الوطن وأزماته في كتابات أبرز الأديبات العربيات

290

كثيراً ما اتّهم الأدب النسائي بالقصور والجمود في تناول القضايا العامة، لكن هناك أديبات عربيات اقتحمن قضايا مختلفة وعبّرن من خلالها عن هموم الوطن وأزماته.

وتشكّل “المحنة” جزءاً لا يتجزأ من إبداع وتطور الشخصية الأدبية. وعبّرت العديد من الكاتبات عن الأزمات المتلاحقة لأوطانهن، لكن قلة منهن شكلت معاناتهن مع أوطانهن، ونقصد بالوطن هنا الأحداث والعادات والتقاليد وليس الأرض فقط، شخصيتهن الأدبية.

مي زيادة

“أحب عطور تربة الأجداد ورائحة الأرض التي دغدغها المحراث منذ حين، وأحب الطرق الوعرة المتوارية في قلب الغاب، وهكذا رغم حبي الأفيح، أنا في وطني تلك الشريدة الطريدة التي لا وطن لها”.

هكذا كتبت مي زيادة في نص بعنوان “أين وطني؟” نُشر في كتاب “ظلمات وأشعة” الصادر عن مؤسسة نوفل، بيروت عام 1985.

ماري إلياس زيادة التي عرفت لاحقاً بمي زيادة، وُلدت في الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وقضت 13 عاماً في فلسطين، قبل أن تنتقل إلى لبنان، حيث أكملت دراستها الثانوية، وعادت إلى فلسطين. لترحل ثانية، لفترة أطول، إلى مصر، حيث بدأت حياتها الأدبية، واختلطت بالأدباء والصحافيين في مجالس حرص على حضورها طه حسين ومصطفى الرافعي وأنطوان الجميل وآخرون.

عانت زيادة من عدم الاستقرار في وطن، ومن تعدد الأوطان. فاتخذت من الشرق والوطن العربي وطناً لها. وكتبت: “ولدت في بلد، وأبي في بلد، وأمي في بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد لبلد، فلأي هذه البلدان أنتمي؟ ولماذا أكون دون سواي تلك التي لا وطن لها؟”.

وهي، وإنْ أبدت تذمراً واضحاً في تلك الكلمات، غلب حبها لوطنها العربي عليها. فتقول: “بنسيم وطني امتزج الوحي والنبوءات، ومن أشعة الشمس فيه انتشرت صور الجمال”.

وعن الوطن في أدب زيادة، كتب الناقد الفلسطيني حبيب بولس: “هيامها بالطبيعة، وخصوصاً طبيعة لبنان، أثّر على شخصيتها الأدبية، فكتبت: “يا هذا الخلاء في لبنان، إني لألقى على كل صخر من صخورك نثرات من كياني”.

ونقل بولس عن أنيس المقدسي، الكاتب والباحث اللبناني، قوله: “كانت مي تجمع في حبها للشرق بين حماسها لماضيه، وتبشيرها بأمجاده القديمة، وأسفها الشديد لما تراه من تأخره في مضمار العلم والحضارة. لم تكن عمياء عن عيوبه ونقائصه، ولكنها لم تيأس، فكرست قواها لإثارة هذه القوى، وأطلقت لسانها وقلمها منشدة له”. واستخلص من ذلك أن “عصر مي وحبها للشرق، وطنها، أثرا أبلغ الأثر في أدبها وشخصيتها”.

غادة السمان

ولدت غادة السمان لأسرة شامية عريقة في دمشق 1942، وتأثرت بحب والدها للأدب والثقافة. أنتجت أولى مجموعاتها القصصية عام 1962 بعنوان “عيناك قدري”، واعتبرت حينها من الكاتبات اللواتي تناولن موضوعات مختلفة عن القالب الاجتماعي والنفسي والنسوي في المجتمع السوري المحافظ في تلك الفترة. انتقلت إلى بيروت، مركز الإشعاع الثقافي في تلك الحقبة، وهناك عملت بالصحافة ولمع اسمها وقدمت مجموعتها القصصية الثانية “لا بحر في بيروت”. ثم ارتحلت إلى معظم العواصم العالمية والأوروبية، وعملت مراسلة من هناك، وصقلت موهبتها، وقدمت مجموعتها الثالثة “ليل الغرباء”.

