منى الغلاييني… من ابنة مخيّم إلى سيّدة الأعمال الأولى في قطاع غزّة

1178

قطاع غزة، مدينة غزة – بدأت حياتها في مخيّم الشاطىء للّاجئين في غرب مدينة غزّة، عاشت وسط أسرة ميسورة الحال منحتها حريّة الدراسة في الخارج واختيار العمل الذي يناسبها، على عكس ما تعيشه نسبة كبيرة من الفتيات اللواتي يتقيّدن في اختيار بعض التخصّصات مثل التدريس أو التمريض أو تخصصات ادارية التي تناسب الفتاة، كما ترى عائلاتهنّ المحافظة. وبدأت تعمل كموظّفة استقبال في أحد الفنادق. واليوم تدير خمسة مشاريع من أهمّ مشاريع الفنادق والمطاعم والمتاجر في غزّة.

هي منى عدنان الغلاييني، سيّدة أعمال من قطاع غزّة، والسيّدة الوحيدة التي تشرف على مشاريع سياحيّة وتجاريّة داخل المجتمع الغزيّ. ولدت في 8 كانون الأوّل/ديسمبر 1969 في مخيّم الشاطىء، وحصلت على دبلوم محاسبة من الأردن في عام 1992. ومن بعدها، انطلقت إلى العمل في قطاع السياحة في غزة في الفنادق والمطاعم، وخاضت غماراً طويلاً ضد ظروف المجتمع الصعبة حتّى أصبحت اليوم أبرز سيدّة أعمال في غزّة. “المونيتور” حاور الغلاييني داخل فندق الروتس 2 الواقع في شارع الرشيد على شاطئ البحر في مدينة غزة من الذي تديره للتعرّف على أهمّ محطّات حياتها، وكيف طوّرت عملها، وكيف تنظر إلى مستقبل السياحة في غزّة.

المونيتور:  متى وكيف بدأت العمل في قطاع الفنادق؟ وكم من الوقت بقيت هناك؟ وهل دعمك والداك؟

الغلاييني:  بدأت في عام 1992، أعمل كموظّفة استقبال في أحد الفنادق على شاطئ بحر غزة، وخلال ستّة أشهر من العمل فيه، أصبحت مساعدة مدير الفندق، ومن ثمّ بدأت علاقاتي تتوسّع في المجال، وتلقّيت عروض عمل عدّة في شركات اتّصالات وفي مصارف كبيرة. لكنّ طموحي كان أكبر من أن أكون موظّفة، وبقيت مساعدة مدير لمدّة خمس سنوات وأغلق بسبب ظروف اقتصادية، وبعدها انتقلت إلى عالم الأعمال، ودخلت انا وشركاء لنتشارك في تأسيس فندق وعملت مديرته وهو فندق “سيبريز” في غزّة في عام 2000، وكان عبارة عن ثماني غرف ومطعم في أسفل الفندق. وبعدها وفي عام 2003، تشاركت في مطعم “بيج بايت” وعملت مدير عام له مقابل جامعة الأزهر في غزة، وقمت بإدارته. ومن بعدها بأعوام، قمت بمشاريع أخرى لها شأن في غزّة اليوم.

لقد دعمني والدي بالطبع، وبفضل ثقتهم بي وباختيار تخصص الدراسة سمح لي بالدراسة في الأردن ولشقيقتي في الضفّة الفلسطينيّة. وأنا أحظى بعائلة تتمتّع بالترابط الأسريّ إلى هذا اليوم حتّى بعد وفاة والديّ. وأحظى أيضاً بدعم من شركائي وأصدقائي على الاستمرار في هذا المجال وبشدّة.

