المرأة الإيرانية في مواجهة أبدية مع الظلم والطغيان

92
المرأة الإيرانية - موقع السيدة

في ظل حكم الشاه رضا بهلوي ( 1878- 1944)، والذي عرف عنه انبهاره بالتقاليد الغربية، وحاول محاكاة سياسات الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك في تركيا؛ سعى لإجبار النساء على خلع الحجاب بالقوة. لذا أصدر تعليمات تقضي بنزع حجاب النساء بالقوة في الشوارع، وضمن المؤسسات الحكومية.

دور فاعل
لكن يقول متابعون للشأن الإيراني، بأنه على الرغم من المناخ السلبي المحيط بالمرأة عموماً، غير أنه من الخطأ الاعتقاد بأنه لم يكن لها شأن أو دور فاعل في عهد ما قبل الشاه محمد رضا بهلوي، والذي خلعته الثورة الإيرانية في عام 1979. ويذكر الكاتب يوسف عزيزي أسماء نساء إيرانيات شهيرات أمثال “طاهرة قرة العين”، التي لعبت دوراً سياسياً ودينياً في أواسط القرن التاسع عشر. وفي عهد الشاه رضا بهلوي، مارست بعضهن أدواراً اجتماعية وثقافية وسياسية مهمة، مثل أشرف بهلوي، ومريم فيروز. وتنوعت أدوار هؤلاء النسوة ما بين إسلامية وقومية ويسارية، إلا أنه بصفة عامة، انحصر حضور المرأة في حقل النشاط الاجتماعي والسياسي والإداري ضمن شرائح طبقة النخبة في المجتمع الإيراني.
ومع ظهور حركة المعارضة الشعبية 1978- 1979، فتح المجال بصورة أوسع أمام النساء من الأسر المتدينة والمحافظة، للخروج إلى الحياة العامة. واعتمدت الثورة الإسلامية على استثارة المرأة للمشاركة في المظاهرات والنزول إلى الشوارع، للمساهمة في إسقاط الشاه، حتى قال الإمام الخميني، في بداية تلك المرحلة: “إن انتصار الثورة الإسلامية مرهون بدور المرأة التي لا بد أن تلعب دوراً كبيراً في المجتمع الإيراني”. وهو ما استدعى جهود رجال السلطة الدينية الجديدة لإحداث “تغييرات جذرية” في وضع المرأة الإيرانية. فقد اعتبرت الحكومة الإسلامية الوليدة بأن القوانين التي سنها الشاه لا تتفق مع تعاليم الإسلام الصحيح، والنموذج الإسلامي المرتجى. لذا، وقبل مرور خمسة أشهر على قيام الثورة، تم سن الدستور الجديد، وانتخب رئيس جديد للبلاد. وقام المجلس الثوري بتمرير قانون يسهل تعدد الزوجات، كما صدر قانون آخر قضى بأن تؤول حضانة الأطفال إلى الأب بعد الطلاق. وصدر أيضاً قانون آخر يقضي بوقف عمل المرأة في منصب القاضية بزعم أنه ليس من الجائز للمرأة أن تكون قاضية في ظل القانون الإسلامي. وكان من أبرز أحداث تلك الفترة إعدام وزيرة الثقافة في عهد الشاه، فرح روبارسا، لاتهامها بالمساهمة في تعزيز النظام الملكي في إيران.
وبعد سنوات من تأسيس الثورة الإسلامية، ووضوح سياق التطورات السياسية والاجتماعية التي مرت بها إيران، اتضحت أيضاً خطوط التمايز بين ما أصبح يعرف بفريقي الإصلاحيين والمحافظين. فقد تبلورت شرائح نسائية قريبة من تيار الإصلاح، وتشكلت وفق ما يشير إليه الكاتب يوسف عزيزي، 1- نساء من الطبقة الوسطى التي تعبر عن مطالب وحقوق عامة. 2- رموز سياسية ذات أدوار بارزة سياسياً واجتماعياً. 3- شرائح نسائية من الطبقة العليا ذات الصلة بالنخبة السياسية الحاكمة.

نظرة دونية
ووسط بروز حركة إيجابية تدعم حقوق المرأة، عينت زهراء شجاعي مستشارة للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي. وتم تأسيس مركز شؤون المرأة، ومكاتب خاصة بمعالجة قضايا نسائية في وزارات إيرانية. وقد لوحظ حرص التيار الإصلاحي على إدخال قضايا المرأة ضمن خطابه الإصلاحي. كما أن المرأة نفسها جعلت من المطالب الديموقراطية وقضايا حقوق الإنسان جزءاً من خطابها. وعلى الرغم من مشاركة المرأة في البرلمان( 12 نائبة)، ووجودها الفاعل في قوات الباسيج التي تعد بمثابة الجيش الشعبي الذي يشرف عليه الحرس الثوري، بيد أن النظرة للمرأة ظلت دونية من قبل من يمسكون بزمام السلطة في الجمهورية الإسلامية، فقد بقيت نسبة المشاركة النسائية في المناصب العليا لا تتعدى 7٪ بالرغم من تأكيد الخميني على أن الثورة مدينة لنساء إيران.

