لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم الغرب؟

21

بهذا السؤال الكبير، متعدّد الأبعاد، والمفتوح على كلّالاتّجاهات، افتُتح عصر النهضة العربيّة، مع نهايات القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، وذلك على خلفيّة صدمة الاحتكاك بالغرب،بفعل تنامي العلاقات التجاريّة والثقافيّة التي ‏أقامتها الدولة العثمانية مع أوروبا، وما نتج عنها من تحوّلات اقتصاديّة واجتماعيّة شهدتها بلاد الشام، ‏ترافقت مع انتشار المدارس والجامعات والإرساليات الدينية والتبشيريّة.وإثر الحملة الفرنسيّة على مصر، وما رافقها من أسلحة حديثة، وتقنيّات متطوّرة، ومطابع وعلماء ومهندسين وتقنيين وجغرافيين وفنانين، وما نتج عنها من كشوفات وعمران، ‏هذا الاحتكاك فتح عيون المصلحين على الحضارة الغربيّة وثقافتها، ومنهجها العلميّ، وأنظمة الحكم والديمقراطيّة فيها، إلى جانب انتشار أفكار الثورة الفرنسيّة في العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.
هكذا وجد النهضويّون العرب أنفسهم أمام إشكاليّاتعدّة،وأسئلة تستدعي التوقّف عندها، عملوا على صياغتها على شكل ثنائيّات مقارنة مع الغرب،التأخّر والتقدّم، الدينيّ والعلمانيّ، الجهل والعلم، الاستبداد والديمقراطيّة… إلخ.
ورغم تخوّفهم من الغرب وتوسعه الرأسماليّ، إلا أنّ علومه وتقدّمه ‏كانت محطّ إعجابهم، ومثاراهتمامهم. فانقسم المفكرون ‏ والسياسيّون العرببين ‏أعداء له ومعجبين به، وبرزت ردود فعل إصلاحيّة من قوى سلفيّة وليبراليّة.
وكان التحدّي، إذا ما كانت المصلحة تقتضي السير على خطى هذا الآخر، والأخذ بأسباب تقدّمه، ومن ‏ثَمّ ‏النسج على منواله في الإصلاحات.‏أم هي في إحياء القيم الإسلامية، والتمسّك بالجذور، والعودة للتراث، التي تجلّت في حركات الإصلاح الديني في تلك المرحلة.
وقد يعود هذا التناقض إلى أن خطاب النهضة عموماً، كما يقول ‏نصر حامد ‏أبو زيد، كان “مشدوداً إلى بُعدين لا يفارقان بنيته، ‏الأول: هو ‏وطأة التطوّر، متمثّلاً في الاحتكاك المباشر بالمجتمعات ‏الأوروبيّة ‏المتقدّمة، سواء من طريق التعرّف إلى منجزاتها من بيئاتها ‏الأصليّة، ‏والتعرّف إلى سلوك أهلها وعوائدهم في بلادهم، أم في ‏الاحتكاك بهم ‏داخل أقطار الوطن العربي. والبعد الثاني، هو التقاليد ‏والتراث”.‏
حركات الإصلاح الديني
وقد تزعّمها جمال الدين الأفغاني ‏(1839 – 1897م)، ‏الذي قاد نهضةً اجتماعيّة علميّة، ونهضةً سياسيّة. كانت بوصلته العودة إلى الأصول والتراث. فدعا إلى فهم الدين فهماً ‏صحيحاً، وإعادة هيكلة الأمة المهدّدة بخطر ‏التوسّع الأوربيّ، في ‏إطار العقل والعلم،‏ ‏”لن تنبعث شرارة الإصلاح الحقيقي في وسط هذا الظلام الحالك ‏إلا ‏إذا تعلّمت الشعوب العربيّة، وعرفت حقوقها، ودافعت ‏عنها ‏بالثورة القائمة على العلم والعقل”.‏ وقد رأى أنّ العلم والإسلام لا يتناقضان. كما دعا إلى تعلّم الفنون الأوربيّة المفيدة، التي ‏تقوم على رؤية فكريّة شاملة ونظام اجتماعيّ متكامل. وعزا ضعف ‏البلدان الإسلاميّة إلى فساد المجتمع الإسلاميّ. ورأى أنّه لن تقوم ‏للإسلام قائمة إلا بالإصلاح الحقيقي، وبرجوع العلماء إلى حقيقة الدين ورسالته العالميّة،حيث رفض الامتثال إلى ‏فتاوى المدارس القديمة، وطالب بفتح باب الاجتهاد من جديد، ‏والعودة إلى روح الدين وبساطته.‏ وذلك بالتزامن مع الدعوة للإصلاح السياسيّ والاجتماعيّ لتكون نهضة عامة في مواجهة خطر أوروبا. وكانت مجلّته (العروة الوثقى) التي أصدرها في باريس مع محمد عبده، منبراً لطرح أفكاره، وسعيه لتحقيق نهضة الأمة.
