اعتقال “آية” بتهمة الزواج من مسلّح

286

فتح الباب ودخلت، نزعت العصابة عن عينيها وناولتها لعناصر الأمن الذين أوصلوها إلى ذات المهجع، حيث نقضي فيه فترة اعتقالنا في فرع فلسطين.

آثار الدموع واضحة على وجهها، تعودنا أن نستقبل الوافدات الجديدات بهدوء دون الخوض في الأسئلة من مثل: ما تهمتك؟ ما الذي أتى بك إلى هذا المكان؟ كنا نتركها لتلتقط أنفاسها، نناولها الماء لتشرب وتهدأ. بدأت آية بالبكاء، كانت شابة صغيرة في العشرين من عمرها، يظهر أنها حامل في شهرها الثالث أو الرابع. ظلّت صامتة ودموعها تتساقط على وجنتيها، بدا لنا أنها لا تريد التحدث عن قصتها أو تهمتها، مع أنها كانت ترى الفضول في وجوهنا لمعرفة الأسباب التي جاءت بها إلى هذا المكان الحقير.

لم تمض إلا ساعات قليلة حتى طرق أحد السجانين باب المهجع منادياً باسمها، لم تفزع أو تنتفض، بل قامت بكل برود إلى الباب حيث ناولها العصابة لتضعها على عينيها قبل أن تخرج. لم تتعرض أي واحدة منا سابقاً لمثل هذه الإجراءات، فظننا أنها تواجه على الأغلب تهماً كبيرة وخطيرة. حين عادت إلى المهجع نزعت العصابة عن عينيها، ناولتها للسجان ودخلت ثم افترشت الأرض وانفجرت بالبكاء والنحيب. كانت آثار الضرب الذي تعرضت له واضحة على كتفيها وذراعيها، لكنها لم تقل أمامنا شيئاً. حاولنا تهدئتها ومراعاتها كحامل، كنا نتسابق لنقدم لها الطعام من أجل جنينها الذي تحمله. تكرر كثيراً مشهد استدعائها للتحقيق وعودتها باكية إلى المهجع بنفس الطريقة، إلى أن حدث ذات يوم، وقد فاض فرع فلسطين بالمعتقلين وامتلأت كل غرف التحقيق والممرات، فتم التحقيق معها في الغرفة المجاورة حيث أمكننا سماع القليل من مجريات التحقيق عبر فجوة بين المكانين في أعلى الجدار المشترك بينهما. كانت تهمتها أنها زوجة أحد القياديين المعروفين في الجيش الحر، وكانت تنكر ذلك وتنكر معرفتها به. وحين وجه إليها سؤال عن والد الجنين الذي تحمله في بطنها، أجابت: لا علاقة لكم بحياتي الخاصة ولا بهوية والد طفلي. أنا حرّة، لست متزوجة، هذا شأني وليس شأنكم. كان في كلامها تصريح بأنها امرأة سيئة السلوك وفق المنظومة الأخلاقية والدينية والاجتماعية في مجتمعاتنا. تزايدت الضغوط عليها لتعترف بزواجها، وزاد ذلك قوة إنكارها. واجهوها بمكالماتها الهاتفية ورسائلها وأنكرت، واجهوها بأن رقم هاتفها يعود لأخت ذلك الشاب الذي يسألونها عن زواجها منه، وظلت على إنكارها حتى آخر لحظة.

في تلك الفترة بدأت ترتاح للبعض منا وتحكي تفاصيل قصتها الحقيقية. كان ابن جيرانها في الحي الذي سكنته خلال فترة الثورة والمظاهرات السلمية، ولفت انتباهها بشخصيته القوية ووسامته وأخلاقه، فأحبته وأحبها. اعتقل من قبل النظام لمشاركته في المظاهرات السلمية عدة مرات، وأخلي سبيله لكنه بقي ملاحقاً ومطلوباً من قوات الأمن. قرر بعد ذلك أن يحمل السلاح ويدافع عن نفسه ليتجنب اعتقالاً آخر يسوقه إلى التعذيب واحتمال الموت. انخرط لاحقاً في صفوف الجيش الحر وأصبح قيادياً، ثم تقدم لخطبتها والزواج منها، فوافقت وشعرت أنها أسعد إنسانة في العالم لزواجها من فارس أحلامها الجميل والقوي. عقد قرانهما على يد “شيخ”، إذ لم يكن ممكناً أن يتزوجا رسمياً عن طريق المحكمة بسبب ملاحقته أمنياً. قضية ذلك الزوج وما آمن به كانت قضيتها أيضاً، وحده حبها الكبير له وخوفها عليه كان وراء إنكارها لزواجها به، كانت تؤمن أنه الفارس الذي سيخلصها من محنتها وبالقوة، وهذا بدوره منحها طاقة للإصرار على موقفها.

