توقف، تنفس … وابق على قيد الأمل

226

هل سيصدقنا أولادنا وأحفادنا، إذا ما قصصنا عليهم انه وذات مرة كان الرصاص يتطاير فوق رؤوسنا ولكننا نجونا؟ وإننا في أحد الأيام كنا نجلس في حديقة الدار الخلفية، وإذ ببرميل متخم بالمتفجرات يسقط بعيداً عنا بضعة أمتار، ونجونا؟ هل سيصدق أولاد “فاطمة” أنها سارت في صحراء تحتلها العواصف الرملية مدة ثلاث ساعات، ونجت. هل أحفاد “أم طلال” سيعتبرون من حكايتها عن الإيمان، عن الصبر، وعن شراسة النساء عندما يتعاركن مع اليأس والخوف، وينتصرن؟

تعيش فاطمة (23 عاماً) في مدينة غازي عينتاب، وتسكن أم طلال (42 عاماً) في مدينة أنطاكيا، وقد لا يجمع بين هاتين السيدتين سوى ذكريات سوريا، واللجوء، ومقالي هذا الذي سيقتطف صوراً من ما يستحق الحياة على هذه الأرض.

باقية على قيد الأمل

سألت “فاطمة” عن امكانيتي في الكتابة عن إصرارها على العودة إلى الجامعة، فوافقت، وأخبرتني بأنها ستزودني بمقاطع صوتية ترسلها على الواتس، تتحدث فيها عن ما طلبته من شرح، عن الكيفية التي تعمل عليها لمتابعة دراستها، وعن الصعوبات المحتمل مواجهتها. ولكنني عندما استلمت المقاطع الصوتية، لاحظت أن “فاطمة” خصصت القسم الأكبر من تلك المقاطع للحديث عن مغامرتها القاسية جداً للوصول إلى تركيا. وعندما استفسرت منها عن ملاحظتي، ردت بأن تلك المغامرة جعلت كل الصعوبات التالية تبدو ذليلة، صاغرة، لا محل لها من الإعراب.

من حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، إلى السويداء، ثم خمس ساعات سيراً في الصحراء للوصول إلى مخيم الركبان، منه إلى الرقة، بعدها إلى مخيم عين عيسى، فحلب، فالمعبر دخولاً إلى تركيا. كان ذلك خط مسيرة “فاطمة مع زوجها والذي استغرق عشرة أيام، وعنه تقول: “شاهدت كل أنواع الجيوش والمليشيات، وعانيت خوفاً اغتالني ليل نهار، خوفاً من قتل أو اعتقال، من طائرات التحالف التي تبعثر الأرض وتحولها إلى رماد، ورافقني رهاب من الإصابة بمرض ما أو الاختفاء في باطن الصحراء”.

سيطر الدواعش في شتاء 2017 على قرية “فاطمة”، وكان زوجها موضوعاً على لوائحهم السوداء، فكان قرارها مع زوجها الهروب إلى تركيا، من داعش، من النظام، ومن المصائر المرهونة بالنجاة صدفة. تترك “فاطمة” أهلها وبيتها، ودراستها الجامعية وترحل نحو المجهول.

“غربتي عن الأرض واللغة تزيد من الوحشة، ويؤزمها عدم قدرتنا أنا وزوجي في الحصول على الكيملك (الهوية التركية). ولمدة ثمانية أشهر متتالية تحدثت فيها فقط مع جدران الأستوديو الذي استأجرناه في غازي عينتاب، يضيق بي وأضيق به. تؤلمني يدي فجأة، ويتسربلني وجع من رأسي حتى أخمص قدمي، فكان لابد لي من مراجعة الطبيب، الذي أخبرني بأنني على عتبات الاكتئاب”. وتتابع “فاطمة”: “اكتئاب! لا يتوجب أن تندرج هذه الكلمة في قاموس حياتي، فأنا واجهت تحديات وظروفاً أشد وطأة، فما كان مني إلا أن طرحت على نفسي السؤال التالي: ماذا لو التحقت بدورة للغة الإنكليزية من باب الأمل بشيء ما؟ ولم أكن أعلم أن هذا السؤال هو مفتاح باب كنت قد أوصدته بعنف”.