وقد نبّه إلى أهمية الصحف في تشكيل الرأي العام، الذي يشكّل قوة ‏ضاغطة للإصلاح والتغيير. وشجّع تلاميذه على إصدار الصحف ‏والكتابة فيها. وأسّس مع محمد عبده منظّمة سريّة إسلاميّة، تأخذ على ‏عاتقها قضيّتي الإصلاح والوحدة الإسلاميّة.‏
كما تجاوز الأفغاني تعاليم الأزهر بتدريسه أصول الشريعة والتصوّف والفلسفة الإسلاميّة لتلاميذه في بيته. ونبّه إلى خطرين قادمين من أوروبا، الهيمنة السياسيّة والقضاء على الإسلام.
ويقسمالباحثون قضيّة الإصلاح عند الأفغاني إلى ثلاث مراحل، ابتدأت بالدفع بالمسلمين نحو العلم، مروراً بنشر هذا العلم، وصولاً إلى الدخول في الفكر السياسيّ.
ولعلّ الإصلاح السياسيّ والاجتماعيّ الذي تبنّاهالنهضويون ودعوا إليه، إلى جانب قضايا الإصلاح الدينيّ وحقوق المرأة، ودعوات التسلّح بالعلم، وامتلاك مفردات العصر لمواجهة الخطر القادم من أوربا، فتح الباب واسعاً لطرح سؤال المرأة ودورها في سياق نهضة الأمة الشاملة. إذ يرتبط الإصلاح الدينيّ ارتباطاً وثيقاً بقضيّة تحرّر المرأة، كما ترى فريدة النقّاش. فكان وضع المرأة الاجتماعيّ والقانونيّ والتعليميّ حاضراً لدى معظم هؤلاء الروّاد.
وقد تنوّعت أساليب الطرح وطرائق التحليل، وانقسمت بين محافظين يرون أنّ المرأة تابعة للرجل، ومجدّدين يرونها مساوية للرجل في المواطنة والحقوق والممارسة الاجتماعيّة.وبين هذين النقيضين يدلي الوسطيّون بآراء توافقيّة، تجعلهم بمنأى عن التجاذبات المجتمعيّة وتناقضاتها الحادّة.
ولابدّ هنا من الوقوف على الصوت الأبرز في مدرسة التجديد الإسلامي منذ بداية عصر النهضة، الشيخ محمد عبده(1849م – 1905م)،الذي قاد مشروعاً إصلاحيّاً متكاملاً في الثقافة والتربية ‏واللغة ‏والأدب والفكر الاجتماعيّ والسياسيّ، والعمل الثوريّ، إلى جانب تفسير القرآن ‏والإفتاء، ‏والاجتهاد الفقهيّ. فعمل على تشكيلفهم جديدلرسالة القرآن، تقوم على حريّة المسلم، وعدم خضوعه لأيّ سلطة في دينه أو حياته، مقدّماً العقل في مسائل الإيمان.
وكأستاذه الأفغاني رأى في التربية وإصلاح التعليم سبيلاً لإصلاح حال المسلمين ونهضة الأمّة.
