المرأة العراقية من “جمهوريّات” الاستبداد إلى حضيض الحشد الشعبي

434

بات الفصل متعذراً بين الحديث عن واقع المرأة العراقية، وجملة الوقائع المتشابكة والمتداخلة، للعوامل والإشكاليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، المنتجة لمنظومات القيم المؤثرة في حياة الأفراد والجماعات عموماً، والنساء خصوصاً. فزاوية النظر إلى حال المرأة العراقية، لا يمكن أن تكتمل دون نظرة شاملة للحالة الموضوعية العامة، وللحوامل الثقافية والفكرية السائدة، والمسارات التي مرّ بها واقع المرأة المرافق للمسار الاجتماعي وتطوراته ومحركاته.

لذلك نرى تأرجحاً في مسألة العنف والاضطهاد ضد المرأة في العراق، صعوداً ونزولاً، في خطابات وممارسات السلطات التي تعاقبت على البلاد، التي لم تعمل على إحداث تغييرات شاملة لصالح المرأة، في أكثر المراحل تقدمية في الحياة السياسية العراقية، بينما نالت نصيباً انتكاسيّاً في أكثر المراحل استبداداً، ونكاد نتلمس هذه التأرجحية، عبر التدقيق في واقع الحياة الاجتماعية العراقية، وفي مجمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية، منذ نشوء الدولة الحديثة في العام 1921 حتى يومنا هذا الذي يكاد يكون الأكثر عتمةّ في ظل سلطة الأحزاب الدينية، وميليشياتها العسكرية المتحكمة في مختلف جوانب الحياة المدنية في البلاد. وانعكاسات ذلك على وضع المرأة، وتأثيره في جوانب حياتها ومشكلاتها، وحقوقها القانونية، وأثره البالغ في تنامي العنف المادي والمعنوي، إلى حدود قياسيّة، جعلت العراق يُصنّف كاسوأ بلد عربي بالنسبة للنساء، بحسب دراسة نشرتها مؤسسة “تومسون” في العام 2013.

واقع المرأة المرأة منذ تأسيس “الدولة الحديثة”:

تعبير “الدولة الحديثة” يُطلق على الفترة التي تلت تأسيس الدولة الملكية في العام 1921، إلا أنه ينطوي على الكثير من التقريرية، لواقع غير متسم بالحداثة، بقدر ما تسود فيه العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، والحالة القبلية غير المستقرة، التي تنحسر نسبيّاً كلّما اقتربنا من مراكز المدن، التي لم تكن لتشكل (أي المدن) في أفضل الأحوال ما نسبته 24% من الحالة الاجتماعية العراقية حتى تموز/ يوليو 1958 أي تاريخ إعلان الجمهورية.

والعلاقات الإقطاعية، القائمة على الإنتاج الزراعي بدائيّ الأدوات، طالما فشلت طوال تلك العقود في إحداث نقلة في الواقع المعيشي والاجتماعي للغالبية العظمى من الفلاحين، وكذلك في خلق حالة من الاستقرار القبلي في مناطق غرب وجنوب غرب العراق، ما حافظ على حالة من التخلف الاجتماعي، دفعت المرأة فيها ثمناً مضاعفاً نظراً لطبيعة القيم الذكورية والقبلية، المهيمنة على هكذا نوع من المجتمعات، وطبيعة الممارسات القهرية كالتزويج القسري في سن مبكرة وغيرها من مظاهر العنف المادي والمعنوي، وانعكاسها على حياة المرأة، رغم انخراطها في عملية الإنتاج والتسويق الزراعي جنباً إلى جنب مع الرجل. وفاقم ذلك أيضاً الانعدام شبه الكامل لفرص التعليم الحديث، عن الغالبية الساحقة من أبناء الريف، مع توافر فرص أكبر لأبناء المدن، خاصة أبناء وبنات الشرائح البرجوازية التجارية المدينية الصاعدة، والمقربة من الحاشية الملكية، عبر المدارس “الإرسالية إنجلوفونية الطابع” التي انتشرت في أوساطهم، بالأخص في العاصمة بغداد. وفّر ذلك للمرأة المدينية فرصة محدودة للتعبير عن نفسها، مع تسرب الأفكار الحداثية والحقوقية وتأطيرها في أول رابطة نسوية عراقية في العام 1952، جعلها تقتنص بعض المكاسب في فترات لاحقة، أعقبت التغييرات الشاملة التي شهدها العراق مع “انقلاب” تموز/ يوليو العسكري عام 1958.

