الشباب السوري… وقضايا الحرب والسلم والأمن في ظل القرار2250

6

“عليهم أن يسعوا أولاً لحل مشاكلنا الجمة في الفساد والبطالة والتعليم والسكن،بعدها يمكنهم مطالبتنا بالمشاركة في عمليات الأمن والسلم”، بابتسامة ساخرة كان هذا جواب الشاب عمر البديوي (25عاماً) حين سئل عن رأيه بنص قرار مجلس الأمن 2250 حول الشباب والسلم والأمن الدوليين.

شهدت الآونة الأخيرة تحولاً تدريجياً في نموذج وإطار الجهود المتضافرة والرامية إلى تعزيز دور الشباب كقادة وناشطين وشركاء في عمليات السلام، فقد أطلقت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات غير الحكومية المبادئ التوجيهية بشأن مشاركة الشباب في بناء السلام مع الاعتراف بالدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه الشباب في هذا المجال وذلك ضمن القرار 2250 الصادر عام 2015 عن مجلس الأمن.

تحديات قائمة

غير أنه لا يمكن النظر إلى تمكين الشباب بشكل عام كعامل نشط في بناء السلام دون النظر في التحديات التي يواجهونها بسبب النزاع المسلح القائم، مثل فقدان التعليم ونقص المهارات وتدمير البيئة الأسرية المستقرة، وغالباً ما يتم تجاهل الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع للشباب.

يتحدث البديوي عن حياته في ظل الحرب قائلاً: “قبل أن أفكر بأي نشاط سياسي أو دولي علي أن أؤمن احتياجاتي واحتياجات عائلتي، فأوضاعنا صعبة ونحن نعيش حياة غير طبيعية في ظل القصف والنزوح وقلة فرص العمل”. البديوي لم يتردد بالانضمام لإحدى فصائل المعارضةالمسلحة، وحمل السلاح مقابل فقط ما يتقاضاه من راتب شهري بالكاد يكفيه لتأمين بعض متطلباته على حد وصفه.

أما بالنسبة لحسام الحلبي (22عاماً)، الذي انضم لإحدى فصائل المعارضة بقناعة منه أن ما يفعله الصواب بعيداً عن المنفعة المادية، وفي رأيه أن على جميع الشباب: “المشاركة بإسقاط نظام لطالما استبد بحكم البلاد والعباد على مدى عقود، وها هو يظهر إجرامهللعلن بعد المجازر الكبيرة والكثيرة التي يرتكبها بشكل شبه يومي، لذا فإن الأولوية في الوقت الراهن هو العمل على التخلص مما وصفه بـاحتلال الأسد للبلد”.
ثمة توجه آخر بالنسبة لأحلام طعمة (26عاماً)، وهو الحصول على فرصة عمل بعد تخرجها من الجامعة حيث تقول: “بتنا في زمن صعب، والغلاء يفرض على الزوجة والزوج المشاركة لإعالة المنزل، ولذا فإن إيجاد عمل يناسبني وخاصة في ظل انحسار فرص العمل هو أكثر ما يؤرقني”، وتضيف: “أن مشاركة الشباب بعملية السلم والأمن سيكون ممكناً في حال تم زيادة التمكين الاقتصاديللشباب وتعزيز المشاركة المدنية لهم وإتاحة الفرصة لمشاركتهم في صنع القرار والمؤسسات السياسية”، غير أن ذلك كله ليس ممكناً في تصور “طعمة” في ظل التهميش الكبير للشباب في الوسط المحيط والوسط الدولي ومن تهميش الشباب لأنفسهم.

المهنة بدل الشهادة

إن أقصى ما تفكر به روعة (28عاماً)، التي غدت أرملة بعد فقدانها لزوجها بالقصف تاركاً لها ولدين، هو إعالة طفليها دون الحاجة لطلب العون من أحد، لذا تتردد إلىأحد المراكز المهنية بغية تعلم مهنة تستطيع العمل من خلالها، تقول روعة: “على الرغم من حصولي على شهادة معهد فنون نسوية فأنا لا أجد فرصة للوظيفة في هذه الظروف، وهو ما دفعني لتعلم مهنة التمريض،فربما فرصها بالتوظيف ستكون أكبر في ظل الحرب القائمة وحاجة المشافي الميدانية إلى كوادر”، أما عن امكانية مشاركتها بعمليات الأمن والسلم، فتبتسم معبرة عن استحالة الأمر قائلة: “وهل لدينا الوقت الكافي لذلك مع كل البؤس الذي نعيشه”.

