تعدد الزوجات في سوريا.. صور من ظلم المرأة

718
تعدد الزوجات-موقع السيدة
تعدد الزوجات-موقع السيدة

انعكست نتائج الحرب في سوريا على الحياة الأسرية، حيث ازدادت ظاهرة تعدد الزوجات وانتشرت بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة ومنها محافظة إدلب شمالي سوريا، حيث شجعت ظروف الحرب الكثير من الرجال على الزواج الثاني بسبب التساهل في موضوع تزويج الفتيات برجل متزوج من أخرى، إضافة إلى تكاليف الزواج المنخفضة، وإلغاء حفلات الزواج المكلفة التي لا يليق تنظيمها في وقت يموت فيه الناس باستمرار. ولكن من الطبيعي أن ترفض الزوجة الأولى فكرة الزواج الثاني الذي تتحول معه إلى الرقم الأول، وتشاركها امرأة أخرى بزوجها، إضافة إلى إقدام الكثير من الرجال على ظلم الزوجة القديمة والاعتداء على حقها.
أم عمر من ريف إدلب تتحدث صراحة عن رأيها بإقبال زوجها على الزواج الثاني والثالث بقولها: “كنت أتمنى أن يكون زوجي قد مات على أن يتزوج مرتين متتاليتين، ويتخلى عن نفقتي ونفقة أطفالي، ويتركنا نعاني العوز والحاجة، في حين ينفق على زوجته الجديدة”.
ويعتبر السبب الأول للتعدد، ازدياد نسبة النساء في المجتمع السوري إلى ٦٥بالمئة، نتيجة موت عدد كبير من الرجال واعتقال النظام لعدد آخر، إضافة إلى سفر الكثيرين خارج البلاد، فتضطر النساء والفتيات في ظل هذه الحالة، للقبول بالزواج خوفاً من العنوسة التي ارتفعت نسبتها في ظل الحرب إلى ٧٥ بالمئة، لذلك يبدي أهل العروس في أغلب الأحيان طلب مهر رمزي في سبيل تزويج ابنتهم على اعتبار الزواج أعظم العلاقات التي دعا إليها الدين الإسلامي، كما ظهرت دعوات من رجال الدين في مناطق المعارضة تحث الرجال على الزواج الثاني لمن يكون قادراً جسدياً وعقلياً ومادياً.
أبو يوسف (٤١عاماً)، من معرة النعمان يبرر زواجه الثاني بقوله: “على كل رجل في ظل الحرب أن يتزوج من اثنتين أو أكثر، وخاصة من زوجات الشهداء اللاتي يعانين من مرارة الترمل وتجد نفسها مسؤولة عن أطفال أيتام دون دخل أو عمل، وتكون قد فقدت بفقد الزوج الأخ والأب والمعيل والمنزل والعمل، لذلك تحتاج لرجل يؤمّن لها ولأولادها الحماية والرعاية”.
شهد المحمود من ريف إدلب بلغت الخامسة والعشرين من عمرها، تزوجت أختاها الكبيرتان، فاضطرت أن تكون الزوجة الثانية لأحد رجال قريتها، وعن ذلك تتحدث لسيدة سوريا بحرقة وقهر وقد خسرت معركتها في حرب العادات والتقاليد والأفكار البالية: “استشهد والدي في الحرب، وكذلك أمي التي لم تبق بعده طويلاً نتيجة مرضها، لأظل وحيدة، ثم انتقلت للعيش في منزل عمي، لذلك اضطررت للزواج من أول عريس تقدم لخطبتي خوفاً من العنوسة والوحدة ونظرة الإهانة والانتقاص من المجتمع، وقررت أن أخرج إلى النور ليكون زوجي ظهراً وسنداً يحميني من أفكار المجتمع الرجعية”.
تؤكد شهد بأنها أرادت بزواجها أن تتخلص من شبح العنوسة لكنها فوجئت بالمعركة الأكبر والأقسى من كل ما كانت تخشاه قبل الزواج، فالزوجة الثانية تعاني من انشغال زوجها المستمر عنها بزوجته وأولاده، ونظرات البعض إليها على أنها تخرب البيوت وتخطف الرجال”.
كما يعتبر الجهل وراء الكثير من الأفكار التي تحولت عبر الزمن إلى تقاليد، وخاصة في سوريا التي تجاوز فيها المتسربون من التعليم حاجز المليوني سوري ممن هم في سن الدراسة، وسيطرة فكرة أن الفتاة ليس لها سوى منزل زوجها، وأن التعليم أصبح من الكماليات في ظل مجتمع يعيش سكانه ظروفاً معيشية صعبة، وضرورة البحث عن الاستقرار في الزواج والتأسيس لعائلة بدلاً من التأسيس لمستقبل يرونه مجهولاً.

