من داعش إلى “الشتات”: تتبع النساء والقاصرين في الدولة الإسلامية

901

أصدر “المركز الدولي لدراسة التطرف” في بريطانيا تقريراً أبرز فيه أن تنظيم “داعش” يعمل على توجيه مناصريه لمغادرة سوريا والعراق بعد الهزائم التي مني بها، حيث أنشأ موقعاً على الإنترنت شرح فيه الخطوات التي عليهم اتباعها ليعودوا بسلام إلى مواطنهم الأصلية. وقد تم تصنيف المقاتلين العائدين من سوريا والعراق إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى تتكون من الذين خابت آمالهم من تجربتهم “الجهادية”، والثانية المصابون بالصدمة، والثالثة تتكون من “المؤدلجين” المتشبعين بالأيديولوجية “الجهادية” وهم الفئة الأكثر خطورة.
كما ركز التقرير على نوعين من الملتحقين بداعش سوريا والعراق: النساء الأجنبيات والقصّر، حيث بيّن أن النساء والقصّر كانوا في بعض الأحيان ضحايا للتجنيد القسري، أو التعرض لإغراء السفر، في حين أظهر آخرون الالتزام الأيديولوجي ودعم داعش، وساعدوا في تسهيل ارتكاب بعض من أعظم الفظائع، مما يثير مخاوف كبيرة حول أوضاعهم، سواء كانوا على قيد الحياة، متوفين، محتجزين، أو باقين في العراق وسوريا أو في دول أطراف ثالثة، ووضعهم غير معروف ببساطة.
دور مستقبلي
تستعد النساء والقصّر للعب دور هام في التنظيم مستقبلاً، فقد يساعدون في الحفاظ على إيديولوجيته على قيد الحياة وتمريرها إلى الجيل القادم، ومواصلة تجنيد أعضاء جدد، ودعم داعش بطرق أخرى مثل جمع التبرعات، أو ارتكاب العنف نيابة عن المجموعة. من جهة أخرى، فإن الأشخاص الذين انفصلوا عن داعش قد يكونوا مؤهلين للتحدث ضد داعش وأيديولوجيته وأفعاله، أو فضح أساليب الحياة في ظل نظام “الخلافة”، وبذلك يؤثرون إيجابياً بالآخرين ويمنعونهم من دعم داعش.
وسيطلب من الجهات الفاعلة المتعددة بما في ذلك وزارات الداخلية، الخارجية، العسكرية، القضائية، إدارات السجون، الخدمات الاجتماعية، والجماعات الدينية، تنسيق الجهود ضد داعش في العراق وسوريا، في الداخل، وفي بلدان الأطراف الثالثة.