المرأة الإيرانية - موقع السيدة
المرأة الإيرانية – موقع السيدة

مشكلة مزمنة
رغم جميع المحاولات التي تبذلها المرأة الإيرانية لتغيير أحوالها، وإثبات جدارتها وكفاءتها، وحتى وجودها الفاعل في المجتمع، تظل مشكلة الحجاب مشكلة مزمنة. ورغم إبداء السلطات الإيرانية بعض التساهل مؤخراً، إلا أن التعليمات تظل مشرعة في وجه المرأة، وتقضي بفرض غرامة مالية أو عقوبة الجلد في حال مخالفتها من هذا المنطلق. وربما يصعب على أي باحث اعتبار التيار الإصلاحي هو الأكثر تعبيراً عن” الحركة النسائية”، والأكثر دفاعاً عن حقوق المرأة. ذلك أن التيار الإصلاحي( في ظل التيار الديني المحافظ والمهيمن) هو نفسه لم يخرج من عباءة وأحكام الدولة الدينية المحافظة. ويلاحظ، مثلاً، بأن الرئيس الراحل رفسنجاني أشرف بنفسه على التفسير الصارم لقواعد ملابس المرأة، وسن قرارات أخرى من أجل تقييد حركتها. غير أنه، في وقت لاحق، شجع ابنته على الانفتاح، ورئاسة مجلس الرياضة الإيراني. لكن تظل قضية المرأة في خطاب الإصلاحيين والمحافظين أحد محاور تحدي الآخر، وهو الغرب.

قوانين منحازة للرجل
رغم مساعي المرأة الإيرانية الحثيثة لإثبات ذاتها من خلال العمل، ووجود ما يزيد عن 525 ناشرة و 90 مديرة صحيفة، و97٪ مديرة لمؤسسات ثقافية، و 600 ألف منتسبة للمكتبات العامة، و300 مدرسة في الحوزات الدينية، ورغم بلوغ نسبة الطالبات أكثر من 50٪ من إجمالي طلبة الجامعة، ودورها البارز في الجمعيات والمؤسسات المدنية، ووجود صحف خاصة بالمرأة، ومواقع على الانترنيت، وحيازة بعض الناشطات على جوائز عالمية، مثل شيرين عبادي التي نالت جائزة نوبل للسلام تقديراً لدورها؛ رغم كل ما سلف، تبقى المرأة الإيرانية محكومة، عموماً، بالحدود التي تفرضها السلطات في مجال حقوق الإنسان. كما تعاني نساء إيران من قوانين الأحوال الشخصية المنحازة للرجل بدعوى حماية الأسرة. وتظل المرأة مهددة بالسيطرة الذكورية المفرطة، هذه السيطرة التي تبدأ من سن الطفولة لأن القوانين الإيرانية تحدد سن الزواج بـ 13 للفتية، وللفتيات بتسع سنوات، ما يعد انتهاكاً للقوانين الدولية للإناث. ونتيجة لذلك هناك آلاف الفتيات المطلقات اللاتي لم يبلغن بعد سن الرشد.

تقويض الحركة النسائية
وما يلفت الاهتمام لمحاولات السلطة الدينية في إيران للقضاء على الحركة النسائية، تقرير نشره، في عام 2009، القسم السياسي التابع للحرس الثوري الإيراني، واعتبر فيه بأن” الحركات والجمعيات النسائية تندرج ضمن التحديات الثقافية التي تواجه المجتمع، وتهدده”. وجاء هذا الموقف من جانب الحرس الثوري في إطار ذكر الحركات المناهضة لاستقرار وسلامة المجتمع الإيراني ومنها “البهائية وتيار الحداثة وتنظيم عبدة الشيطان، ودعاة التعدد الديني”. وذكر التقرير أن جميع تلك الحركات تستهدف الدولة والمجتمع وتهدد استقراره، منوهاً إلى أن: “الدعوات التي ترفع شعارات حقوق الإنسان ما هي إلا مؤامرات يستغلها السياسيون ضد الدولة الإيرانية”. وفي الوقت نفسه، توجه لعضوات الحركات النسائية المشار إليهن اتهامات إما بالعمالة للولايات المتحدة، وللغرب عموماً، أو أنهن ضحية الافتتان بالليبرالية الغربية وبالعلمانية.
وتقول باحثة إيرانية بأن الإيرانيات في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، كن يعتبرنه ومعه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله خامنئي، من أشد المعارضين لصيانة حقوق المرأة وإصلاح حقوقها. فقد كان هناك اتجاه، وبتشجيع من نجاد، لحث البرلمان على إصدار تشريعات تعيد المرأة الإيرانية إلى عصر التخلف والظلام، عبر تخفيف القيود على تعدد الزوجات وتشديد قوانين الطلاق وتعقيد إجراءات حصول المرأة على حقها في طلب التفريق بينها وبين زوجها، أو ما يطلق عليه الخلع، وذلك بدعوى حماية الأسرة. غير أن ثوابت عدة أشارت لوجود علاقة وثيقة بين تنامي الحركة الإصلاحية الخضراء والحركة الإصلاحية النسوية. وبالفعل شاركت المرأة بفاعلية في مظاهرات الاحتجاج في عام 2009، ولقيت الشابة ندا آغا سلطان مصرعها لتصبح شاهدة على تعنت النظام، ورمزاً لكفاح المرأة الإيرانية، وكي يدخل، فيما بعد، موضوع المساواة القانونية والسياسية بين الرجل والمرأة في صلب الأجندة السياسية للجمهورية الإسلامية.

