الزواج المبكر في اليمن

646

الفقر والجهل والفهم الخاطئ للدين

بحرية شمشير علي ـ اليمن, خبيرة بالنوع الاجتماعي

ينتشر الزواج المبكر في المجتمع الريفي والأسر الريفية اليمنية أكثر منه في المدن، وذلك بسبب الجهل والأمية، وأيضاً الفقر المدقع، كما أن الأعباء الكثيرة التي تتحملها المرأة الريفية في الأعمال الزراعية وتربية الحيوانات جعلتها أكثر طلباً للزواج لمساعدة أهل الزوج، هذه الظاهرة أدت في النهاية إلى تسرب الفتيات من التعليم، وتدني المستوى التعليمي في الأسرة، وزيادة معدل النمو السكاني وعدد الوفيات بين الفتيات، وتدهور الصحة عند النساء بسبب زيادة الإنجاب، كما أن زواج المرأة في دون سن البلوغ جعلها عرضة لحالات الطلاق، وذلك لعدم استعدادها للحياة الزوجية ولا للإنجاب أوتربية الأطفال، لأنها تعتبر طفلة وفق قانون حقوق الإنسان.ش3صث43

ومن أهم أسباب زواج الفتاة في سن مبكرة الفقر، الذي يدفع بكثير من الأسر إلى تزويج بناتها لكي تخفف من مصاريف وتكاليف المعيشة. إن الزواج المبكر المنتشر في الأسر الريفية أدى بدوره إلى خلق مجتمع غير مؤهل للمشاركة في التنمية الشاملة.

أشكال الزواج المبكر في الريف اليمني:

– إجبار الفتاة الصغيرة على الزواج من ابن عمها.

– زواج السادة.

– زواج الشغار (زواج البدل).

– الزواج الجماعي، حيث تزوج الفتاة بعد تسربها من المدرسة من الصف السادس أو السابع ابتدائي.

– الزواج السياحي.

يدّعي الشيخ «محمد بن ناصر الحزمي»، عضو مجلس النواب وأحد المناهضين لتحديد سن الزواج «أن منع الزواج المبكر وتحديده بسن معينة، ومعاقبة من أراد أن يعف ابنه أو ابنته بالزواج قبل هذا السن بالسجن والغرامة المالية، ماهو إلا تحريم لما أحله الله سبحانه وتعالى في كتابه، وتجريم لفعل فعله النبي صلعم والتابعون».

أما الشيخ «جبري حسن»، عضو جمعية علماء اليمن وأحد المناصرين للأمومة المأمونة وتحديد سن آمن للزواج، فيرى أن نظرة متعمقة لزواج الأطفال أو الفتيات خصوصاً، من شأنها أن تكوّن اعتبارات مختلفة لما فيه من تناقض مع المنظور الإسلامي الشامل للزواج، فالزواج المبكر يفتقد إلى مقومات الزواج الأساسية، لأنها مرحلة الطفولة التي تتسم بعدم اكتمال النمو البدني، وخصوصاً للأجهزة التناسلية، وعدم القدرة على الحمل عند الفتاة، وعدم بلوغ النضج النفسي الكافي لتحمل عبء الزواج وتبعاته».


تعريف الصحة الإنجابية:

ورد في برنامج المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام 1994 أنها «حالة السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة، وليست مجرد انعدام المرض والعجز في جميع الأمور المتعلقة بالجهاز التناسلي ووظائفه وعملياته».

ترى الدكتورة «عفاف الحيمي» من جامعة صنعاء أن «المشكلات التي تتعرض لها الفتاة في العلاقة الزوجية المبكرة كثيرة منها: أن الطفلة الأم والزوجة الصغيرة تتعرض لمسؤولية كبيرة لا تقدر على تحملها، مما يؤدي إلى توتر ذهنها ومضاعفات كثيرة، من أهمها ترك التعليم الذي يعتبر ضرورياً للمرأة، وأهم عناصر الحياة وهو التعليم. كذلك تتسرب الإناث من المدارس وتحرم المتزوجة وهي صغيرة من بناء شخصيتها الاجتماعية، فتصبح مشوهة من الداخل، وتشعر بالضعف تجاه الآخرين وخاصة الرجل الذي هو زوجها أو ابنها أو أخوها، فلا تستطيع أن تحتج أو تنتقد، وتشعر دائماً بأنها إنسان ضعيف».