فاطمة الشيخ أحمد (١٤ عاماً) من بلدة جرجناز بريف إدلب تركت المدرسة لأن والدها منعها من الذهاب إليها وعن ذلك تقول: “كنت متفوقة في دراستي لكن والدي أرغمني على تركها وبت أعيش بلا أمل في الحياة ودون هدف، وبعد مدة من الزمن تقدم لخطبتي ابن عمي فوافق والدي على طلبه، على الرغم من كونه متزوجاً ولديه ثلاثة أطفال”.
وتضيف فاطمة بحزن: “حياتي الزوجية ليست سعيدة، وقد حاولت الانفصال عدة مرات لكن والدي يجبرني في كل مرة على العودة إلى منزل زوجي ويردد بشكل مستمر (الفتاة قبرها بيت زوجها).
والد فاطمة يتحدث عن الأسباب التي دفعته إلى تزويج ابنته رغم صغر سنها: “بالطبع لن أسمح لابنتي أن ترتاد المدارس في ظل فقدان الأمان والحالة الأمنية المتردية التي تعيشها البلاد، لذلك من الأفضل أن تكون في عهدة رجل يحميها، لأن الفتاة ليس لها في النهاية سوى منزل زوجها، أمّا التعليم للفتيات فقد أصبح رفاهية غير متاحة والزواج هو طوق النجاة لها عوضاً عن البقاء داخل جدران المنزل”.
كما يعتبر الفقر وضيق الأحوال المعيشية سبباً آخر من الأسباب التي تدفع الأولياء الذين أثقلت أعباء الأسرة كاهلهم لتزويج بناتهم أو بيعهن مقابل مبلغ مادي وزجهن داخل مؤسسة الزواج.
أم يعرب نزحت من الغوطة الشرقية إلى إدلب خلال عمليات التهجير القسري، واضطرت لتزويج ابنتها من رجل متزوج يكبرها بأكثر من عشر سنوات وعن سبب ذلك تقول: “استشهد زوجي في قصف بالبراميل المتفجرة على مدينة دوما، وبقيت وحيدة مع بناتي السبع، أعيش أعباء الترمل والنزوح في خيمة تنعدم فيها الخصوصية وتفتقد أدنى مقومات العيش، لذلك اضطررت لتزويج ابنتي البكر التي لم تتجاوز الثالثة عشرة لتكون في عهدة رجل مرتاح مادياً وقادر على الإنفاق عليها وتأمين حياة كريمة لها ودفن حياة الفقر التي تعيشها معنا”.
معظم الذين أقدموا على الزواج الثاني في المناطق المحررة هم من قادة الفصائل العسكرية الذين استطاع الكثير منهم تحسين أوضاعهم المادية بعد المشاركة في الحرب.
أم أكرم من معرة النعمان تروي لسيدة سوريا حكايتها وكيف أصبحت الزوجة القديمة بقولها: “كنت أعيش مع زوجي حياة سعيدة على الرغم من الفقر والتعب، وما إن اندلعت الثورة حتى أصبح زوجي أحد القياديين في فصيل عسكري، وبدأت الأموال تكثر بين يديه، وكان أول ما فعله هو الزواج من فتاة صغيرة في السن تكاد تكون في سن بناته، ولم يقف به الأمر هنا، فهو يبحث عن الثالثة أيضاً”.
المرشدة الاجتماعية سوسن العمر من معرة النعمان تتحدث عن أسباب انتشار الظاهرة وتقول: “تعدد الزوجات كان نادراً في الماضي أما اليوم فقد تغير الوضع وباتت المرأة السورية مجبرة على القبول بأي زواج يكفيها مادياً ويشعرها بالحماية، رغم أنها كانت لا تقبل به في الحالة العادية قبل اندلاع الحرب، كما انتشرت في سوريا ظاهرة زواج الكهول من قاصر أو صغيرة السن بالنسبة لهم، الذي ينتج عنه إشكاليات مجتمعية خطيرة بالنسبة للمرأة أو الأطفال، أهمها ارتفاع نسب الطلاق والتسرب المدرسي والتسول وعمالة الأطفال إن لم يكن بمقدور الزوج تأمين متطلبات أسرتين في وقت تنتشر فيه البطالة ويسود غلاء فاحش يطال حتى رغيف الخبز”.
كما يعتبر الزواج المبكر أحد أسباب التعدد، حيث تكون نتيجته الطلاق، فتعمد المطلقة غالباً إلى الزواج من رجل متزوج.