خريطة العودة
وقد وضعت الجهات المذكورة أعلاه خطة لمواجهة عودة التابعين لداعش، تمثلت في:
• جمع البيانات المتعلقة بجميع الأشخاص المنتمين إلى التطرف والإرهاب، تحديد المجموعات حسب الجنس والعمر في جميع المراحل، كذلك المعتقلين والقتلى والعائدين أو غير المعروفين.
• دعم تلك البيانات التي تدور حول مضمون الجندر والقصر للحصول على تقدير نوعي في جميع المراحل، وفهم ما قد يحفز (أو يجبر) النساء والقاصرات للمشاركة مع الجماعات الإرهابية، وما قد يساعد في فك هذا الارتباط.
• ينبغي بذل جهود خاصة لجمع البيانات من البلدان والمناطق التي لا توجد فيها معلومات في الوقت الحالي، مثل الأردن، لبنان وليبيا والمملكة العربية السعودية وتركمانستان. مثل هذه الفجوات قد تشكل خطراً لتجاهلها دوافع الفئات الضعيفة، مثل القاصرين، في الالتحاق بداعش.
• ينبغي إيلاء اعتبار خاص لتحديد القاصرين والفئات العمرية التي تميز الرضع والأطفال والمراهقين. فمثل هذه التصنيفات قد تكون بمثابة دليل لتحديد الهوية، والتخلص من نزعات التطرف، وإعادة تأهيلهم عند العودة إلى بلدان المنشأ.
• عدم دمج المجموعات، خصوصاً “النساء والأطفال” أو “العائلات”، بدون تقديم بيانات تفصيلية عن النساء والقصّر في تلك المجموعات، فهما فئتان مختلفتان وتتطلبان أبحاثاً ودراسات مميزة.
• مصطلح “المقاتل الإرهابي الأجنبي” لا يغطي تماماً تنوع الفئات التابعة لداعش، فهناك حاجة لوضع فروق توضيحية تعريفية من أجل تحديد وتصنيف جميع العناصر والتصدي لها بشكل فعال. فأولئك الذين ينتمون إلى جماعات إرهابية أجنبية، يجب التعامل معهم ضمن استراتيجيات شاملة طويلة الأجل.
• البيانات التفصيلية المتعلقة بالأشخاص المنتمين إلى الجماعات المتطرفة والإرهابية، التي تشرح الديموغرافيات الجندرية والعمرية بشكل دقيق، تسمح بسياسات حاذقة وفعالة وردود فعل على النطاق المحلي والإقليمي والعالمي.
• تمنح تلك البيانات الفرصة لتطوير الأطر القانونية التي تخص الجندر والعمر، وتقّر بمدى مشاركة النساء والقصّر في هذه المجموعات، وفيما إذا كانوا يشاركون فيها بإرادتهم أم لا.
• التوفر العام لهذه البيانات له أيضاً آثار مباشرة على المنظمات غير الحكومية والمنظمات والشركاء الذين يعملون في هذا المجال، والاستفادة منها وفقاً لمجال عملهم.
• وضع سياسات واضحة لإعادة التأهيل بدل العقاب للقصّر العائدين، قد يشجع المزيد من العائلات على الإبلاغ عن الأطفال المفقودين الذين يُشتبه في انضمامهم أو نقلهم إلى داعش، وبالتالي يمكن أن تسهل عملية الإعادة إلى الوطن. هذا لن يقلل فقط من عبء معسكرات النازحين داخلياً ومراكز الاعتقال داخل العراق وسوريا، بل سيقلل أيضاً من خطر انعدام الجنسية بالنسبة للقاصرين التابعين لداعش.

النساء و الأطفال في ظل تنظيم داعش-موقع السيدة
النساء و الأطفال في ظل تنظيم داعش-موقع السيدة

النساء قادمات
يتم التحذير مؤخراً من خطر عمليات قد تنفذها نساء عدن من القتال مع تنظيم داعش في سوريا والعراق، حيث لا توجد إحصائيات دقيقة حول عددهن لدى الحكومات والأجهزة الأمنية.
بعد سقوط دولة الخلافة المزعومة عام 2017، تكشفت بعض المعلومات بخصوص أدوار النساء التي تبدلت منذ عام 2015، حيث لم يقتصر دورهن على كونهن زوجات المقاتلين، ومشاركتهن محدودة في العمليات القتالية، بل تم إيكال مهام لهن في جمع الأموال والدعاية والتجنيد، لذلك فإن غياب المعطيات وتغير وجهة نظر تنظيم “داعش” بخصوص الحالات التي يسمح فيها للمرأة بحمل السلاح، جعلا خطر النساء أكبر مما كانت تتوقعه الأجهزة الأمنية.
ويشير التقرير إلى زيادة نسبة مشاركة النساء في العمليات مؤخراً، فقد وصلت نسبة النساء 13% من إجمالي الأجانب الذين التحقوا بتنظيم داعش في العراق وسوريا في الفترة ما بين نيسان 2013 وحزيران 2018، والذين بلغ عددهم (41490) شخصاً.
وتشكل بعض النساء خطراً كبيراً على الأمن لعدة أسباب أهمها نشاطهن المباشر، أو التدريب الذي تلقينه في مناطق تواجدهن تحت سيطرة تنظيم داعش، والخوف من نقل تلك المهارات إلى أطفالهن أو إلى أشخاص آخرين.
ويوضح تقرير “من داعش إلى الشتات” أن النساء عندما تقوم بعمليات تكون على شكل ثلاثة نماذج: خلايا نسائية، أو نساء يشاركن في العمليات مع أفراد من العائلة، أو نساء ينفذن عمليات فردية.
أحد تلك النماذج (خلايا نسائية) ما حدث في المغرب في تشرين الأول 2016، عندما اعتُقلت عشر نساء في المغرب بتهمة التخطيط لهجوم انتحاري خلال انتخابات برلمانية، أربعة منهن كن متزوجات من أفراد من داعش عبر الإنترنت.
كما أحبطت الأجهزة الأمنية البريطانية عام 2017 هجوماً إرهابياً على متحف بريطاني في لندن، لتعتقل أول خلية نسائية مرتبطة بداعش، وتم الحكم عليها مؤخراً.
وفي شباط الماضي نشر تنظيم داعش فيديو لامرأة تقاتل في معركة على الجبهة جنباً إلى جنب مع جنود ذكور، مما يعكس اتجاهاً مختلفاً للتنظيم.
ووفقاً لم أوردته منظمة “يوروبول” فقد تم اعتقال 95 امرأة بتهم متعلقة بالإرهاب عام 2014، و171 عام 2015 و180 عام 2016، و 123 عام 2017. كما تم إحصاء ولادة 730 طفلاً داخل دولة الخلافة من والدين أجنبيين.