تشير الأرقام إلى ارتفاع نسبة النساء المتزوجات في أعمار صغيرة، إذ إن الفئة العمرية من 10 – 19 سنة قد شكلت 75 % مقابل 25 % للرجال في نفس الفئة العمرية. وتشير كذلك إلى ارتفاع نسبة النساء المتزوجات في أعمار صغيرة. وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء ووفقاً لنتائج المسح الديمغرافي لصحة الأم والطفل، فإن الزواج المبكر ينتشر بين الفئة العمرية من 15 – 18 سنة، حيث وصلت نسبته الى 48 %،13 % منهن قد تزوجن أكثر من مرة.

أما عن الرؤية العلمية للموضوع، فقد قامت «شبكة شيماء لمناهضة العنف ضد المرأة» بإعداد دراسة حول الزواج المبكر، استهدفت ثلاث محافظات هي صنعاء، الحديدة وحضرموت، تطرقت الدراسة لعلاقة الزواج المبكر بحقوق الإنسان والطفل، حيث اعتبرت أن زواج الصغيرات مظهر من مظاهر ثقافة التمييز، وذلك بناء على الاتفاقية الدولية لمكافحة كافة شكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، حيث تبين الاتفاقية أن التمييز اجتماعي ثقافي وليس قانونياً.

الدراسة التي تمت في المحافظات الثلاث، تظهر انتشار البنى والممارسات الثقافية التقليدية التي تقوم على أساس التمييز بين الرجل والمرأة، واتضح من خلال البحث الميداني أن توجهات السكان نحو الزواج المبكر تمثل مظهراً من مظاهر التمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي، فعلى سبيل المثال يرى 26.6 % من أفراد العينة أنه من الأفضل للفتاة الزواج قبل بلوغها سن الثامنة عشر.

لتحليل وضع المرأة الريفية يجب على المرء أن يدرك الاختلافات الإقليمية في أدوار المرأة ووظائفها، علاوة على ظروفها العامة، بما في ذلك الظروف السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.لا زال قرار الزواج في المجتمع اليمني شأناً عائلياً أكثر منه فردياً، إذ عادة ما يتم الاتفاق بين العائلتين، لا بين طرفي العلاقة المباشرة (الولد والبنت)، حيث يتم الاتفاق والتراضي بين الآباء، الأعمام والأجداد، الذين يبررون احتكارهم لعمليات اتخاذ القرارات الخاصة بزواج أبنائهم، بأنهم أعلم بمصالح الأبناء، وهم في الحقيقة يرغبون في فرض الامتثال للمعايير التقليدية على الأبناء، والحفاظ على التوجهات والقيم التقليدية (الاجتماعية منها والثقافية)، والمصالح العائلية.

أشارت عدة دراسات إلى أن فئات واسعة من المجتمع اليمني لا تزال حبيسة النظرة التقليدية للمرأة، التي تستند إلى عدم المساواة والفهم الخاطئ والممارسات الاجتماعية والثقافية التي أوصلت المرأة لموقع متدنٍّ.

الزواج المبكر الذي أثير في الآونة الأخيرة يعتبر ظاهرة تستحق البحث والمناقشة، لأنها قد تكون أحد أسباب بطء التطور الاجتماعي والاقتصادي في الحياة اليمنية، كونها تثقل كاهل الزوجين الصغيرين قبل الآوان.


الأسباب والدوافع لزواج الصغيرات:

  • الفهم الخاطئ لمسألة الدين، إذ يعتبر الزواج «نصف الدين».
  • انخفاض المستوى التعليمي وعدم وجود المدارس الكافية لتسهيل تعليم الفتاة، كذلك عدم وجود صفوف محو الأمية لمتابعة الدراسة المسائية.
  • قلة وعي المرأة الريفية، نتيجة العادات والتقاليد التي تمنعها من المشاركة المجتمعية.
  • عدم وجود المنظمات النسائية الفاعلة في مناطق الأرياف، لتوعية الآباء والأسر بمضار الزواج المبكر.
  • من أهم هذه العوامل خلفية المرأة الاجتماعية، حيث يلعب هذا الجانب دوراً كبيراً في تقبلها للعنف الواقع عليها.
  • الفقر والعامل الاقتصادي، وارتباطها بالزوج أو الطلاق، وتقبلها الذل والمهانة نتيجة لصغر سنها.
  • قلة وعي الأهل بمضار الزواج المبكر.
  • عدم تضييع فرصة وجود زوج (بنظر الأهل) جيد مادياً واجتماعياً.
  • رغبة أهل الشاب تزويج ابنهم بفتاة صغيرة تسهل السيطرة عليها.
  • رغبة الرجل الزواج بفتاة صغيرة سهل تطويعها ويمكنه التحكم بها.
  • عند بلوغ الفتاة سن العاشرة، يصبح هم الأسرة تزويجها، باعتبارها شرف العائلة، بحجة سترها.
  • ميل الأسر الفقيرة لتزويج بناتهن في سن مبكرة، للتخفيف من المصاريف وتكاليف التعليم.