المونيتور:  ماذا تفعلين حاليّاً؟ ما هو مجال عملك؟

الغلاييني:  الآن، أنا مدير عامّ لخمسة مشاريع في غزّة. أقوم، منذ الساعة السابعة والنصف صباحاً بالخروج لمتابعة سير العمل في الفنادق والمطاعم والهايبر ماركت، وأقوم بجولة تفقّد على العمّال في شكل يوميّ، وفي كثير من الأوقات، أحاول سرقة بعض الوقت لإتمام بعض المجاملات الاجتماعيّة، بين الأهل والأصدقاء.

المونيتور:  كيف وضعت الخطط لتطوير نفسك وطوّرتها؟

الغلاييني:  الحياة العمليّة لوحدها تخلق نجاحاً، وكلّ من أبدع في مجاله تقدّم أكثر. أحبّ السفر دائماً واكتشاف الحياة في الخارج، وخصوصاً في عالم الفنادق والمطاعم. وفي كلّ رحلة، أقيم في فنادق خمس نجوم لأتعلّم أكثر من تطوّر القائمين عليه من خلال الملاحظة، وأصبحت في كلّ عام، أسافر مرّتين عن طريق تصريح سفر لرجال أعمال وأتوجه عبر معبر إيرز الفاصل بين غزة واسرائيل الى الضفة الغربية ومن ثم اسافر عبر مطار عمان في الاردن أو معبر رفح المصري في حال فتحه.

سافرت إلى دول عدّة، مثل الولايات المتّحدة الأميركيّة، والسويد، والنرويج، والدنمارك، وفنلندا، والمغرب، والسعوديّة، وقطر، والبحرين، والإمارات العربيّة المتّحدة، وتركيا، وفرنسا، وإسبانيا، والأردن، ومصر.

وغزّة بيئة، صعب فيها خلق الفرصة ونجاح المشاريع. لكنّني كنت أدرس مدى تقدّم الخارج في هذا التخصّص مع عقليّة المجتمع المحليّ وسير الاقتصاد الداخليّ، لكي تسير المشاريع في شكل جيّد.

المونيتور:  ما هو عدد الموظّفين الذين تشرفين عليهم؟ وما هي المشاريع التي تشرفين عليها؟

الغلاييني:  أشرف على 150 موظّفاً في المشاريع الخمسة. والمشاريع هي فندق ومطعم “الروتس 1” في منطقة الرمال، وفندق ومطعم “الروتس 2” في شارع الرشيد على شاطئ البحر في مدينة غزة ايضاً، وفندق الديرة أيضاً على شاطىء البحر بالقرب من الميناء الاولى، ومطعم “بيج بايت” بالقرب من جامعة الازهر في غزة، وهايبر ماركت “كير فور” في منطقة الرمال.

المونيتور:  وفق ما أوضحه رئيس الهيئة الفلسطينيّة للمطاعم والفنادق والخدمات السياحيّة صلاح أبو حصيرة في تصريح خاص للمونيتور فإنّ العاملات في هذه القطاعات في قطاع غزّة يبلغ عددهنّ 10 عاملات فقط، وهذا عدد قليل جدّاً. ما السبب في رأيك؟ وما العمل لزيادة هذا العدد؟

الغلاييني: لا أريد التحدّث عن تخصص القطاعات السياحية هو حكر للرجل فقط، والمرأة مستحيل أن تعمل فيه، هنالك فترة من الفترات كان العنصر النسائيّ يعمل في قطاع السياحة والفنادق من عام 1995 وحتّى عام 2000، وكانت هناك فنادق عدّة، وكنّ يعملن بكلّ جهدهنّ. لكن في الوقت الحاليّ، لا أجد أيّ تفسير لماذا لا تعمل النساء في هذا القطاع. كثيراً ما احتار بين العادات والتقاليد التي تلزم الفتاة ألّا تعمل في الأماكن السياحيّة والفنادق، أو الوضع السياسيّ الذي نحن قائمون عليه، لذلك لا أجد إجابة واضحة. لأنّني سيّدة، جرّبت هذا القطاع، وأجتهد فيه، ووجدت أفقاً واسعاً في الإنجاز، على عكس ما يظنّ الكثيرون في المجتمع.