خرجت السمان منذ مجموعتها القصصية الأولى عن القوالب التقليدية التي وضعت بها الكتابة النسائية، فكان من الطبيعي أن تهتم بوطنها وما يجري فيه وبحال المواطن العادي والمثقف.

ومع بداية نضجها الأدبي، تأثرت بما كان يحدث في بيروت، وطنها الثاني، فتناولت في مجموعتها القصصية الثانية الأوضاع الحقيقية في بيروت، وليس الصورة النمطية التي تصدر عن باريس الشرق. بعدها قدمت “ليل الغرباء”، وجميع قصصها عبرت عن ألم الحنين للوطن والحزن لفراقه، ووحشة الغربة فكتبت: “وأنا في الوطن كنت أبكي شوقاً للرحيل وها أنا اليوم أبكي لأنني حققت أحلامي”.

أقوال جاهزة

شاركغردماي زيادة، غادة السمان، رضوى عاشور وأحلام مستغانمي… كيف حضر الوطن في أعمالهن؟

تألمت السمان لهزيمة 1967، وكتبت مقالها الشهير “أحمل عاري إلى لندن”، وحذرت من مصطلح “النكسة”، واعتبرته تخديراً للمواطن العربي. وتوقفت فترة عن الكتابة عقب تلك الهزيمة من شدة حزنها، وعادت في أواخر 1974 لتقدم رواية جديدة عن الأوضاع المأسوية في بيروت تنبأت فيها بالحرب الأهلية حين قالت: “أرى الدم… أرى الكثير من الدم”. بعدها قامت الحرب الأهلية في لبنان، وعادت عام 1977 لتكتب عن “كوابيس بيروت”.

ولم تنس وطنها الأصلي فكتبت “رسائل الحنين إلى الياسمين” وأهدته إلى دمشق. ورغم حبها وحنينها البادي دائماً لوطنها العربي، اتهمت السمان بالتآمر على القضية الفلسطينية عندما عرضت رسائل الحب الذي جمعها بغسان كنفاني الأديب والمناضل الفلسطيني الكبير. وهي التي قالت: وها أنا أنتحب على عدة أوطان مرة واحدة فلسطين ولبنان و… و…

رضوى عاشور

تختلف أزمة رضوى عاشور مع الوطن. فقد ولدت عام 1946 في القاهرة لأبوين مصريين، ولم تغادرها حتى عام 1973، لاستكمال دراستها العليا في أميركا، فرحلتها مع الشتات والتشرد بدأت متأخرة نسبياً.

بعد ارتباطها بقصة حب كللت بالزواج من الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، أغلقت الإذاعة الفلسطينية في مصر، مقر عمله، وقبض عليه ورُحِل عن مصر عام 1977، وابنها الوحيد تميم البرغوثي، لم يكن يبلغ شهره الخامس بعد. فراحت الأسرة تتلاقى في الإجازات في دول عدة منها قطر وعمان والإمارات وفيينا وغيرها، وأحياناً لساعات محددة في المطارات.

في دراسة جامعية عن التطور، والبناء الدرامي التاريخي في روايات عاشور، جاء أن ثلاثة عوامل أثرت في شخصية وأدب السيدة، أولها زواجها من البرغوثي والشتات الذي عايشته أسرتها، وثانيهما تأثرها بمجريات الأحداث السياسية والاقتصادية والوطنية في مصر، وثالثهما سفرها إلى أمريكا وغربتها. ولا شك أن الوطن هو القاسم المشترك في العوامل الثلاثة.

لم تشبّه عاشور وطنها بالحبيب، كما فعلت الأخريات. بل جعلته قطعة من روحها إذ توحدت معاناتهما في الشدة والمرض فجاءت سيرتها الذاتية سرداً لأحداث الوطن مازجةً بين محنة مرضها وتفشي الفساد في مصر، فهي جزء من مصر ومصر جزء منها.

