رغبة السوريات في الانفصال عن أزواجهن “مو رمانة بس قلوب مليانة”

198
الطلاق في دول اللجوء - موقع السيدة
الطلاق في دول اللجوء - موقع السيدة

لم تعد الأرقام هي المحرّك الوحيد في الأبحاث المتعلّقة بظاهرة انفصال الزوجات السوريات عن أزواجهن فور وصولهن إلى دول اللجوء، بل تشغل الباحثين الآن دراسة هذا الأمر كظاهرة مثيرة للاهتمام من حيث سعة انتشارها بين السوريات، وهي لا تقتصر على دين أو حالة ماديّة أو ظرف معيّن، بل تعود لأسباب متنوعة، ما دفع الباحثين/ ات الاجتماعيين والمنظمات في ألمانيا وهولندا مثل منظمة “فراون كرايزه” في برلين و منظمة “BIG” الهولندية للدراسة والبحث للإجابة عن السؤال المحيّر:
لماذا تلجأ النساء السوريات إلى الإنفصال عن أزواجهن فور وصولهن إلى الدول الأوروبية أو بعد عام أو عامين من اللجوء؟
صنّفت الدراسات المبدئية للباحثين الاجتماعيين في المنظمات العاملة في مجال حقوق النساء والعنف الأسري، لدى مقابلاتهم الحالات، الأسباب التي تدفع النساء إلى طلب الانفصال عن أزواجهن إلى: العنف الزوجي، العادات والتقاليد التي كانت تلزم النساء في سوريا الصمت والقبول، الاستقلال المادّي والتمكين الإقتصادي والإجتماعي للمرأة في أوروبا، الفرق بين المجتمعات والإندماج الذي قد يرفضه الشريكان، الحرب وآثارها.
وهذه أسباب وصل إليها الأخصائيون استناداً إلى المقابلات الشخصية للحالات حال مطالبتهم بالانفصال عند وصولهم إلى المنظمات المعنيّة في دول اللجوء، وهي مبدئية ريثما تنتهي الأبحاث في هذا الشأن والمثير للاستغراب أنّ التصوّر المسبق لدى الأوروبيين أن مجتمعاتنا الشرقية، والسوري تحديدا،ً هي مجتمعات مستقرة تهتم بالأسرة والعائلة. فما الذي يجري في الحقيقة؟
تحدثت إليّ السيدة منتهى ج، 53 سنة، وهي مسيحيّة، (التعريف بدين أو طائفة من أقابلهم له علاقة بخلفيات اجتماعية وقانونية لذلك آثرت ذكرها): “لن أقدّم لزوجي دعوة للقدوم إلى ألمانيا حيث أعيش، لا أريده بعد الآن فقد تحمّلته كثيراً”.
هاجرت السيدة منتهى إلى ألمانيا بطريقة غير شرعية، بعد أن أرسلت أولادها قبلها بنفس الطريقة، لتصل بعد مخاطرة إلى حيث يعيشون بعد عام من هجرتهم، وسكنوا معاً ليبدأوا حياةً جديدة بعيداً عن بلاد (الحرب والخوف).
هكذا وصفت منتهى سوريا، وهي التي كانت تعيش بحالة ماديّة جيدة ومستقلّة ومع شخص أحبته يوماً ما، وأنجبت طفلين كبرا وأصبح لهما مستقبل دراسي مهم. لكنها وصلت لمرحلة لم تعد تطيق العيش مع زوجها، الذي لا يوجد أي مبرر أمام المجتمع للانفصال عنه، فهو مسالم ومخلص ومحب، لكن لم تعد تتحمّل تصرفاته التي هي مجرّد تفاصيل عاديّة لم يفهمها مجتمع لا يعترف إلا بالعنف الجسدي الظاهر سبباً، وكان خوفها من المجتمع لا يتيح لها حتى التفكير بالانفصال عن زوجها.
قالت منتهى: “كان علي اتخاذ هذا القرار منذ أن كبر أولادي، لكن كيف ولماذا وما هي الأسباب؟ لن يفهم ذلك أحد غيري، ولن يتقبل ذلك المجتمع الذي سيصم أولادي بصفات سيئة لمجرد أني طالبت بالطلاق من رجل محترم ذي أخلاق حميدة. وعندما أتيت إلى ألمانيا ودون خطّة مسبقة قررت أني سأنفصل عنه، ولن أقدّم له طلب القدوم إلى هنا، لا أريده زوجاً لي ولا أريد أن أتزوج احداً، وأولادي تفهموا وتقبلوا الموضوع”.
وفي السياق نفسه أخبرتني السيدة شجن م، 50 عاماً، وهي مسلمة، أنها ستدعو زوجها للقدوم إلى السويد، لكنها ستنفصل عنه نهائياً وترجو من الله أن لا تتيسّر له فرصة القدوم، لأنّها لم تعد تطيق العيش معه.
سألتها عن الأسباب فقالت لي: “لقد أعجبت به في البداية وكان مناسباً لي وأنجبت منه طفلين، لكن خلال حياتنا الزوجية أكتشفت أني تزوجته لأني أريد أطفالاً، ليس محبّة فيه، واكتشفت لديه خصالاً تحمّلتها على مضض مثل طبعه الصعب، البخل، المزاجيّه، كل هذا كان عليّ تحمّله لأنه خياري، ولأني أريد بناء أسرة وأطفال ولا أريد أن أبقى دون زواج في مجتمع ينظر إلى الإنسان غير المتزوج نظرة انتقاص، ولا أريد الطلاق لنفس الأسباب”.
“كل هذه المشاكل والعقد لا توجد هنا في السويد، فلا مشكلة بالعيش لوحدي وأستطيع أن أكون حرّة ومستقلّة دون أن أوصم بأي صفه، فهي حريتي فقط، وخياري الشخصي المستقل عن المجتمع وعاداته وتقاليده وأحكامه المسبقة، الحريّة هي التحرر من كل هذه العقد، ولن نشعر بها إلا في بلاد توفّر لنا هذا المناخ. لذلك سأنفصل عن زوجي، لكن لن أحرم أولادي منه لذلك سأقدم له الدعوة”.
هذه بعض الحالات التي تواصلت معها، نساء تعيش في ألمانيا والسويد وهولندا، كان قرارهن الانفصال فور وصولهن إلى دول اللجوء، لكن ماذا عن النساء في سوريا؟ وهل يختلفن عن المهاجرات في الرغبة بالانفصال؟