حدث ذات ليلة وسمعنا صوت اشتباكات قريبة جداً من الفرع، تزايدت الأصوات وتطورت لنسمع صوت قذائف الهاون وكأنها تقع على رؤوسنا. كانت الأرض والجدران تهتز من عزم صوت الاشتباكات التي لا نعرف عنها شيئاً، خافت المعتقلات من مصير آخر ولجأن إلى زوايا المهجع يبتهلن إلى الله ليرأف بهن، بعد أن سيطر عليهن الخوف والرعب، أما آية، فلم تتمكن من إخفاء فرحتها وسعادتها، ابتسمت ابتسامة النصر والثقة، التمعت عيناها وتوهجت وجنتاها وكأنها تقول: “حبيبي وفارسي أتى مخلّصاً، سيحررني ويحرر كل المعتقلين والمعتقلات في الفرع”. أخذت حالتها المطمئنة المؤمنة بالحرية الوشيكة تنتقل إلينا لنبدأ حالة من الترقب، مؤمنات أن الباب سيفتح ونهرع إلى حريتنا. تماديت في حلمي قليلاً، وصرت أفكر بتفاصيل أخرى في رحلة الحرية، وربما شاركتني الأخريات تلك التفاصيل: كيف سنأخذ أشياءنا معنا؟ بطاقاتنا الشخصية وهواتفنا المصادرة، حقائبنا، هل سنجد وسيلة تأخذنا إلى بيوتنا؟ لن أنتظر، سأركض وأركض.. تصاعد الحلم أكثر وأكثر، وصرت أفكر أين سأذهب أولاً، أمي؟ أولادي؟ أيمن؟ ميسون وأليسار وخولة؟ ثم توقفت أحلامنا فجأة حين ساد الصمت في الخارج، لقد انتهت المعركة، ولم يدخل الفاتحون إلينا، فشلت عملية تحرير المعتقلين والمعتقلات وانكسرت أحلامنا. تبدلت أسارير وجه آية، عادت نظرات الحزن واختفت الابتسامة، لكن إيمانها بأنه سيعود ويخلصها من جديد لم يختف أبداً.

بدأت حالة آية تزداد سوءاً، بسبب الحمل والجنين الذي ينمو في أحشائها بظروف قاسية جداً، بدءاً من حالتها النفسية وصولاً إلى سوء الغذاء وظروف المكان غير الصحية. نقلت إلى المشفى عدة مرات بسبب النزيف الذي أصابها، كانت كالوردة تذبل أمامنا وتصفرّ ولا حول لنا ولا قوة. تمنت كثيراً لو تحوّل للقضاء ويصدر الحكم بحقها مهما كان، فلا مكان أسوأ من فروع الأمن من كل النواحي، لكن كان عليها أن تتحمل ستة أشهر كاملة في الفرع وهي تخضع للتحقيق والأسئلة مرة كل يومين أو ثلاثة أيام، وتنقل إلى المشفى كل أسبوع أو أسبوعين بسبب النزيف، وتعود منهكة لا تقوى على الوقوف. لم يكن وضعها الصحي يؤخذ بالاعتبار، إلى أن شارفت على الولادة، فنقلت إلى سجن عدرا ومنه إلى المشفى، حيث وضعت طفلها وعادت إلى سجن عدرا ريثما تم أخيراً الإفراج عنها، دون أن تعترف بأنها متزوجة، أو أن زوجها ينتمي إلى الجيش الحر وأنه والد طفلها الذي أنجبته في السجن.

كثيراً ما فكرتُ فيها وفيما يمكن أن يكون قد حل بها. هل وجدت حبيبها بانتظارها، وكيف كان لقاؤهما بعد غياب؟ أم أنها خرجت لتجد نفسها أرملة تحمل يتيماً قتل أبوه قبل أن يراه أو يسمع صوته؟ هل وجدت بيتها كما تركته، أم أنه أصبح أنقاضاً بعد أن سقط عليه برميل؟ هل كانت في مدينة حاصرها النظام لتموت برداً وجوعاً؟ هل نزحت إلى مدينة أخرى أكثر أمناً، أم ركبت البحر مع طفلها في رحلة موت وذل سعياً للنجاة كما فعل كثير من السوريين؟!

هند مجلي