نساء في ظل تنظيم داعش-موقع السيدة
نساء في ظل تنظيم داعش-موقع السيدة

وماذا بشأن القصّر؟
يحذر الباحثون من إهمال قضية عودة النساء والأطفال إلى بلادهم، لذا ينصحون الحكومات بالتعاون مع الهيئات المحلية لتحديد هوية ومكان النساء العائدات من صفوف داعش في سوريا والعراق، والتعامل معهن وفق مقتضيات القانون الدولي. بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بوضع القاصرين وحاجتهم إلى إعادة التأهيل، وليس تطبيق إجراءات عقابية عليهم، فهم يشكلون أيضاً خطراً، حسب الدراسة، بسبب الأفكار التي لقنت لهم، والمهارات التي اكتسبوها في مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.
وقد تناول روبن سيمكوكس، الباحث في “مؤسسة التراث”، الجوانب الثلاثة للشتات الجهادي: على المدى القصير والمتوسط والبعيد، وأشار إلى البُعد الأوروبي للقضية. وقال الباحث أنه على المدى القصير، هناك ما بين 5-6 آلاف أوروبي قاتلوا مع تنظيم داعش، بينهم (1000) مقاتل عادوا إلى ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، ما شكل خطورة مثل هجمات بروكسل وباريس. أما على المدى المتوسط، فهناك احتمال كبير أن يتصل الجهاديون العائدون بالشبكات الارهابية في هذه البلاد، حتى لو لم يتم شن هجمات فيها. وعلى المدى الطويل، هو الخطر الناتج عن الجيل الثاني من أطفال داعش، حيث انتقلت عوائل بأكملها للعيش مع تنظيم داعش، ما أدى إلى ولادة حوالي (500) طفل فرنسي، (80) طفل هولندي، و(50) طفل بريطاني في الأراضي التي كان يحكمها، حيث درب التنظيم أولئك الأطفال ليشكلوا الجيل القادم من المقاتلين.
أما الباحث في مؤسسة براند “كولين كلارك”، فقد حذر أن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة جديدة من عدم اليقين نتيجة الشتات الجهادي، حيث سيترتب على التطورات الأخيرة لتنظيم داعش وهزيمته في أكثر من دولة ثلاثة أنواع من المقاتلين: من سيبقى في ساحات المعارك، ومن سينتقل إلى مسرح جهادي جديد، وأخيراً العائدين إلى بلدانهم الأصلية، الذين ينقسمون بالمقابل إلى نوعين:
خائبي الأمل، الذي جاء الواقع مخالفاً لتصوراتهم عن دولة الخلافة، والعائدين النشطين، الذين قد ينضموا لخلايا نائمة أو ينشئوا خلاياهم الخاصة.
لذا نصح الباحث كلارك الولايات المتحدة بمنع عودة المقاتلين إليها، عبر مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الشركاء الأوروبيين وتركيا حيث ينشط العائدون. وأشار أنه لا يمكن مكافحة التطرف فكرياً لأنه لا يمكن اليوم معرفة أي برامج أو طرق هي الأكثر تأثيراً أو نجاحاً، حيث لم تتم دراسة هذا الموضوع علمياً بشكل كاف، الأمر الذي يدفع للاعتقاد بأنه ونتيجة تفكك أراضي تنظيم داعش، دخلت استراتيجية الولايات المتحدة مرحلة أخرى من الشك وعدم اليقين.
ملاحظة: يعد المركز الدولي لدراسة التطرف (ICSR) مركزًا للأبحاث الأكاديمية عالمياً ومقره في قسم دراسات الحرب في King’s College London.

ترجمة وإعداد: رشا جمال

المصدر: مجلة سيدة سوريا