علمت “فاطمة” من خلال دورة اللغة الإنكليزية تفاصيل كثيرة عن القبول الجامعي الخاصة بالطلاب السوريين في تركيا، وبأن الحكومة التركية تقدم بعض المنح والتسهيلات لمتابعة دراستهم في جامعاتها الحكومية وبالمجان. تقول “فاطمة”: “يُسمح للطالب السوري بالالتحاق بالجامعات التركية، إذا ثبت تمكنه من اللغة التركية. كما أن نجاح الطالب بأحد الامتحانين التاليين: “السات” أو “اليوز” يؤهلانه للمفاضلة على احد الأفرع الجامعية، لدى عدد من الجامعات التركية. والسات واليوز هما عبارة عن دراسة مأجورة لمدة خمس أشهر تقريباً، لمواد القراءة والكتابة ومادة الرياضيات، ولكن باللغة الانكليزية، ويتم امتحان الطلاب بتلك المواد لاحقاً. ولأنني استصعبت اللغة التركية، كان خيار التقدم لأحد الامتحانين، فرصة ذهبية ستعيدني إلى المدرجات الجامعية من جديد”.

لن تقف بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) عائق في وجه “فاطمة”، فتتمكن من الحصول عليها بعد سنة ونصف. وستتعاقد “فاطمة” مع أحد مشاغل الخياطة، لتعمل في منزلها على ماكينة الخياطة التي أمنها لها زوجها. “وأين المشكلة في تعب قليل مادام سيساعدني على ارتياد الجامعة؟ تقول فاطمة ذلك وتضيف: “أسجل حالياً في معهد السات بعد أن أمنت المبلغ المطلوب للتسجيل، ولن أتوان لحظة عن تأمين أي مبلغ تتطلبه متابعة الدراسة”.

هنالك ثلاث سنوات ونصف أمضتها “فاطمة” في دراسة “معلم الصف” في جامعة درعا، وضاعت. غير أن طموحها اليوم أكبر، فهي تطمح لدراسة الصيدلة أو الترجمة الفورية، وتذهب في أمنياتها العلمية إلى الدراسات العليا، وأحياناً تداهمها أحلام غريبة، كاستلامها لمناصب أو وظائف أممية، ولما لا؟ “فاطمة” تعرف كيف تبلغ أحلامها، فكل ما عليها هو أن تطرح على نفسها السؤال التالي: “ماذا لو فعلت كذا من باب الأمل بشيء ما؟”.

تتوقف، تتنفس… ولكن لا تيأس

لشدة إعجابي الشخصي “بأم طلال”، فضلت أن ألتقيها وجهاً لوجه، وأسجل حديثها الذي تم قطعه أكثر من مرة من قبل، ليسألنها عن غرزة أو قطبة صوفية تائهة.

ودون تدخل أو تعليق مني تسترسل “أم طلال” وتحكي:

“من حمص من حصار حي الوعر خرجت أنا وابنائي الأربعة إلى تركيا. كان النظام قد بدأ يطبق حصاراً على الحي في أواخر 2013، ولأنني مدرسة وأحمل بطاقة موظفة حكومية، كنت أتمكن أحياناً من مغادرة الحي مع أولادي لأتنفس بعض الأمان والحياة. ولكنه وفي بدايات 2016 بدأ الحصار يشتد ويتخذ وجهاً أكثر قساوة، وبدا الأمر وكأن النظام ينوي جدياً اقتحام الحي واحتلاله، فكثف من قصفه وغاراته. ولم أعد أتمكن أبداً من مغادرة الحي إلا في أخر كل شهر لا ستلام راتبي.

“قلقاً على أبنائي من القصف والحصار المر، كان خيار اللجوء إلى تركيا مناسباً ولا سيما أن أهلي كانوا قد سبقوني إلى هناك. بعت السيارة التي أملك، لملمت ذاتي وابنائي وخرجت تاركة زوجي أمانة بين يدي الله في حي الوعر.

“حللت ضيفة عند أهلي في مدينة انطاكيا في صيف 2016، بعد رحلة تهريب أنهكتني وابتلعت قسماً كبيراً من ما أملك من مال، فكان لا بد لي من إيجاد عمل. وبالفعل تمكنت بعد شهر واحد من وصولي إلى تركيا، من الحصول على عمل في إحدى المدارس التي تعلم الطلاب السوريين. ولكن فرحتي بالعمل لم تتجاوز الشهرين. حيث تم الاستغناء عن خدماتي. ويبرر مدير المدرسة التركي، أن عملية دمج السوريين بالمجتمع التركي والتي بدأت تنتهجها الحكومة التركية في 2016، تستثني كوني غير مسجلة كمدرسة في وزارة التربية الحكومية، ولا تزال أوراقي القانونية غير كاملة.