منذ سنوات والشباب السوري يعاني من مشاكل أهمها الفقر، أما الآن فقد أصبحت مشكلته أكبر بعد تدهور وضع البلاد على مختلف الأصعدة وانحسار الخيارات أمامه، ومن هذه المشاكل ما هواجتماعي ومنها ما هو اقتصادي. هذه المشكلات يتحدث عنها الطالب الجامعي عمران الحلو (24عاماً) قائلاً: “أما على الصعيد الاقتصادي فهو وضع البلاد بحد ذاته، هذه الحرب جعلت اقتصاد سوريا يتراجع عشر سنوات إلى الخلف، والشاب السوري يدرس ويتخرج ليعلق شهادته على الحائط”، ويتساءل: “أين فرص العمل في بلد مدمر يسكنه العنف والحروب؟ لذا سيكون علينا السفر بحثاً عن فرصة عمل أو العمل بمجالات لا تتناسب مع خبرتنا وإمكاناتنا، هذا إن توفرت تلك المجالات”.أما بالنسبة للمشكلات الاجتماعية، فتتعلق بعدم قدرة الشباب على الزواج واستقرارهم عاطفياً نظراً لقلة المادة والفقر المدقع، ويردف أنه: “على كل من يهمه أمر الشباب وأمر مشاركتهم بعملية الأمن والسلم، أن يسعى أولاً لتحقيق أدنى متطلباتهم في الحياة والعيش الكريم”.

العنف والتطرف

وحول نص القرار 2250 الصادر عن مجلس الأمن بشأن الشباب ومشاركتهم بعمليات الأمن والسلم الدوليين، يعلق المهندس المدني رواد العلي(35عاماً)، قائلاً: “المقصود بمصطلح الشباب في سياق هذا القرار هو الفئة العمرية التي تشمل الأشخاص من سن 18 إلى 29عاماً، الذينيشكلون غالبية السكان في البلدان المتضررة من النزاعات المسلحة، بما في ذلك اللاجئون منهم والمشردون داخلياً”، مؤكداً أن ثمة إسهام هام وإيجابي يمكن أن يقدمه الشباب في الجهود المبذولة من أجل صون وتعزيز السلام والأمن، ومنع نشوب النزاعات وحلها باعتباره من الجوانب الرئيسية في استدامة جهود حفظ وبناء السلام وشموليتها ونجاحها، من هنا جاءت ضرورة مشاركة الشباب في تشكيل سلام دائم والمساهمة في تحقيق العدالة والمصالحة، واتساع شريحة الشباب من السكان، يتيح عائداً ديموغرافياً فريداً يمكن أن يسهم في تحقيق السلام الدائم والازدهار الاقتصادي، ومن جهة أخرى يوضح العلي أن:”تزايد نزاعات التشدد المفضية إلى العنف والتطرف العنيف، لا سيما في صفوف الشباب،يمكن أن يهدد الاستقرار والتنمية، كما أنه يمكن في كثير من الأحيان أن يعرقل جهود بناء السلام ويؤجج النزاعات، وخاصة بعد عمليات التجنيد المرتبطة بالشباب وتحريضهم على ارتكاب أعمال العنف والإرهاب، ومن هنا جاءت ضرورة أن تعمل الدول الأعضاء في إطار من التعاون على منع الجماعات الإرهابية من استغلال التكنولوجيا والاتصالات والموارد للتحريض على دعم الأعمال الارهابية”.

غير أن تعزيز مشاركة الشباب في بناء السلام ليس بالأمر السهل ويحتاج إلى تنفيذ العديد من الإجراءات،وبعضها حسب”العلي”، اتباع نهج قائم على حقوق الإنسان يقوم على أساس اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” وبرنامج العمل العالمي للشباب، أيضاً اتباع نهج اقتصادي يحدد الشباب على أنه عنصر أساسي للتنمية الاقتصادية لبلده،ويعزز حصولهم على الفرص الاقتصادية باعتبارها أساسية لتنميتهم،بالإضافة لاتباع نهج اجتماعي وسياسي يربط الشباب بالمجتمع المدني والساحة السياسية ويتيح لهم الفرص والتدريب والدعم لمشاركتهم النشطة ومشاركتهم بالحياة العامة.