وإلى جانب تشجيعه لتعليم الفتيات، فقد خصّ قضايا المرأة في الزواج والطلاق، المساواة والقوامة، وتعدّد الزوجات، بالجزء الأكبر من تفاسيره وفتاواه ومقالاته. ورأى أن أحد أسباب تخلّف الشعوب العربيّة هو تخلف نسائها.‏ وكان فهمه لتلك القضايا فهماً تنويريّاً، حيث أفتى بإبطال مسوّغات تعدّد الزوجات، مبيّناً وشارحاً إشكاليّات ذلك على المجتمعات المعاصرة.
“يجوز للحاكم أو ‏للقائم على الشرع أن يمنع تعدّد الزوجات والجواري معاً صيانة ‏للبيوت من الفساد”.‏
‏ولعلّ محاولة محمد عبده الإصلاحية، كانت متجاوبة مع بعض معطيات ‏الحضارة الغربية، فيما يتعلق بالمرأة والسياسة والتعليم ‏والقضاء، كما في موقفه من الغيب.
وحسب بعض الباحثين، فإن محاولات الإصلاح الجريئة التي قام بها بعض تلاميذ محمد عبده، قد تكون تمّت ‏بتوجيه منه ورعايته لهم من خلف الستار. وخاصة فيما ذهب إليه قاسم أمين في رؤيته لقضيّة تعليم المرأة ‏لأجل إقامة علاقة متكاملة بين الأزواج، على أساس الاحترام ‏المتبادل، وليس من أجل تربية الأطفال فحسب. و‏ما دعا إليه أيضاًفي كتابيه، “تحرير المرأة” ‏و”المرأة الجديدة”.
الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873)
يعدّ الطهطاوي أحد روّاد الفكر التنويريّ، الذي صنّفه الباحثون ضمن تيّارين اثنين، الأوّل تيّار تغريبيّ ‏وضعي ‏يقلّد التجربة الغربية، ويرى فيها نموذجاًشاملاً للشعوب بكلّ ‏ما نتج ‏عنها من نظريّات وأفكار، إضافة إلى مبدأ فصل الدين عن ‏الدولة، ‏ومن أبرز أتباعه شبلي شميل، يعقوب صروف، ‏وغيرهم.
أما الثاني فهو تيار تغريبيّ تحريفيّ، يسعى إلى ‏محاولة التوفيق بين الإسلام والفكر الغربي، ويرتكز على الإيمان بأنّ التقدّم العلميّ والثقافة المعاصرة، ‏يستلزمان ‏إعادة صياغة التعاليم الدينيّة التقليديّة بناءً على المفاهيم ‏العلميّة ‏والفلسفيّة السائدة. وكان رفاعة الطهطاوي من أبرز مفكري هذا التيار، إلى جانب ‏قاسم أمين، سعد زغلول وآخرين.‏
فقد نادى الطهطاوي بضرورة تعليم المرأة ‏كشرط أوّل لتحريرها، وتحرير المجتمع على حدّ سواء. ودعا إلى تعليمها وتهذيبها لتعين الرجل في أعباء الحياة، كما أولى التربية اهتماماً خاصّا في كتابه “المرشد الأمين في تربية البنات والبنين”.وساهم في تأسيس مدرسة اللغات عام 1835م.‏
ولعلّ ‏العقد الذي حرّره بينه وبين زوجته، يلتزم فيه بعدم الزواج ‏من ‏غيرها، يلخّص لنا رؤيته لقضيّة المرأة، الزوجة والجارية، ‏ويبيّن ‏موقفه الرافض لتعدّد الزوجات، واستعباد النساء.‏
ولم يجد الطهطاوي في الدين عائقاً للتقدّم. ورأى أن الطريق لتحرير الإنسان، هو الأخذ بأسباب الحداثة. وقد تعرّض لمفاهيم فكريّة قامت عليها الدول الحديثة، كمبدأ المواطنة، الذي أطلق عليه اسم “المنافع العموميّة”، القائمة على الحريّة والإخاء والمساواة بين أبناء الوطن الواحد.