لذلك يمكن القول إن مرحلة الصعود في واقع المرأة العراقية بدأ، مع التغييرات التي طرأت على طبيعة العلاقات الإنتاجية في المجتمع العراقي إبان العهد الجمهوري، والتي أثرت على مجمل الشرائح المفقرة بالإيجاب، مع صدور قوانين الإصلاح الزراعي، في بداية ذلك العهد، وبروز قوى ذات طابع مدني حداثي ساهم تغلغلها في الجسم السلطوي الجديد، في إقرار قوانين وفرض مكتسبات، وفّرت للمرأة حيّزاً ما، من المشاركة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى اقرار قانون الأحوال الشخصية للعام 1959، الذي اعتبر حينها الأكثر تقدمّاً بين نظرائه في الدول العربية رغم نواقصه، نظراً لما احتواه من بنود حدّت بشكل ملحوظ، من مظاهر العنف الاجتماعي ضد المرأة بشقّيه المادي والمعنوي، عبر: (تحديد أهلية الزواج بسن الثامنة عشرة، واشتراط القبول مع اعتبار العقد لاغياً في حال تقدمت المتزوجة بشكوى إجبار أمام القاضي، حبس وتغريم من يمارس الإكراه في تزويج أحد أبنائه ذكراً كان أم أنثى، ومنع تعدد الزوجات إلا بإذن خاص من القاضي يُعطى وفق شروط محددة تقتضي بشكل أساسي مصطلحة مشروعة لإتمام الزواج بثانية)، مروراً بحصول المرأة العراقية على منصب وزاري في العام 1958، إذ عُرفت الوزيرة البغدادية نزيهة الدليمي كأول امرأة عربية تتبوأ منصباً وزارياً. وساعد في ذلك بشكل أساسي، التغيرات في التركيبة الطبقية التي حوّلت جزءاً كبيراً من أبناء الريف الفقراء، إلى فئات وسطى، وتوسع الحيّز المدني باتجاه الأطراف والأرياف، وتعميم التعليم، وتوفير فرص عمل حكومية وفي بعض الصناعات المستحدثة، أحدث ذلك حالة من الاستقلالية لدى شريحة أوسع من النساء، ساهمت مع بقية العوامل الاجتماعية والقانونية الجديدة في خلق مسار قابل للتطور، حالت أمام استمراره عوامل انتكاسية نحو انحدارات مستمرة.

الاستبداد السياسي وبداية الانحدار في وضع المرأة:

لم يمتاز العهد الجديد، ذو الطبيعة العسكرية، بديناميات سياسية ديمقراطية، تضمن مساراً تطورياً على الصعيد السلطة السياسية، يوازي المنجز الاقتصادي الاجتماعي “الثوري” الذي أحدثه، رغم الانتشار الواسع للحزبية السياسية وقنوات الاتصال المدني “نقابات واتحادات طلابية ونسائية”، إلا أن احتكار السلطة من قبل النخبة العسكرية أتاح للرؤى الأكثر انغلاقاً وأحادية في المؤسسة العسكرية، السيطرة على الحكم بعد سلسلة من الصراعات، أدت إلى هيمنة الاستبداد المحمول سياسياً عبر “حزب البعث”، ليؤدي ذات الاستبداد لاحقاً إلى تهميش الرؤى النظرية لحزب البعث نفسه، لصالح إعادة بعث البنى والقيم الاجتماعية ما دون الحداثية، من أجل توظيفها في تثبيت أساسات الاستبداد العصبوي للجماعة الحاكمة، لتشغل الأعراف الاجتماعية المتخلفة الحيّز الأكبر في تنظيم السلوكيّات الاجتماعية، ودخول البلاد في عهد اتسم بتهميش واسع للقوانين الحداثية والدستورية، سواء المتعلقة بالأحوال الشخصية، أو تلك التي تنص على مبدأ تداول السلطة في الدستور، لينحدر واقع المرأة العراقية بالتوازي مع هذا الانحدار، لتصبح قيم العشيرة مهيمنة مجدداً في الأرياف، بعد انحسارها نسبيّاً لصالح القانون في فترات سابقة، وتسربها إلى المدن، عدا عن الحملات الدينية التي قادها أقطاب من النظام السابق وفق رؤى دينية منغلقة، والتي بدأت مع بداية الأزمات الحادّة التي أصابت النظام منذ التسعينيات، ساهمت تلك الحملات في تعميم وعي قروسطي، كرّس النظرة التقليدية للمرأة كعنصر قاصر، انعكس سلباً مجمل أوضاعها الاجتماعية، سواء من حيث السماح لها بالعمل، أو إكمال المراحل العليا من التعليم، إلى توسع إمكانيّات إخضاعها للقوانين العشائرية، من قبيل التزويج المبكر وغيره، وحرمانها من المشاركة العامّة، ضمن ما أتاحته مؤسسات السلطة آنذاك من حصص نسائية ضمن اتحادات وهيئات الحزب الحاكم.

المرأة العراقية بعد 2003.. سلطة الاحزاب الدينية والحشد الشعبي:

مع سقوط نظام حزب البعث في العراق ودخول الاحتلال الأمريكي، بدأ العراق يدخل في عهد انحداري جديد، صاغت معالمه مجمل القوانين والتشريعات، التي نظمت حركيّته السياسية والاجتماعية، بعد القضاء على المنجز الدولتي، الذي تحقق طوال سبعة عقود، فكانت القوانين والتشريعات الدستورية الجديدة، تلائم حالة اللادولة واللامؤسسات، من حيث إنها جعلت من البنى التقليدية ما دون الحداثية، تحل مكان الدولة، وتلعب الدور الرئيس في نظم السلوكيات العامة، والنزوع إلى تحويل تلك الأعراف إلى قوانين، وإن مارست هذا الدور ضمن هياكل مؤسسية بعناوين حداثية “برلمان، مجلس وزراء..إلخ”.

فالمعبرات السياسية الجديدة عن المجتمع العراقي، اتخذت طابعاً دينياّ ومذهبياً صريحاً، تسيّدت مشهده قوى دينية طائفيّة وعرقيّة، برؤىً إيديولوجية ذات مشروع سلطوي، يعتمد التخليف الاجتماعي كأساس لاستمراره، والنهب الاقتصادي كعامل رئيسي في تمويل ذاته، وتحقيق أجنداته، وميليشيات مسلحة تحكم الشوارع والأحياء السكانيّة، مما أوقع البلاد في حالة غير مسبوقة من التردي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، نالت فيه المرأة النصيب الأوفر من الاضطهاد والعنف، سيما في ظل حالة الانفلات الأمني، والحروب الداخليّة التي تعيشها البلاد. لتهيمن على العراق حالة من العسكرة المؤدلجة بعقائد دينية مذهبية، بدأت تفرض رؤاها الاجتماعية على المدنيين، دون الرجوع للقانون المعمول به في “الدولة” العراقية. ولعل أقل تلك الممارسات، تتجلى في التدخل القمعي المباشر، في سلوكيات المرأة في الأماكن العامّة، والتحكم بلباسها، وتحديد أماكن عملها، لتتصاعد كلّما تصاعدت قوّة تحكم تلك الميليشيات المعروفة باسم “الحشد الشعبي” على مفاصل الدولة والمجتمع. ففي أحياء بغداديّة، تحكمها تلك الميليشيات، لم يعد البغداديون يشاهدون امرأة سافرة، ويعود ذلك بحسب ما وثقته عدة جهات صحفية، إلى حملات ترهيبية تقودها الميليشيات الدينية من أجل “الحفاظ على القيم الإسلامية” للمجتمع، لتتمدد تلك التدخلات إلى المناطق المختلطة مذهبياً، وإلى المؤسسات التعليمية والتجارية. ففي العام 2014، وضعت جهات ميليشياوية تابعة للحشد الشعبي، لائحة على البوابة الرئيسية لجامعة بغداد، تنص على منع دخول “السافرات والمتبرجّات”، وتسعى تلك القوى لسن قوانين عبر الأحزاب السياسية التي تغطيها في البرلمان، من أجل منع الاختلاط في الجامعات والأماكن العامّة، وأبرز ما يدلل على عمق هيمنة تلك القوى وأريحيتها في فرض رؤاها على النساء العراقيات، هو تغاضي الأجهزة الأمنية بما يوحي بالتواطؤ الصريح، نظراً لهيمنة الطابع الإيديولوجي العقائدي لتلك القوى على أجهزة الدولة، حتّى وصلت تلك السلوكيات إلى حد غلق وإحراق المحال التجارية والمقاهي التي توظّف نساء، في عدد من أحياء وسط بغداد.

