المرأة السورية قتيلة بين زمنين

245

تقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان: “إن نحو 18500 امرأة سورية قتلن منذ شهر مارس 2011، عبر عمليات القصف العشوائي بالصواريخ والمدفعية والقنابل العنقودية والغازات السامة والبراميل المتفجرة والذبح بالسلاح الأبيض. وإن نحو 6580 حالة اعتقال تعسفي تعرضت لها المرأة في نفس الفترة، بينهن ما لا يقل عن 225 حالة دون سن الـ18”.

فيما ذكرت الرابطة السورية لحقوق الإنسان، “أن هناك ما يقارب 8 آلاف معتقل بينهم نساء وأحداث، محتجزين في أحد أجزاء مبنى معتقل صيدنايا وتدعى السجن الأحمر”.

من الطبيعي أن يكون للمرأة حضور في سوريا، لكن ليس كما تقدمه آلة إعلام النظام السوري الذي دأب منذ ستينيات القرن الماضي على تعزيز وجود حزب البعث العربي الاشتراكي، مستبعداً أي مكون سياسي آخر من المشهد، فبات النجاح والتطور والتقدم مرهوناً به باعتباره قائداً للدولة والمجتمع.

ورغم أن عملية البناء كانت مستمرة عبر التاريخ السوري، والمجتمع ينتقل من طور إلى طور، إلاّ أن الخطاب الإعلامي، وإن تحدث عن تاريخ المرأة السورية منذ بداية القرن العشرين، لم يركز إلّا على السنوات التي صار فيها حزب البعث العربي الإشتراكي هو الأول.

كحال الكثير من المجتمعات العربية، لم يمنح المجتمع السوري المرأة كامل حقوقها، فبقيت منصاعة إلى قوانين جائرة نظراً لاعتبارها الطرف الضعيف، وإن كانت في الظاهر تبدو وكأنها حصلت على الكثير، وهو ما اشتغل عليه النظام. والمتفحّص في مسيرة المرأة السورية يرى الأمور أكثر وضوحاً، فابنة الريف تعيش حياة قهر وبؤس وجهل وتخلف وتهميش، وتخضع لسلطة ذكورية تامة مصدرها الإرث القبلي والديني والعائلي، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى، وتلك هي الحقيقة على الرغم من إدعاء وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الموالية، التي لا تقدم غالباً سوى صورة مضيئة عن المرأة.

ضمن بيئات متعددة ومختلفة من حيث التركيبة السكانية وتوافر الخدمات والتعليم والوعي الاجتماعي والسياسي، نشأت المرأة السورية، فعلى مدار القرن العشرين – مثلاً – كانت ترتقي، تؤازها في ذلك رائدات عُرفن في الحياة السورية منذ نهايات القرن التاسع عشر وصولاً إلى وقتنا الراهن، وهن اللواتي حققن مواقع مهمة في الحياة العامة بعد نضال مشهود له، بدءاً من نشاطهن في الصالونات الأدبية والمجلات والحياة السياسية منذ الاحتلال العثماني، ومن أبرز الأسماء التي يذكرها التاريخ لبيبة هاشم، وماري عجمي، وعادلة بيهم الجزائري التي أسست الاتحاد النسائي العربي السوري، وكذلك أليس قندلفت، وثريا الحافظ التي كانت السباقة في الترشح للبرلمان عام 1951، وإن لم تنجح ولم تصل إلى غايتها، وجيهان موصلي ووداد أزهري اللتين كانتا أول النساء الواصلات إلى مجلس الأمة بعد إعلان الجمهورية العربية المتحدة، ونجاح الساعاتي التي انتخبت لتكون عضواً في المجلس الوطني خلال العامين 1965 و1966.

استمر حضور الفتيات والسيدات السوريات في تصاعد في الحياة العامة، متحديات الظروف الاجتماعية والواقع السياسي المتبدل باستمرار منذ الاستقلال، واستطعن فرض وجودهن في المدرسة والجامعة والمنتديات، وفي معظم مؤسسات الدولة والمجتمع بفضل شخصياتهن القيادية.