الطلاق في دول اللجوء-موقع السيدة
الطلاق في دول اللجوء-موقع السيدة


السوريات بعد الحرب لسن كما قبلها
من خلال العمل مع النساء ضحايا العنف، والتواصل مع بيئات مختلفة في سوريا، يمكن القول أن السوريات قبل الحرب لسن كما بعدها.
فالكثير من النساء تحملن على مضض العيش مع أزواجهن قبل الحرب، واجتمعت القوانين والعادات والتقاليد والمجتمع في صفّ واحد ضد رغبة المرأة في حياتها المستقلّة وخيارها الحرّ.
وتتحمل الكثيرات ممن قابلتهن الذلّ والظلم، كن يقلن لي: “لولا الأولاد لتركته، لو كان عندي بيت يأويني لتركته، لولا أهلي وخوفي منه ومنهم لتركته، لو أن القانون منصف لتركته…”.
لكن القرار صعب والنتائج ملموسة والتجارب السيئة متوفرة كثيراً، فما الذي حدث بعد الحرب في سوريا؟ ولماذا باتت رغبة المرأة بالانفصال عن زوجها أوضح من قبل. وخرجت إلى العلن وأروقة المحاكم رغم أن لم شيئاً لم يتغيّر في القوانين ولا بطرق حماية النساء؟