ولعلّ حساسيّة موقع المرأة في الوعي العام للمجتمع العراقي، جعل من توظيف تلك الحساسية عنصراً فعّالاً من عناصر الخطاب السلطوي التعبوي الحربي للقوى الميليشياوية، الأمر الذي جرّ على المرأة المزيد من عوامل من الاضطهاد المعنوي، وما له من توابع عنيفة تجلّت بالأدوار التي يجب أن تؤديها في الميدان الخدماتي للمقاتلين ولو على حساب خياراتها وحقوقها الإنسانية، نظراً لكون الهدف  الأساسي من المعارك الداخلية والإقليمية التي تخوضها تلك الميليشات “حماية الأعراض من النساء” وفق النسق الخطابي لتلك القوى الميليشياوية.

 ما يميّز العهد العراقيّ الراهن، من حيث العمق الانحداري في وضع المرأة، أمور كثيرة، اشدّها خطورة ما يتم العمل وفقه، بجعل المرأة عنصراً معادياً لذاته، عبر تسليط القوى الدينية المهيمنة لمجموعاتها النسائية للدفاع عن هذا الانحدار وتكريسه عبر العشرات من المنظمات النسائية التابعة لتلك القوى والأحزاب، وغياب قوى مدنية ونسوية فاعلة تدافع عن حقوق المرأة وتتصدى لما يحاك لها في أروقة القوى الظلامية الحاكمة. فبالرغم من وجود نصوص دستورية، تضمن للمرأة بعض الحقوق المدنية والسياسية، بالأخص في مجال تمثيلها السياسي، عبر نظام “الكوتا” الذي يعطيها نسبة 25% من مقاعد البرلمان وهي نسبة لا توازي بطبيعة الحال، حجم العنصر النسائي في العراق التي تبلغ 60% بحسب إحصاء لوزارة التخطيط العراقية، وحصولها في معظم الدورات الانتخابية السابقة على نسب تلامس نسبة “الكوتا”، إلا أنهّا لم تُمثّل إلا ضمن أحزاب وتيارات مذهبية ودينية، ووفق وعي تلك التيارات لمسألة المرأة، وربّما من المفارقات الكبيرة، أن تدعم وتدافع معظم البرلمانيات المنضويات ضمن الأحزاب الدينية، القوانين والتشريعات المعادية للمرأة وحقوقها، كالقانون الذي عُرف بـ”القانون الجعفري للأحوال الشخصية” والذي ينص على تزويج الفتاة القاصر بعمر 9 سنوات، ويشرّع الأشكال المهينة لآدميّة المرأة، التي تبيحها بعض الرؤى الدينية كـ” زواج المتعة”، وفي ذلك صورة نوعيّة عن ما يسلكه المسار الانحداري المستمر للمرأة العراقية.

الوليد يحيى