الزواج المبكر-موقع السيدة
الزواج المبكر-موقع السيدة

لا تختلف قصة أسماء من ريف إدلب عن الكثير من مثيلاتها السوريات اللواتي اضطرتهن ظروف غاية في القسوة والأعراف الاجتماعية ليكن ضحية زواج مبكر، لكن أسماء عادت إلى منزل أهلها مكسورة القلب بعد أقل من عام على زواجها، لتتزوج ثانية من رجل متزوج تحت ضغط أهلها، تشكو حالها قائلةً: “كنت في الثانية عشرة عندما تزوجت من ابن عمي الذي يبلغ من العمر ٢٢عاماً، وبعد زواجنا بأشهر حلت المصيبة بوفاته متأثراً بإصابة حربية تعرض لها أثناء رباطه على إحدى الجبهات بريف حماة، وبعد وفاة زوجي مالبث أهلي أن زوجوني ثانية من رجل متزوج”.
الكثير من الرجال أصبحوا يتزوجون النساء لفترة من الزمن ليعمد كل منهم إلى الانفصال عنها والزواج من أخرى، لتصبح المرأة والحالة هذه كسلعة تحرم من جميع حقوقها، أمل العبدو من مدينة إدلب تتحدث عن معاناتها في حياتها الزوجية: “خيرني بين القبول والرضى بزواجه من أخرى أو الطلاق، لذلك سكتت ورضيت على مضض حتى لا أترك أولادي وأهدم البيت الذي بنيته على مدار عشرين عاماً”.
إذا كانت أمل قد رضيت وتحملت من أجل الحفاظ على بيتها وأبنائها فإن براءة من بلدة كقرومة بريف إدلب لم تكن كذلك، حيث طلبت التفريق عن زوجها بعد أن اكتشفت خيانته وخداعه، وعن ذلك تقول: “تقدم أحد الرجال لخطبتي قبل أن أبلغ الرابعة عشرة مدعياً أنه طلق زوجته لأنها لا تنجب، والحقيقة أن ثراءه ووعوده وكلامه المعسول جعل أهلي يصدقونه ويغفلون عن السؤال عنه والتحري عن وضعه، حيث وافقوا حتى دون أخذ رأيي بحجة أنهم يعلمون مصلحتي أكثر مني”. وتضيف براءة: “بعد الزواج اكتشفت أنني الزوجة الرابعة، وأنه يتزوج المرأة لمدة من الزمن ويتركها ليبحث عن أخرى وهكذا، لكنني قررت الانفصال عنه رغم المرارة التي تحملها كلمة مطلقة في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد التي ترمي بثقلها على المطلقة وتلومها على ذنب لم تقترفه”.

كثيراً ما يكون الأطفال ضحايا لزواج والدهم من أخرى، وازدياد المشاكل والمنازعات داخل المنزل.
الطفل سعد الذي لم يبلغ العاشرة وأخته الأصغر مريم تركا منزل أهلهما بسبب الخلافات العائلية بعد زواج والدهما من أخرى وانفصال أمهما وعن ذلك يتحدث سعد قائلاً: “بعد زواج والدي أصبح البيت كالجحيم، ففي كل يوم خلافات لأن والدي يميز في المعاملة بين أمي وزوجته الجديدة ويعمد إلى ضربنا يومياً، لذلك تركت أمي المنزل، وغادرت مع أختي إلى منزل جدتي من أبي، ولا نرغب بالعودة إلى منزلنا”.
وبالتوازي مع ازدياد نسبة تعدد الزوجات ازدادت نسبة الطلاق أيضاً في المجتمع السوري لأسباب اقتصادية وعدم إمكانية تأمين مسكن مستقل، حيث تضطر العائلة لتقاسم المسكن فضلاً عن عدم قدرة الزوج على تحمل نفقات زوجتيه وأبنائيهما.
بالمقابل يرى الكثير من السوريين أن التعدد أصبح ضرورة في ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد، المحامي أيمن البلاني من معرة النعمان يبدي رأيه بظاهرة الزواج الثاني بقوله: “من البديهي أن ترفع الحروب نسبة الإناث إلى الذكور لأسباب متعددة أهمها المشاركة في العمليات العسكرية وما يتبعها، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع نسب الأرامل والعوانس بشكل لافت، ماقد يخلق إشكاليات مادية ومعنوية بالنسبة للنساء والفتيات لاسيما في البيئات المحافظة والتي تنخفض فيها نسب تعليم الفتيات أو عملهن خارج المنزل”.
بين القبول والرفض تقع الكثير من نساء سوريا ضحية زواج يقضي على أحلامهن ويثقل حياتهن بالهموم والأحزان والقصص المختبئة خلف الجدران التي تطبق أفواهها خوفاً من العادات التي لا تعترف بحقوق المرأة.

سونيا العلي
المصدر: مجلة سيدة سوريا