موقف الدولة:

بالرغم من أن الحكومة اليمنية قد صادقت على اتفاقية السيداو واتفاقية حقوق الطفل، فإن موقف أعضاء مجلس النواب ما زال غامضاً حتى يومنا هذا، وليس هناك من موقف واضح وصريح لإصدار قانون يحدد سن الزواج.

موقف علماء الدين:

ليس لعلماء الدين كذلك موقف واضح، والأغلبية منهم مع تزويج الصغيرات، وهذا ما نستدل عليه من خلال خطب الجمعة وطلب الاقتداء بالرسول الكريم في زواجه من عائشة رضي الله عنها، وما حلله الشرع، فكيف للإنسان أن يحرمه، فكما يقال: إن زواج الصغيرات يدخل في بوتقة الحفاظ على الشرف والأخلاق الحميدة، فيما تتعرض له أخلاق البنات وتتأثر بأجهزة الإعلام المرئية.

مــوقف العامـــة:

غالبية الناس ضد هذا الزواج، حتى في المناطق الريفية، وخاصة الأسر التي تعرضت بناتها لتجربة زواج قاسية، لكن الجهل وموضوع الستر والأخلاق يلعب دوراً هاماً، أضف إلى ذلك عدم وجود الأئمة المستنيرين في المناطق الريفية والنائية، إضافة إلى الفقر والأمية، اللذان يعتبران عاملين حاسمين في هذه القضية.


موقف المانحين:

ليس هناك من خطط واضحة تجاه هذه الظاهرة للحد والتخفيف منها، فمثلاً منظمة الأغذية تتخذ من موضوع الحد من تسرب الفتيات من المدارس موقفاً يتجلى بإعطاء فتيات الريف أغذية، لكن هذا لا يمنع الظاهرة ولا يخفف منها، فهو إجراء مؤقت، خاصة وأن الغالبية من سكان الريف فقراء، تتفشى الأمية بينهم، فيلجأ رب الأسرة إلى تزويج ابنته الصغيرة للتخلص من أعبائها.

ما يتبغي فعله هو الضغط على الدولة لاتخاذ إجراءات واضحة وصريحة، أي إصدار قانون يحمي الفتاة الصغيرة ويحدد سن الزواج.


مقترحات وحلول:

  • مراجعة وتعديل القوانين والتشريعات لتتلاءم مع الدستور والمعاهدات الدولية.
  • الاستناد إلى اتفاقية حقوق الطفل التي وقعت عليها الحكومة اليمنية لتحديد سن الزواج.
  • تحديد السن الأدنى للزواج في التشريع الوطني، عن طريق وسائل مناصرة مختلفة ومتكاملة.
  • دعم حملات المناصرة الداعية إلى تثبيت الحد الأدنى لسن الزواج في القانون.
  • دعم الاستمرار في توعية المجتمع بمخاطر تزويج الصغيرات.
  • إيجاد الدعم لمنظمات المجتمع المدني للعمل مع الأجهزة الإعلامية المسموعة والمقروءة على برامج توعية.
  • تبني وزارة التربية والتعليم، كذلك وزارة الأوقاف موضوع الزواج المبكر، من خلال الكتاب المدرسي، ومن خلال خطبة الجمعة التي توزع على المساجد أسبوعياً.
  • إيجاد الدعم من المانحين ودول الجوار، لرفع الوعي من خلال المدارس، وخاصة في المرحلة الأساسية من التعليم الابتدائي.
  • تفعيل دور المجلس المحلي في كل مديرية وخاصة اللجنة الاجتماعية فيما يخص الصحة الإنجابية.
  • تفعيل قانون التعليم الإلزامي للمرحلة الأساسية (يستهدف استيعاب السكان في الفئة العمرية 6 – 14 سنة).
  • بناء مدارس خاصة بالبنات، قريبة من التجمعات السكانية، وإيجاد كادر تعليمي نسائي.
  • الاهتمام بصفوف محو الأمية، والاهتمام بمواصلة الفتيات تعليمهن المسائي.
  • تفعيل دور الأزهر الشريف، ليقوم بدوره التعبوي والإعلامي، بإعداد مرشدين يقومون على برامج توعوية للآباء، لرفع الوعي بمخاطر الزواج المبكر وكلفته الاجتماعية.
  • بناء بيوت الإغاثة أو الرعاية للهاربات من أسرهن، فالغالبية منهن قاصرات، يأتين من االريف بسبب العنف الذي مورس تحت مسمى الزواج المبكر.