المرأة الإيرانية - موقع السيدة
المرأة الإيرانية – موقع السيدة

سد الفجوة
خلال الاحتجاجات الأخيرة ضد النظام الإيراني، التي اندلعت خلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، والتي شملت أكثر من 100 مدينة وبلدة في كافة أنحاء البلاد، تقاطعت الثورة الوطنية مع الفجوة بين الجنسين، حيث جمعت أْعداداً كبيرة من الرجال والنساء الذين ساروا جنباً إلى جنب. وفي كثير من الأحيان، وحتى في البلدات الصغيرة، تزعمت المرأة الإيرانية الاحتجاجات، وتعمدت النساء إحياء ذكرى المناضلة الإسبانية الشيوعية الراحلة “لاباسيوناريا” من خلال خطبهن النارية الساخنة أثناء الاحتجاجات.

تهم الإخلال بالنظام
في أول ليلة لخروج الاحتجاجات الأخيرة في إيران، في نهاية العام الماضي، أوقفت الشرطة 29 امرأة بتهم الإخلال بالنظام الاجتماعي بعد أن نزعن حجابهن، وسط ساحة عامة في طهران، احتجاجاً على قانون يفرض الحجاب منذ تأسيس الثورة الإسلامية في عام 1979. ويفرض القانون على النساء وضع غطاء الرأس وارتداء ملابس طويلة تستر كامل جسد المرأة في الأماكن العامة. وانتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي صور لفتيات خرجن في مدن إيرانية أخرى، وهن حاسرات الرأس فيما علقن حجابهن على عصي، تعبيراً عن الاحتجاج.
في ذات السياق، أشار خبراء لتراجع في صرامة تطبيق شرطة الآداب لقانون الحجاب في إيران، حيث بات بالإمكان مشاهدة عدد متزايد من النساء في العاصمة، وفي عدة مدن كبرى، وهن يتركن خصلات من شعرهن مكشوفة بوضوح من تحت الحجاب.
ويقول بعض الإيرانيين بأن حركة الاحتجاج ضد غطاء الرأس جاءت بعد توقيف امرأة في أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بعد أن نزعت حجابها وعلقته فوق عصا. وقد تم الإفراج عن المرأة بعد توقيفها لمدة شهر تقريباً بحسب المحامية نسرين سوتوده، ناشطة لحقوق الإنسان في إيران. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن سوتودة قولها: “حدد القضاء كفالة قيمتها 90 ألف يورو لقاء الإفراج عن امرأة ثانية بعدما نزعت أيضاً حجابها، إن قيمة المبلغ دليل على نية السلطات في إبقاء المشتبه بها قيد التوقيف”.
ومن جانبه أعلن المدعي العام للجمهورية الإسلامية جعفر منتظري بأن إعادة بعض النساء الإيرانيات النظر في مسألة الحجاب يعتبر “عملاً طفولياً ساذجاً” مقللاً من أهمية الاحتجاجات. وأضاف: “إنها مسألة غير مهمة ولا تثير القلق، فالنساء اللواتي شاركن بشكل منفرد في تلك الاحتجاجات إنما خرجن بسبب الجهل أو ربما بتأثير من الخارج”.

دور قيادي
وقد لفت موقع المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إلى حقيقة أنه خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران، وخلافاً للثورة الخضراء في عام 2009، وبالرغم من المناخ القمعي للتظاهر في الشوارع، خرج آلاف إلى الشوارع، وكان واضحاً دور المرأة الإيرانية في تلك الاحتجاجات.
وحسب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، كانت السمة البارزة لتلك التظاهرات قمع السيدات بصورة أكبر من الرجال، لافتاً إلى أن الإيرانيات قدن التظاهرات في أكثر من مدينة إيرانية.
ولم تكتف النساء بالمشاركة وحسب، بل دعون المارة للانضمام إلى الاحتجاجات وعدم الخوف وهتفن: “الموت للديكتاتور”، في إشارة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئي، وهتفن أيضاً ضد الرئيس حسن روحاني.

مراجع المادة :
1– مصرس ( الصحف الإيرانية تحظر سراويل الجينز الضيقة والوشم في الجامعات) ( 11-1-2011)
2– ويكيبيديا ( المرأة الإيرانية)
3 – الشرق الأوسط (إيران … تحليل الثورة الوطنية) 12 يناير( كانون الثاني) 2018
4- إيلاف( المرأة سيدة المشهد الإيراني المستعر) نشر في 4 يناير( كانون الثاني) 2018
5- مجلة إيكونوميست البريطانية ( النساء في إيران محرومات من الكرامة والمساواة) نشر في 16 أكتوبر( تشرين الأول) 2003

جمانة علي
المصدر: مجلة سيدة سوريا