لذعه طعم الملح الزائد في الطعام، حضنني، وقال: “لا تخافي يا أميرتي، ستلدين لي قريباً قمراً يشبهك، وسنحيا معاً عمراً أطول مما تتخيلين”.

اطمأنت روحي، وعدت إلى عاداتي اليومية، أمارس الغيرة يقيناً لا أملك أن أبوح به، وأمارس الحبّ حلماً لا أنوي الاستيقاظ منه!

في ذلك اليوم، عاد مرهقاً، لم أنتبه إلى مرضه إلا ليلاً، عندما راح يئن. تلمست جبهته العالية، كانت تشتعل، ظننت أنّ البرد اللعين قد أصابه، رحت أهتمّ به، وأسهر على راحته، عندما استمرّت الحالة يوماً آخر، صرت على يقين بأنّ إحدى المهوسات به قد سحرته، أو أنّ أحد الأشخاص قد غار منه، فأصابه بعين آثمة!

رحت أرقيه بآيات القرآن، وأمسح عرقه بيدي، أتلمس جبهته بقبلة، وأردد على مسامعه أغنية يحبّها، تنبهت إلى وجود حبّة صغيرة في يده، حبّة حمراء، تبدو وكأنّها قرصة من بعوضة ما، فركتها بالكحول، وعندما هدأت الحمى، وبدأ جسده يستعيد حرارته الطبيعيّة، فتح عينيه، ونظر نحوي، ابتسم وقال: “أعتذر حبيبتي، أقلقتك، وأنا الذي يجب أن يهتمّ بك”. قبلته، وحضنته، لكني شعرت بهشاشته، فيده القوية لم تجذبني إلى صدره كما العادة، طلب مني أن أحضر الكمان، وأعزف له.

مذ تتلمذت على يده، وأنا أشعر برهبة من العزف أمامه، لكني اليوم كنت مطمئنة وأنا أحتضن كمانه، كنت أعزف أجمل ما استطعت، أستمع إليّ وكأنني أستمع إليه، وكأنني أراقصه، أو أذوب بين يديه حبّاً.. عندما استيقظت من غيبوبة الموسيقا تلك، كان قد دخل في غيبوبته، ولم يعد منها أبداً..

لم أصدّق ما قاله الأطباء، لم أصدّق أنّ بعوضة صغيرة تافهة قد قبلته قبلة الموت، وسرقته مني بمرض لا نعرفه نحن أصحاب الموت الملون، لا يوجد في بلادنا موت الملاريا، وكأنني غادرت حلب، لأضمه إلى قائمة موتنا..

لم أصدّق أنّ الموت قد غدر بي، وسرقه.. كنت كالمجنونة أصرخ: “لا لم يمت حبيبي، لقد وعدني أن نبقى معاً عمراً أطول مما نتخيل.. لا لم يمت”..

ها أنا أحضن الآن صغيره، إنّه هو، وكأنّه حين زرعه فيّ قال له: كن أنا من أجلها! فكان..

ما زلت إلى الآن لا أصدق موته، وبيني وبينه وعد ما نكثه يوماً، صوت كمنجته مازال عالياً.. أحضنها، وأرحل في غيبوبة الموسيقا إلى غيابه، أحضن ذكراه، أراقصه.. وعندما أصحو يكون قد عاد من غيابه وقد حلّت روحه وجسده في طفل صغير سيكبر يوماً ما ليكونه!

غفران طحان