وفي كثير من الأوقات عندما أتواجد في مطعم بيج بايت الذي أدير، تقبل عليّ فتيات كزبائن من الجامعات، ودائماً أقول: “الطموح والهدف ليس صعباً الوصول إليهما”، وينظرن إليّ كقدوة.

المونيتور:  ما هي الأسباب الاجتماعيّة التي تمنع النساء الغزيّات من العمل في قطاع غزّة؟

الغلاييني:  أنا متأكّدة من أنّ هناك نساء لهنّ قدرة على العمل في هذا القطاع، لكنّ الفرص قليلة لهنّ، إضافة إلى احتكار الرجل كثيراً من المهن الداخليّة مثل اعمال التجارة والصناعة، وهنالك نسبة من السيّدات اللواتي يعملن في مجالات التعليم والصحّة في غزّة، ومنهنّ نماذج لسيّدات قدن مدارس تعليم ونجحن في عملهنّ. لكنّ السيّدات في الغالب في غزّة، يحببن التقوقع في منازلهنّ، وهذه من بعض العقائد داخل مجتمعنا، ولا يحبّبن الظهور كثيراً.

المونيتور:  هل تواجهك تحدّيات عندما تلتقين برجال الأعمال، بما أنّك المرأة الوحيدة في هذا المجال؟

الغلاييني:  ربّما ينظر الكثيرون كوني سيّدة أعمال وسط رجال داخل مجتمع محافظ في غزّة، على أنّني أعاني من صعوبات، لكنّني استطعت أن أقنع الرجال والكثيرين في إدارتي للمشاريع، وتشاركت مع مجموعة من الرجال في مشاريع اقتصاديّة نجحت، وغالبيّتهم يكبرونني سنّاً. يجمعني مع الكثيرين الاحترام والمودّة للتغلّب على الصعوبات الشرقيّة، والوصول إلى أعلى نقطة من الإنجاز وتحقيق النجاح، ولا أجد أيّ تحدٍّ، طالما وضعت لنفسي نظام التعامل مع الكلّ بمودّة واحترام ومصلحة تخصّ الجميع في هذا القطاع الذي نعمل فيه في غزّة.

المونيتور:  في الأعوام السبعة الماضية، وقعت ثلاث حروب بين غزّة وإسرائيل، إضافة إلى الحصار على غزّة. كيف ازدهرت مشاريعك خلال هذه الفترة، على الرغم من سوء الوضع الاقتصاديّ؟

الغلاييني:  لا توجد في غزّة بدائل ترفيهيّة كثيرة، والأماكن السياحيّة قليلة جدّاً، وتكاد تعدّ على أصابع اليدّ. وبعد الحروب، يستطيع صاحب المشروع السياحيّ النهوض، لأنّ الناس يمرّون في حالة نفسيّة سيّئة، ويكونون متعبين من الحرب والدمار وكلّ المناظر الأليمة، ويحتاجون إلى الترفيه عن أنفسهم، سواء في المطاعم أم الفنادق أم المقاهي، وهنا نحن نضع خطّة لكي نستقطب الناس إلينا، ونخلق جوّاً مغايراً عمّا عاشوه في الحرب.

وفي المرحلة المقبلة، الكلّ يفكّر في الاستقرار وفتح المعابر، والقطاع السياحيّ سيكون أنجح من أيّ قطاع آخر. وغزّة لا توجد فيها صناعة أو زراعة، وكلّ ما يوجد فيها بحر، وعليه قليل من المطاعم والفنادق والمقاهي، ومستقبلها الاقتصاديّ سيعتمد على السياحة. إنّني أتخيّل المرحلة المقلبة، ففي حال فتح المعابر وفتح الطريق أمام سيّاح من الخارج، ستعيش أسر كثيرة على مصدرها من السياحة.

المونيتور