حكايات سورية عن انتهاكات داعش… صرت أما قبل ان أتزوج

10

في ليلة شتوية قاسيه هدأت أصوات القصف والطائرات فيها لتفسح المجال لصوت رياح الشتاء المزمجرة بعد أن جن البرد واشتد البرق خلدنا للنوم والراحه كان صوت الرعد مخيفا فكنا نضع أناوأخوتي الصغار رأسنا تحت الغطاء كلما اشتد ..كانت أمي رحمه (43 عاما) الوحيده التي لم يكن يخيفها صوت الرعد لأنها كانت مشغوله بما هو أعظم بالنسبة لها وهو حزنها بعد أن تزوج والدي أمرأة اخرى منذ عشرة أيام كان وجود أخي الكبير أحمد بجانبها ومواساته لها يخفف عنها كثيرا أذكر أنه قال لها يوما (لاتقلقي ياأمي سأظل بجانبك وأدافع عنك ضد كل من يؤذيكي حتى ولو كان أبي ولن اتزوج حاليا )كانت هذه الكلمات تشعرنا بالفرح والأطمئنان في نفس تلك الليله طرق باب بيتنا بقوة وبطريقة مرعبه هرعت أمي إلى الباب لتفتحه من بالباب ؟ أنا ياأم أحمد ..إنه صوت أبي ولكن لماذا يأتي في هذه الساعه المتأخره من الليل ؟! فتحنا الباب شعور غامض بالخوف قد لامس قلبي تلك اللحظه ..قال أبي
ام أحمد إبننا أحمد قد تصاوب بالمعركه في خان شيخون وكسرت رجله ..قابلت أمي الخبر بسذاجه وشماته قائلة :هذا أفضل لعله يترك القتال بعد تلك الحادثه ملامح أبي كانت مريبه بالنسبه لي تابع أبي الحديث ..حضري نفسك لنزوره بالمشفى ذهبت أمي الى المطبخ لتحضر بعض الطعام لاخي بالمشفى فما كان من أبي الا أن ذهب الى غرفة أخرى قفلها على نفسه لبعض الوقت يم خرج منها محمر العينين والدموع قد بللت أنحاء وجهه ولكنه سرعان ماتظاهر بالمرح عند قدوم أمي .
فهو اللذي يعرف مدى غلاوة ومنزلة أحمد لدى أمي ويعرف مدى حبها الشديد له فقد كانت تحبه وتميزه عنا جميعا كيف لا وهو بكرها الغالي.
خرج أبي وأمي لزيارة اخي المريض في المشفى وتركوا عندي إخوتي الصغار .
في تلك اللحظات كان حس المسؤوليه يزداد بداخلي اكثر فأكثر فهرعت لتغطية النائمين من إخوتي الصغار وكنت مضطرة للاجابه عن استفسارات أختي الأصغر ذات الثلاثة عشر عاما بشأن اخي أحمد وأطمئنها ببعض الكلمات اللتي تهدئ من تشاؤمها وقررت أن أترك الدوام في المدرسه هذه الفتره حيث كنت ادرس الصف الحادي عشر لم أستطع النوم فبقيت ساهرة حتى الصباح مع ساعات الفجر الأولى عاد أبي ومعه أمي وعاد أحمد معهم ولكنه في تابوت الموتى لم تتوقف أمي عن البكاء ومناجاته طول تلك المدة تتذكر مواقفه الداعمه لها والمواسيه بعد زواج أبي (لقد قال لي إنه بأجار أول راتب سيقبضه سوف يشتري لي هاتفا حديثا ياحبيبي ياأحمد ) لقد خيم الحزن علينا جميعا ودعنا اخي أحمد بحراره وألم قبل أن يذهب لمثواه الأخير .
بالرغم من أنني حزنت على أخي أحمد ولم أكن أطيق نفسي إﻻ أنني كنت أحاول التخفيف عن أمي المكلومه وأتظاهر بالصبر أمامها وأقوم بأعمال المنزل بدلا منها والإعتناء بإخوتي حلا 13عاما محمد في الصف الثاني مائن في الصف الاول لين 3سنوات والتي لم تفطم عن الرضاعه من أمي بعد كان علي ان أعتني بهم بسبب انشغال أمي عنهم بمراسم العزاء والحزن .