إقصاء الشباب

غير أن ما يحصل من تعمد إقصاء الشباب عن عملية السلم والأمن العالميين بشكل مباشر أو غير مباشر يحول دون أخذ الشباب لدورهم الحقيقي فيما يتعلق بعمليات السلم والأمن، وحول الموضوع يحدثنا الدكتور محمود غزال (50 عاماً) مدير منظمة “كلنا سوا” معتقداً أن: “المعارضة التقليدية في سوريا والمتمثلة بإعلان دمشقوالتيارات المنضوية تحته من اليسارية والإسلامية (الإخوان المسلمين) هي من عمدت لإقصاء الشباب كونها كانت ترى أن الانتصار على الأسد أصبح قاب قوسين أو أدنى، فمتوسط أعمار أعضاء الائتلاف يتجاوز الستين عاماً، وهؤلاء لم يستوعبوا جيل الشباب ولا زالت هنالك فجوة كبيرة بينهم في طريقة التفكير والأهداف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أعتقد أن منظمات المجتمع المدني استقطبت أعداداً كبيرة من هؤلاء الشباب وأغدقت عليهم المال مع تأصيل فكرة العمل الإنساني بغض النظر عن الجنس والانتماء والدين إلى آخره”، وأخيراً يجزم الغزال بأن جيل الشباب نفسه لم يناضل ليأخذ دوره الحقيقي بل اكتفى بالحراك الثوري وفضل الابتعاد عن المؤسسات السياسية نتيجة نظرته السلبية للعمل السياسي.

من جهتها ترى ولاء الحمدو(30عاماً) وهي مديرة مركز “حررني” لإعادة تأهيل المعتقلات بأن: “ثمة إقصاء للشباب عن ممارسة العمل السياسي، ومن أسبابه الغموض وعدم وجود رؤية واضحة لاستراتيجية عمل الأحزاب القائمة، كما أن هناك احتكار واضح لممارسة العملية السياسية”.وتضيف ولاء: “بالمجمل يكون هناك حديث عن ديمقراطية بممارسة العمل السياسي ولكن عند التطبيق العملي نفتقر لهذه الديمقراطية، ما يجعل الشباب أنفسهم يعزفون عن المشاركة بهذا الاتجاه، ولا ننسى الظروف المتعلقة بالنزاع المسلح المشتعل في مناطقنا، والظروف الاقتصادية والمعيشية بالغة الصعوبة التي يعيشها الشباب، وهو ما يقصيهم عن العمل السياسي والمشاركة بعمليات الأمن والسلم الدوليين”.

الشباب والتغيير الإيجابي

يوافق الدكتور في علم الاجتماع عبد المعين ما تناولته الحمدو في مجمل حديثها وهو تعطيل وعدم تفعيل دور الشباب بكل ما يتعلق بالمؤتمرات السياسية أو الدبلوماسية أو العسكرية أو كل ما يخص إدارة الحكومات أو الدول، والسبب كما يشرحه هو كون الشباب عنصر قادر على التغيير بشكل إيجابي، وذلك لا يتناسب مع سياسات بعض الدول الكبرى، وهو ما يجعل كل ما يسن من قرارات بشأن مشاركة الشباب حبر على ورق.

من جهة أخرى يستبعد الناشط الثوري أحمد جلل (35عاماً) أن يكون هنالك إقصاء للشباب بمعنى الإقصاء المتعمد، لأن: “تحييد الشباب يأتي بشكل عشوائي لعدم وجود آلية واضحة لطريقة تشكيل هذه الهيئات والمجالس وخاصة المدنية منها، كما أن الهيئات العسكرية والسياسية عادة ما يترأسها متقدمين في السن، أما الشبان الأصغر سناً فهم القادة الميدانيين والمختصين بالأعمال العسكرية على الأرض أكثر منها في المحافل والمؤتمرات الدولية”.

غالية الرحال (40عاماً) مديرة مؤسسة “مزايا” النسائية في ريف إدلب تذهب للاعتقاد بأن: “عمر العشرينيات يكون طور النضوج الفكري والثقافي والتعليم الأكاديمي، وهذا يعني أنهم بحاجة لمتابعة فكرية وتعليميةأكثر منها سياسية، لأن السياسة ليست وظيفة أو مجرد كلام، بل إنها فكر ومتابعة ومثابرة، وبالتالي فإن عدم وجود الشباب في هذا المجال هو نتيجة لنشاطهم الطبيعي المتعلق بالالتحاق بالجامعات والمعاهد والتدريبات اللازمة لصقل خبراتهم ومعارفهم وتأمين مستقبلهم”، على حد تعبيرها.

لقد أصبح العالم الحديث أقل سلاماً وأمناً للأجيال الحاضرة والمقبلة، حيث يمر ببيئة مليئة بالتوتر والعنف والقيم المتدنية والمظالموقلة التسامح واحترام حقوق الإنسان، وقد اتخذت ثقافة السلاح مركزاً مهيمناً في معظم البلدان في الشرق الأوسط سيما في سوريا، مما بات يهدد مستقبل الشباب الذين يستحقون حياة أكثر سلمية وتشاركية.

هاديا منصور