في بداية سبعينيات القرن الماضي تغير الوضع كثيراً، فالمرأة منذ استلام حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم، بدأت تعيش وضعاً غير الذي اعتادت عليه، لأن استيلاء الحزب على جميع المؤسسات والمقدرات في الدولة أفضى إلى واقع جديد، حيث بات كل منجز تحققه مجيّراً للحزب والنظام، بدءاً من الفترة التي أصبح فيها معظم السوريين بعثيين، أي من السنوات الأولى لاستلام حافظ الأسد الرئاسة، وصولاً إلى عهد الرئيس الابن، فالبعثيات خلال فترة حكم الأب حصلن على مناصب قيادية في كل المؤسسات، إلى جانب قلة من غير المتحزّبات لكن المنضويات تحت لواء النظام. أما الأخريات اللائي لم ينضممن إلى الحزب ولم يوالينه، فلم يرتقين في وظائفهن، وكثيراً ما كانت تنهى خدماتهن بشكل تعسفي، أو يتم اعتقالهن إن أبدين رفضهن علانية.

عندما استولى حزب البعث على الحكم فرض أدبياته التي لم تأتِ بجديد، ولم ينتصر لأي كان، لا بل ساهم في تراجع وضع المرأة تحديداً، وانحدار المجتمع كاملاً نحو الهاوية، وما كان تلميعه الشعارات إلّا إنتاجاً للديكتاتورية، وهو الذي استمر بترديد عبارات مثل المرأة نصف المجتمع، وأنها بوجوده نالت الحرية والكرامة، ودخلت كافة ميادين العمل، وساهمت في بناء الوطن، وخاصة حين قامت الحركة “التصحيحية” في نوفمبر 1970، حيث قيل إنها عززت مكانة المرأة ودعمتها فكرياً وثقافياً ومعنوياً، وفتحت لها آفاق العمل، ووضعتها في مراكز قيادية مهمة، لكن المرأة في حقيقة الأمر ناضلت كثيراً ولعشرات السنين كي تحقق ذاتها، وما إن نجحت في ذلك، حتى جاء البعث ليدمر البنية التي تم تأسيسها، من قبل الرجال الأحرار والنساء اللواتي خبرن العمل السياسي والمدني والمجتمعي.

مع وصول حافظ الأسد إلى الدائرة الأولى من كبار المسؤولين نهاية ستينيات القرن الماضي، وسيطرته على الحكم عام 1971، تغير كل شيء، فبات هو “طوطم” معظم السوريين، كيف لا وقد فرض الحزب على الجميع توصيف ذلك الشخص بصفات، مثل القائد الوالد المفدى الرفيق، وأخيراً الخالد بعد موته.

بينما كان آلاف السوريين يزجون في السجون بلا محاكمات، ويطاردون في المنافي، ويقتل بعضهم، دخلت خمس سيدات البرلمان بداية حكمه، فقد كان من الدهاء بحيث أنه كان يخسف الأرض في مكان آخر بصمت تام، ويزرع في مكان ويهلل له الحزب عالياً باعتباره كما كان يقال: “صانع تاريخ الأمة وباني مجد الوطن”!

لاحقاً أصبح يؤكد في خطاباته على حضور المرأة، وعلى ضرورة أن تتهيأ لها كل العوامل التي تمكنها من أخذ دورها كاملاً، مستغلاً الطبقة الفقيرة أبشع استغلال. ففي عام 1973 أقر الدستور في مادته الـ45، “أن على الدولة كفالة جميع الفرص للمرأة، التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وإزالة القيود التي تمنع تطورها، والتأكيد على أهمية العمل على صياغة وتكريس نظرية متكاملة تقوم على أسس علمية وموضوعية لدورها في تنمية المجتمع عن طريق وسائل الإعلام، وضرورة إحداث تغيير جوهري في المفاهيم والآراء الخاطئة حول ذلك الدور، والعمل على إحلال مفاهيم جديدة”.