كما لم تغب قضيّة تعليم المرأة عن بال صاحب “طبائع الاستبداد”، العلامة عبد االرحمن الكواكبي (1854 – 1902 م)، رائد حركة الإصلاح العربيّة في بلاد الشام، الذي رأى في عدم تعليمها سبباً من أسباب انحلال الأخلاق، داحضاً ادّعاءات الذين يزعمون بأنّ تعليم المرأة ينال من عفّتها، متمثّلاً في ذلك بالأسلاف، ‏”إن لانحلال أخلاقنا سبباً مهماً آخر يتعلق ‏بالنساء، وهو ‏تركهن ‏جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا”. ويرى أنّ ‏”ترك الاعتناء بتعليم النساء”، هو أحد الأمراض القديمة التي ‏لازمت ‏إدارة الحكومة العثمانية منذ نشأتها، وأسهمت في إيصالها إلى ‏مستنقع ‏الاستبداد الذي تتخبط فيه.
ولعلّ حماسته كانت كبيرة في دعوته إلى تعليم المرأةوتحريرها،لتأخذ دورها ‏الطليعيّ إلى جانب الرجل.‏‏ ولا عجب، فهو الذي تربّى على يد ‏”خالته صفية”، المرأة المتعلمة والمثقفة، إضافة لاطّلاعه على أحوال الأمم الغربيّة التي تعنى بتدريس الإناث.هذا إلى جانب دعواته إلى تحرير الفرد والأمة العربية والإسلامية من براثن الجهل والتخلف. ‏
منظمات أو حركات بقوالب إسلامية
وقد ترافقت تلك المرحلة مع العديد من الحركات والمنظّمات النسائيّةالتي تصبّ في الاتجاه ذاته. فمنها ما كان ملحقاً بالأحزاب الموجودة أصلاً على الساحة، زيادةً في الانتشار والتأثير، كـ “فرع المرأة التابع لجمعيّة الاتّحاد والترقّي”، و”الجمعيّة العثمانيّة للنساء”، و”جمعيّة الترقّي للنساء العثمانيّات”، وغيرها.
وقد نظم أوّل اجتماع لهذه ‏الجمعيات في ‏سالونيك، حيث شاركت فيه النساء المسلمات وغير ‏المسلمات، و‏نظّمت عدّة مؤتمرات ونشاطات خاصة بالنساء في ‏الدولة ‏العثمانية.‏
كما انتشرت أيضاً جمعيّات نسائيّة تهتمّ بالشؤون الثقافيّة، وتعمل على نشرها ‏ في مجالات عدّة، ومنها “جمعيّة التفيّض”، و”جمعيّة النساء ‏العصريّة”.وأخرى تعليميّة، اهتمت بتعليم القراءة والكتابة. إضافة إلى ‏جمعيّات لدعم الناتج المحليّ وتشجيعه مثل، “جمعيّة النساء محبّات ‏الخير”. كما جمعيّات أخرى تهدف لتهيئة أمهات المستقبل، وتقديم ‏العون في ساحات المعارك، كـ “جمعيّة النسوان العثمانيّة الخيريّة”. وجمعيّات إغاثيّة، “كجمعيّة شفقة نسوان” التي تأسست عام 1898، و”جمعيّة خيريّة النساء ‏العثمانية” في سالونيك عام 1908. وكان الهدف منها توفير المساعدات للنساء الفقيراتوأطفالهن. وتلتها جمعيّات أخرى للغرض نفسه على امتداد رقعة الدولة العثمانيّة.
وأخيراً، أُقفلت أبواب القرن التاسع عشر، كما أبواب القرن العشرين، لكنّ سؤال النهضة مازال مفتوحاً على المجهول، وظلّ يكبر ككرة الثلج، ويتشعّب على مفارق التطوّر المتسارعة. ومازالت الدعوات إلى الإصلاح الدينيّ وتحرير المرأة حريصة على التواري عن الأنظار، وعدم المواجهة بشكل مباشر،تحت وطأة رواسب التخلّف التي مازالت تثقل كاهل المجتمعات العربيّة.

نبال زيتونة