توقفت… ولكنني لم أيأس، لتراودني فكرة الدروس الخصوصية للطلاب السوريين، فأنا أحمل إجازة في العلوم الطبيعية وسأتمكن من تدريس الرياضيات والفيزياء إلى جانب مادة العلوم. وتعود عملية الدمج من جديد لتؤثر سلباً على فكرتي، فالحكومة التركية تبدأ بإقحام الطلاب في المدارس التركية وتدريسهم المنهاج التركي، وهو أمر لا أستطيعه أبداً، فلغتي التركية لاتزال ركيكة، ويحتاج اتقانها اتباع دورات مكثفة وطويلة ومال لم أكن أملكه.

حالة من الإحباط بدأت تترصدني، ونفاذ مدخراتي المالية يضغط على أنفاسي ويخنقني، فما كان مني إلا أن تنفست عميقاً، ورجعت بذاكرتي ثلاثين سنة إلى الوراء، لأشاهد نفسي يافعة صغيرة في الثانية عشرة من عمرها، قادرة على حياكة كنزة كاملة من الصوف. فقلت لنفسي إذا لم استطع التدريس، فماذا عن مهارتي في أعمال الحياكة والشك التي تعلمتها من والدتي منذ نعومة أظافري؟ وبناء عليه رحت أرتاد محلات الملابس التجارية، أعرض عليهم قدراتي المهنية في الصوف وشك الخرز. في الحقيقة كنت أحصل على بعض القطع لأشتغلها في المنزل، ولكن مردود هذا العمل كان ضعيفاً جداً لا يغطي مصاريف أولادي التي أخذت تزداد يومياً.

يخرج زوجي في 2017 من حي الوعر بعد إخلائه قادماً إلى تركيا، ويخيب ظني من كونه سيكون عوناً لي على ظروفي الأسرية والاقتصادية المتأزمة، فهو كان يرزح تحت وطأة الكآبة والتعب النفسي، إضافة لقلة فرص العمل للسوريين. ولكي أستعيد قواي الخائرة كان يلزمني إجازة قصيرة، قررت قضاءها عند صديقة لي في مرسين.

“مطبخ لجميع المأكولات والحلويات الشرقية، نديره أنا و أنتِ. تلك كانت فكرة صديقتي في مرسين. وفكرتها جاءت من قناعتها بأنني طاهية ماهرة ومديرة نشيطة ومجتهدة. فكان أن صورنا مقطع فيديو صغير عن ما سيقدمه مطبخنا، ونشرناه على مواقع التواصل الاجتماعي.

“يبدأ اليأس بنكزي، حيث لم نتلق ولمدة شهرين أي اتصال أو حتى سؤال مجاملة عن مطبخنا. هناك مشكلة، ربما تكون إعلانية، إذاً حملة إعلانية مكثفة لمطبخنا على غرف الواتس، على الفيس، بين جمعات واستقبالات النساء.

“لكل مجتهد نصيب، كانت تقول والدتي. وتتهافت الطلبات على المطبخ الشرقي، ويتسع عملنا ليشمل المونة الشتوية (مكدوس، ملوخية، بامية…). وعلى الرغم من أن المال الذي أحصل عليه من مشروع المطبخ الشرقي، لا يسد كل احتياجات عائلتي، إلا أنه وبجانب الأجرة التي اتقاضاها لقاء الدورات التدريبية، والتي تقيمها بعض الجمعيات والمنظمات لتدريب النساء السوريات اللاجئات على الحرف والمهن اليدوية، يشكلان معاً دخلاً يمكنني من تلبية متطلبات الحياة المعيشية، وإن كانت ضمن حدودها الدنيا”.

في الختام

بينما أكتب أنا ما استطعت عن “فاطمة” و”أم طلال”، ستنثر “فاطمة” كل أوراقها وكتبها حولها، وتدرس بنهم، فهي لا تتخيل أن تفقد فرصتها للدخول إلى الجامعة. وستجلس “أم طلال” تحيك قطعة صوفية ما، وتفكر بإنجازها الجديد، وهو تعلم اللغة التركية لتعود إلى مهنة التدريس التي تعشق. وسيكون هناك مئات الألاف من اللاجئات السوريات في تركيا، ممن يبحثن عن علم أو عمل لينتصرن فيه على شقاء الغربة.

 

وردة الياسين

المصدر: مجلة سيدة سوريا