الحرب والحريّة والجندر
أظهرت الحرب في سوريا الصورة الحقيقية للرجل، التي كانت تخفيها المجتمعات الشرقية، وهي صورة واقعية وأكثر انسانية من الصورة المرسومة والمتخيلة. فالرجل هو إنسان يخاف ويمرض ويبكي ويهرب ويرتعد خوفاً من حاملي السلاح بأي جهة كانت، فهو إنسان، وصورة الرجل الحامي الذي لا يبكي هي التي ظلمته أولاً، وهذا يتعلق بالجندر والاختلافات بين الجنسين التي تفرضها المجتمعات ولا تتعلق بالاختلافات الفيزيولوجية الجسدية بين الجنسين.
أخبرني سائق تكسي كان يقلّني داخل الشام، بأنّ زوجته تهدده كل يوم بأن تتركه وقال ضاحكاً: “والله صرت أخاف أن تتركني زوجتي، فهي تهددني بالحاجز القريب من بيتنا، وقالت لي: “لا تتمرجل عليّ، هداك اليوم ضربك المجنّد كف ما قدرت تحرّك ساكن”، وتابع، في الحقيقة أصبحت لزوجتي حريّة الخروج والعمل أكثر مني، فأنا أخاف من كل شيء، أما هي فاستطاعت أن تعمل، وهي تعينني كثيراً بالمصروف. من قبل لم أكن أحتاج منها أن تعمل، الآن تغيّر كل شيء، عرفت أني خويف وعرفت أني لن أستطيع العيش بدونها وأني ضعيف مثلها، بل أنها أقوى مني تعمل وتتحرّك بحرية”.
رغم بساطة ما حدّثني به لكنها الحقيقة موجزة للسوريات بعد الحرب، اللواتي أصبحن معيلات لأسرهن، لكن ليس هذا سبب رغبتهن بالطلاق، بل تحطيم صورة الرجل القوي فهو ليس “معتز” ولا “العقيد” ولا “نصّار”، شخصيات مسلسل “باب الحارة” النمطية، فالرجل هو انسان عادي، والسبب في ذلك هو الظلم الذي يقع نتيجة التمييز بين النساء والرجال، فهو يطال الرجل كالمرأة، ويظلمهما معاً.
الرجال إما بالسجن، أو في القتال، أو هربوا، أو يخافون من الخروج والعمل خوفاً من الالتحاق بالاحتياط.
النساء فرض عليهن الواقع، وفرض على أسرهن السماح لهنّ بالخروج والعمل وتولّي القيادة بالأسرة بحكم التغييرات الاقتصادية الاجتماعية، وبدأن بطريق اثبات الذات والتمكين الاقتصادي الاجتماعي، ووجدت المرأة المعيلة الوحيدة في العائلة فهي تبيع الخبز، وتعمل في البيوت، وتعمل في المعمل وفي أماكن التجميل بالإضافة إلى السيدات العاملات والمتعلمات اللواتي وجدن أماكن في القطاع الخاص أو العام.
وهذا السبب واحد من الأسباب التي دفعت النساء للتفكير بطريقة حياتها والاستقلالية في اتخاذ القرار المناسب، أو الذي قد يساعدها في حماية نفسها من العنف الزوجي أو الأسري، فلن تقبل المرأة المستقلة والتي تعدّدت اختياراتها برجل يتحكّم بتصرفاتها لمجرّد جنسه، لهذا سترغب بالانفصال عنه. لكن سبل حماية المرأة بعد الانفصال قليلة، فالمجتمع قاس والوضع الاقتصادي لن يساعد على العيش ببيت مستقل وتربية أولادها وحمايتهم، بالاضافة إلى عملها، لذلك ساهمت الهجرة إلى الدول التي تعطي للنساء حماية أسرية واجتماعية وقانونية، في اتخاذ قرار الانفصال في حال شعرن بالظلم بأحد أشكاله.

الطلاق في دول اللجوء - موقع السيدة
الطلاق في دول اللجوء – موقع السيدة

الظاهرة مبالغ بها
تنظر الباحثة الاجتماعية عليا الأحمد، وهي مدرّبة بقضايا العنف ضد النساء في ألمانيا، إلى هذا الموضوع بعد أن عملت في سوريا وهاجرت إلى ألمانيا لتدرّب في عدد من المنظمات، بأنّ القضيّة مبالغ بها، وترى أنّه قبل الحديث عن أسباب تزايد نسبة الطلاق عند اللاجئين، لابد من الوقوف عند صحة هذه المعلومة فعلاً ومدى زيادة هذه النسبة، فلا وجود لإحصائيات رسمية دقيقة أو حتى تقريبية تعكسها، ولكن تسليط الضوء على حالات الطلاق التي حدثت هنا وهناك، من قبل العقلية الذكورية التي تأبى أن تمتلك النساء حق اتخاذ هذا القرار فردياً، تضخم الموضوع لتجعله يبدو كارثياً.
وتقول الباحثة عليا: “كباحثة إجتماعية لازلت أرى في عملي مع اللاجئات كثيراً من النساء اللواتي يرفضن فكرة الطلاق كلياً، رغم تعرضهن لأشكال مختلفة من العنف، خوفاً من أن يشار إليهن بالبنان كمطلقات خرجن في ألمانيا عن عاداتهن وتقاليدهن. وفي الوقت عينه يمكن القول أنه حدثت كثير من حالات الطلاق في المجتمع الجديد الذي يقدم حماية وحقوق أكثر للنساء، الأمر الذي لم يكن متوفراً في سوريا، حيث القوانين التمييزية ضد النساء في قانون الأحوال الشخصية”.
“فوجود إمكانية لانفصال المرأة عن زوجها وحق احتفاظها بأطفالها، مع الرعاية والدعم المادي الذي تقدمه الدولة للمرأة المطلقة، وتحرر بعض النساء من سلطة المجتمع البطريركي التقليدية، دفعهن لاتخاذ قرار الطلاق لوضع حد لحياة لا يرغبن بالاستمرار فيها لأسباب مختلفة، أهمها أنهن لسن سعيدات مع شركائهن ويرغبن ببناء حياة جديدة مختلفة”.
في النهاية يمكننا القول إن القضية تتعلّق بالقوانين التمييزية في سوريا وتأثيرها على حياة النساء، ووسائل الحماية الداعمة للمرأة ومدى انتشارها، ليظهر السؤال: هل الظاهرة جديدة وهل الهجرة والحرب من أوجدها؟ أم نبشا حقائق سترتها عادات وتقاليد متعفّنة، وصور تقليدية عن أسر متماسكة تحكمها العصا بكافة أشكالها؟

دمشق – رهادة عبدوش
المصدر : مجلة سيدة سوريا