بيتنا في تلك الفتره لايكاد يخلو من المعزين والزائرين كانت أمي تتلمس الأوقات التي يخلو فيها البيت لتخلو الى أشياء أخي أحمد فتتلمسها وتتذكر أيامه ومواقفه معها فكانت تبكي بكل حراره وألم .توالي الصدمات على أمي جعل منها امراه متعبه لا تتحمل المزيد من تذكر الآلام لدرجة ان امراه سالتها أثناء العزاء :اين تسكن ضرتك يا أم احمد فمالبثت أن جمدت عيناها واصفر لونها وغابت عن الوعي فبادرت بمساعده بعض النسوه الى تصحيتها من الغيبوبه …بعض مضي ثمان أيام على وفاة اخي قررت معاودة الذهاب الى المدرسه املا في الخروج من جو الحزن القاتل ..وفي صباح يوم تشريني مشمس اتصلت بزميلاتي روله وصفاء : أرجو ان تنتظروني لنذهب سويا الى المدرسه ذهبنا فعلا الى المدرسه وكان ذلك يوم 17/11/2016 في طريقنا الى المدرسه كنا نسمع صوت انفجارات بعيده وصوت سيارة الاسعاف لم يتوقف ذلك اليوم انه يوم سوري بامتياز
وفجأه دوى صوت طائره في سماء مدينتنا كفرنبل بينما كنا نجلس انا وزميلاتي في ساحة المدرسة نتبادل اطراف الحديث …فكانت جلستنا لا تخلوا من بعض الضحكات رغم ما حولنا من الآلام فلم تخلو فتاة سورية في هذه الأيام من قصص الآلام سواء قريبة أو بعيدة عنها وفجأة خرج صوت انفجار ضخم قريب ……. “.لابد أن الطيارة ضربت في كفرنبل”…..قالت احدى زميلاتي … لم نكترث كثيرا للأمر الذي أصبح شبه اعتيادي بالنسبة لنا لقد انصرفنا إلى البيت بعد الضربة مباشرة أنا وزميلاتي ..رولة وصفاء وفي طريف العودة كان الناس يهرعون إلى موقع الحادث با اضطراب وخوف فجأه أحسست ببعض الريبة في نفسي فسألت أحدهم:-أين مكان الضرب ؟ أجاب في حارة الكسريا ..يا الهي إنها حارة بيتنا…… تابعت خطاي بشكل أسرع لكن مالبث ابن خالتي أن اصطحبني إلى بيتهم ومنعني من الذهاب ،بقلق وخوف شديد سألته :-هل الضربة كانت في بيت أهلي؟سكت ولم يجب شيئا سحبتني خالتي من يدي وقالت :-إهدأي يا ابنتي لا تقلقي أبوكي بخير هدأت قليلا ثم قلت لها:-أبي طبعا بخير إنه يسكن بعيدا عن منزلنا مع زوجته الجديدة ،ولكن كيف حال أمي واخوتي؟
أجابت:-اخوتك بخير ……صمت قليلا ثم سألتها وأمي؟ فلم تجب خالتي حينها وأجهشت بالبكاء…..خالتي أرجوكي لا تقولي لي أن أمي ماتت؟ وجهت خالتي وأبنها رأسيهما نحو الأرض ….ولم يجباني فتوجهت نحو باب المنزل أريد الخروج ولكن كانوا يمنعوني بشده
بعد قليل جاء والدي ومعه أخوتي وقد علا وجوههم ورؤوسهم الغبار الأبيض مختلطا بدموعهم فعلمت أنه في الوقت الذي كنت أضحك فيه وأروح عن نفسي بعد وفاة أخي حدثت مصيبة أكبر وهي وفاة أمي وتهدم بيتنا حدثتنا كبرى خالاتي وتدعى (نعيمة )ماذاكانت أمي تقول قبل حدوث الضربة بدقائق: “متى سيأتي يوم القيامة حتى التقي بولدي أحمد ” فجائها الرد الإلهي سريعا ومن عليها بالشهادة هي الأخرى لتحيا مع أخي أحمد حيث يحيا الشهداء لقد تمنيت أن أرى أمي قبل وفاتها ولكنهم دفنوها قبل أن أصل إليها لم تنتهي المأساة بعد ولم تقف عند هذا الحد بالنسبة لي فحزني على إصابة أخوي الصغيرين أنساني حزني على وفاة أمي وتكون لدي استعداد جديد الآن لتحمل المسؤولية تجاه إخوتي جميعا محمد اللذي خضع لعدت عمليات جراحية في المشفى فرافقته عنايتي إلى أن تعافى وحان وقت تخريجه منها وأختي الصغيرة (ريم) التي كسر فخذها هي أيضا أثناء الضربة وجرح رأسها فكانت تأخذ حيزا كبيرا من اهتمامي هي الأخرى ورعايتي لغاية الآن بالإضافه لحلا ومائن لم يعد شيئا يعنيني حاليا في هذه الحياة سوى أمر واحد وهو أنه عندما أصبح أخوتي أيتام كان علي أن أكون بمثابة أم لهم فقررت أن أتفرغ لهم وأعتني بهم بكل الوسائل واليوم اتمنى ان يكون اخوتي قد استفادوا من
التجربه وأصبحوا أقوى على تحمل الألم كما حدث معي فالحياة سوف تستمر رغما عنا مع أمي أو بدونها

المصدر: مركز الطبقة للمجتمع المدني