وبناء عليه نُظر إلى الحزب برئاسة الأسد وقد حقق كل ما سبق، و”دافع عن إنسانية المرأة ووضعها في مقدمة الأولويات بين قضايا المجتمع، وأزال كافة العقبات أمام تحررها وتمكينها في المجتمع”، أما الواقع فينطق بغير ذلك، إذ تم تدجين أفكار الناس عموماً في سياقات محددة، وأصبح الغالبية مؤسسين في العلاقة القطيعية بين الحاكم والشعب الذي فقد معنى الحرية والكرامة، في حين لم تحظ المرأة بالمساواة مع الرجل لا على مستوى التشريع، ولا على مستوى قطاعات العمل، لكن النظام في المقابل أوصل بعض النساء إلى مناصب قيادية بدءاً من عام 1975، فأدخلهن إلى القضاء عدا الشرعي منه، وفي عام 1976 تم تعيين نجاح العطار وزيرة للثقافة، التي كانت قد حصلت على الدكتوراه من جامعة أدنبرا عام 1958، ورغم عدم تحزّبها، إلّا أن النظام قرّبها إلى دائرته، وخاصة بعد نفي شقيقها عصام العطار المراقب العام السابق للإخوان المسلمين عام 1964، ويعتقد معظم السوريين أن النظام استغلها، وتحديداً خلال الحرب على الإخوان المسلمين، ومع تسليم الحكم لبشار الأسد عينت نائباً له في الشؤون الثقافية.

بعد العطار وصلت بثينة شعبان إلى وزارة الخارجية عام 1988، وهي التي درست الدكتوراه في الأدب الإنكليزي بجامعة وورويك البريطانية عام 1982، وبدأت حياتها العملية مدرّسة في جامعة دمشق، ثم تسلمت رئاسة قسم الأدب المقارن فيها، بعدها التحقت بالخارجية كمترجمة، إلى أن اعتمدها حافظ الأسد لتترجم له محادثاته مع وارن كريستوفر وزير الخارجية الأمريكي بشأن عملية السلام بين العرب وإسرائيل، ومع بيل كلينتون في جنيف عام 1994، واستمرت شعبان إلى أن عينها بشار الأسد عام 2002 مديرة دائرة الإعلام الخارجي في وزارة الخارجية، وعام 2003 أصبحت وزيرة للمغتربين، وفي عام 2008 باتت مستشارة للشؤون السياسية والإعلامية في الرئاسة برتبة وزيرة، وهي الرتبة التي تمنح لأول مرة لمن يشغل هذا المنصب.

إلى أضيق دوائر الأسد انضمت شعبان لتتصدر بعد انطلاق الثورة مشهد الإعلام الرسمي والإعلامين العربي والأجنبي، وفي عدة محافل دولية، كممثلة عن النظام، لتظهر مدافعة شرسة عنه، ومروجة لمفردات الطائفية والعنف المسلح والإرهاب، ما دفع صحيفة صنداي تلغراف البريطانية لوصفها بأنها “أكثر شراً من رئيسها بشار الذي يستمر في حرق بلاده”.

استمر تعيين البعثيات، ومن بينهن صالحة سنقر وزيرة التعليم العالي/ 1992، وفي عهد الابن بين عامي 2000 و2011 تم تكليف كل من مها قنوت وزيرة للثقافة، تلتها نجوى قصاب حسن، وغادة الجابي وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل، ديالا الحاج عارف وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل، هالة الناصر وزيرة للإسكان والتعمير، ولمياء عاصي وزيرة للسياحة، وفي عام 2012 كلفت لبانة مسوح بوزارة الثقافة، وبين عامي 2014 و2016 كلفت نظيرة سركيس بمهام وزيرة دولة لشؤون البيئة، وكنده شماط وزيرة للشؤون الاجتماعية، والتي أعفيت بعد عام، وكلفت بدلاً عنها ريما القادري، كما عينت وفيقة حسني وزيرة للدولة، سلوى عبد الله وزيرة للدولة، وكما هو واقع الحال فإن الوزراء ينفذون أجندة الحكومة وخططها، وكذلك توجهات عائلة الأسد وأقربائها، وبعض المتنفذين والمستفيدين والأصدقاء، ومشغلي الأموال التي سطا عليها كل هؤلاء.

ضمن الظروف التي فرضها الحزب الحاكم ظهرت عدة منظمات مثل طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة، ومدارس أبناء الشهداء التي أدارتها شهيرة فلوح.