لم تكن عاشور غاضبة في كتاباتها من الوطن، ولم تره إلا ضحية. فكانت تنقل ما يدور به من فساد وخيبات، لشحذ الهمم من أجل غد أفضل. ففي رواية “سراج” سردت أحداث الثورة العرابية، وإلى ما آلت إليه في النهاية، وأبرزت همة الشباب ودورهم فيها.

وفي “قطعة من أوروبا”، تحدثت عن حقبة الخديوي إسماعيل وآثاره في تجميل القاهرة ومحاكاة فرنسا. كما وثقت أحداث حريق القاهرة في رواية “أطياف” والأمثلة في كتاباتها عن الوطن كثيرة.

عبرت عاشور عن معاناة وطنها الثاني وطن زوجها وابنها، وتناولت رحلة الشتات والمعاناة التي عايشها الفلسطينيون، من خلال معاناة قرية الطنطورة، التي تقع على الساحل الفلسطيني، وشهدت مذبحة بشعة عام 1948 تعكس حقارة الاحتلال في رواية الطنطورية.

أحلام مستغانمي

رغم ولادتها في تونس، نشأت على حب وطنها الجزائر، من والدها، محمد الشريف، الذي ثار ضد الفرنسيين وقبع عامين في السجن لاشتراكه في الثورة الجزائرية.

وانعكس ذلك على أعمالها، فخلطت الحب بالثورة، وجسدت الحنين بالشوق للوطن، وماثلت الحبيبة بالوطن. على الرغم من أنها بدت دوماً ناقمة على الاحتلال، والنفي والثورات وقسوة الأوطان على أبنائها. سافرت فترة لفرنسا وعاشت فيها، واستقر بها المطاف في لبنان، حيث تزوجت وأسست أسرتها، ولكن بقيت الجزائر حاضرة في رواياتها.

يقول الكاتب والناقد الجزائري الجيلاني شرادة في نقد “الأسود يليق بك”: “كانت الثلاثية عموماً ملحمة جزائرية متكاملة بما فيها من شحنة وطنية، تعزز الشعور بالانتماء دون عزل وقائعها عن محيطها العربي عموماً”. ويقصد هنا ثلاثيتها: ذاكرة الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير. واعتبر من حقها نقد الوضع السياسي والاجتماعي لبلدها كما يتراءى لها. قائلاً: “ذاكرة الجسد ارتكز على المآثر التاريخية المختلفة للشعب الجزائري، مروراً بالحركة الوطنية ثم الثورة التحريرية وتضحيات أبطالها، وقوفاً عند فترة الاستقلال وما شهدته من إنجازات”.

مستغانمي بدت حانقة دائماً، في كتاباتها، من وطنها، رافضة لما به من ظلم، ساخطة على ما فيه من فساد. فقالت في رواية عابر سرير: “هل يمكن لوطن أن يلحق بأبنائه أذى لا يلحقه حيوان بنسله؟ هل الثورات أشرس من القطط في التهامها لأبنائها من غير جوع؟ يحدث أن أحن إلى جزائر السبعينيات. كنا نعتقد أن العالم كله كان يحسدنا، فقد كنا نصدر الثورة والأحلام، ماذا يستطيع الشجر أن يفعل ضد وطن يضمر حريقاً لكل من ينتسب إليه؟ مشتعلين كنا بزمن النفط الأول. وكانت لنا أحلام رمال ذهبية تسربت من أصابع الوطن إلى جيوب الذين كانوا يبتلعون البلاد، يا لسراب الشعارات! إنها خدعة التائه بين كثبان وطن من الرمال المتحركة، لا يعول على وتد يدق فيه!”.

شبهت مستغانمي الوطن بالقاتل لأبنائه، وشبهته بالمرض “وأهرب منك إلى الوطن لأشفى به منك أنا التي لم أشف بك منه”. كما شبهته بالحبيبة والمرأة اللعوب، “لكأنها كانت قسنطينة كلما تحرك شيء فيها حدث اضطراب ولا يمكنها أن ترقص إلا على جثث رجالها”.

 

رصيف 22