وفلوح كانت قد انضمت في سن مبكرة إلى الاتحاد النسائي بداية، ثم أصبحت عضوة قيادة قطرية وعضوة اللجنة المركزية، كما انتخبت لتصبح عضوة في مجلس الشعب. وعام 1981 اختارها حافظ الأسد لتشرف على مدرسة بنات الشهداء، وهو المنعطف الذي تعتبره الأهم في حياتها، ثم أصبحت مديرة عامة لهيئة مدارس أبناء الشهداء، ومنذ انتمائها لحزب البعث وحتى هذا اليوم، ما تزال فلوح، “الرفيقة” كما يسمها الإعلام السوري، وفيةً للنظام الذي احتضن “أبناء وبنات الشهداء” في مدارس خاصة، معترفاً بشهداء الجيش والمؤسسة الأمنية ليس إلّا، ومانحاً إليهم كل اهتمام ورعاية، ومكرماً إياهم في كل مناسبة، ومبتكراً لهم جوائز، كجائزة “أم السوريين” التي أطلقت تكريماً لأنيسة مخلوف، الرئيس الفعلي للمدارس التي تحولت “رعايتها” إلى أسماء الأخرس.

أما الاتحاد النسائي الذي تأسس عام 1967، وترأسته فريال مهايني إلى أن تم إلغاؤه مؤخراً، وكانت مهايني عضوة مجلس الشعب منذ عام 1981 ولغاية 1998.

ضمن الدائرة التي رسمها النظام، وعلى مدار عقود، لم يفلت مجلس الشعب من قبضته، فدخلته المحسوبيات والمال السياسي من أوسع باب له، وبشعارات كبيرة كالعدل والمساواة وحقوق المرأة والعمال والفلاحين وصغار الكسبة ومصالح الطبقة الوسطى وغير ذلك، وكان للمرأة نصيب من كل ذلك وفيه، فمن بين 41 سيدة ترشحت للمجلس عام 2016، لم يكن منهن سوى ست مستقلات وحياديات، والبقية بعثيات، حتى غير البعثية “أم البيارق” أميرة غانم ، حين دخلت غمار المنافسة قالت: إنها “بعثية بالفطرة”، وفي تلك الدورة انتخبت هدية عباس رئيسة للمجلس، كأول امرأة سورية تصل إلى هذا المقعد، وبقدر ما كانت المترشحات إلى المجلس قبل أربعة عقود مثقفات ولهن إسهامات في حركة تحرر المرأة السورية، لم يعدن كذلك بعد تسلم حافظ الأسد الحكم.

مثلما تحول مسار المرأة السورية ومصيرها، كذلك تحولت مجمل الأمور في بلد يرزح تحت نير حكم “مافيوزي”، ممثلاً بعائلة الأسد، والعائلات التي تواليها من موزاييك سوريا ديناً وطائفة وعرقاً وإثنية، وما عزز ذلك زواج أسماء الأخرس من بشار الأسد، وهما اللذين ينتميان إلى بيتين دينيين مختلفين تماماً، وباتت أسماء “السيدة الأولى” المتعلمة والمثقفة، والزوجة الأنيقة، الخيرّة المعطاء، والأم الرؤوم بعد أنيسة مخلوف، والحاضرة في كل المشاريع التنموية الريفية ومشاريع المرأة والطفولة، في بلد تعيش فيه المرأة أسوأ أحوالها، حيث أوصل العوز كثيرات منهن إلى الدعارة، وحين انتفضت المرأة في الثورة منذ بداية 2011 تم اغتصاب حوالي 5 آلاف فتاة وامرأة حسب تقديرات أممية.

في بلد كان ينزف منذ استيلاء البعث على السلطة، اشتغل النظام في كافة الاتجاهات، ومثلما أسس لانهيار الأخلاق الذي وصلت إليه سوريا، كذلك أسس لحالة التشدد الديني في أوساط النساء الثريات غالباً، مستغلاً شبكة “القبيسيات” العنكبوتية، في مهمة لا تقل سوءاً عن الانفلات، فبدأت نشاطها في دمشق لتصل إلى الأردن والكويت والسعودية وفرنسا وألمانيا وأمريكا وغيرها. وإزاء كل ذلك لم تحقق المرأة السورية منذ الحركة “التصحيحية” ما تصبو إليه علماً ومعرفة وتفرّداً، إنما باتت أسيرة نظام لم ينتج سوى الموت والخواء.

رائدة كريم