جورج صاند منارة كبيرة في تاريخ الأدب الفرنسي

16
جورج صاند-موقع السيدة
جورج صاند-موقع السيدة

جورج صاند هو الاسم الشهير للكاتبة الفرنسية لامانتين أورو لوسيل دوبين، كانت بنتاً يعتبرها أصحابها في المدرسة ولداً. وبعد أن كبرت أورو صارت كاتبة تدعى “جورج”، أعجب بها أقرانها وكأنها “سيد” أو “رجل عظيم”. وهذه البنت صارت فيما بعد هي جورج صاند أحد أفضل كاتبات فرنسا في القرن التاسع عشر، وصاحبة أكثر من كتاب حاز على أفضل المبيعات، وقدّرها كثير من النقاد بدرجة الموهبة العالية التي تحويها بين جوانحها.
وقد أنكرت صاند، التي عاشت 71 عاماً، الدور النسوي الموصوف بين كتّاب عصرها، فكانت تكتب كإنسان كامل بغض النظر عن النوع الفيزيولوجي لطبيعتها كامرأة. وأظهرت رسوم الكاريكاتير الهزلية شكلها في مرحلة النضج بمن يرتدي ملابس مجهولة الهوية، ويدخن السجائر ويؤدي ممارسات غير أخلاقية، ويبين هذا شكلاً من الشخصية المعقدة بالغة الحيوية، فحولوا مواهبها الإبداعية إلى شكل درامي.
حاولت جورج صاند (1804/ 1876) مراراً وفي كل أعمالها وصف الخبرة النسوية بطريقة تعكس الندية الحقيقية والتوتر الإبداعي. وكانت تدعي في حياتها باستمرار ذلك التميز، لكنه تميز ضمن مسؤوليات تاريخية كانت محفوظة للرجال من قبل، فصارت مع هذا المجال مجرد (كاتب) في مجال الإبداع البشري.
سجلت حياتها حوادث مخيفة مرت بها. وقد كتبت بنفسها عن سيرتها الذاتية في كتاب بعنوان (قصة حياتي)، وهي تعدّ الآن من أفضل الكتب مبيعاً، حيث احتفظت فيها بمراسلاتها الغرامية مع العشاق والأقارب وزملائها الكتّاب المبدعين. وقالت الناقدة بلندا جاك في كتاب لها عن جورج صاند يدعى “حياة امرأة في كتابة مسهبة”، أنها قد تكون عرفت، بل وخبرت كل شيء فعلته، وأين ومع من طيلة فترة شبابها. وعلى كاتب سيرتها إذن ألا يضيف شيئاً، لكن أن يختار وينتقي ويتحسّس طريقه ضمن كمّ المعلومات الهائل الذي تتيحه للنقاد في كتبها التي سطّرتها.
لقد كُتب الكثير عن حياتها الفوضوية: شؤون غرامها وكتاباتها وصداقاتها ومشاجراتها وأسفارها، حيث يبدو أنها لم تكن تنام أبداً، كانت شفافة ومشرقة وانفعالية على مدار الكتابة، وصورة شخصية لفنان من طراز خاص، أو امرأة شابة تقدم صورة دقيقة للجو الفكري في بدايات القرن التاسع عشر في فرنسا. لكنها تبدو في كثير من كتاباتها كامرأة محطمة، بوصفها للأحداث التي شملت طفولتها وحياتها، بالجروح والمآسي التي طرأت عليها، لكنها وهبتها هوية مدافعة مترفعة، تدعي حقوقاً لدرجة الإشباع النفسي، وكل ذلك في شكل كتابة جذابة.

الكاتبة الفرنسية جورج صاند-موقع السيدة
الكاتبة الفرنسية جورج صاند-موقع السيدة

مع ذلك كانت صاند بدرجة قليلة امرأة أنانية، وهناك فترات في حياتها لم تتحمل فيها ببساطة تلك التنشئة، فالشخصية التي ترسمها أمامنا ضمن كتبها كانت تنتمي لسياق ملموس. ففي العشرينيات من عمرها راحت صاند تدب في شوارع باريس وهي ترتدي البنطلون ومعطفاً وحذاء رجالياً، كذلك تجعلنا ننفعل مع لحظات هروبها من الزواج، الذي دام عشر سنوات فقط، بينها خلافات كثيرة، حتى استطاعت الحصول على الطلاق، وهربت بولديها. ثم بدأت موهبتها بعد ذلك تتفجر بالكتابة، وكان الموسيقار شوبان أحد عشاقها، لكنه كتب عنها قلقاً وبشكل عصبي إلى أحد أصدقائه: “ماذا سيحدث معها؟ لا أحس بأن الأمور قد تجري على ما يرام”.
كان الشاعر الأمريكي والت ويتمان يعتبر روايتها (كونسيلو) كتاب المخدة. وقد ذكرتها الشاعرة اليزابيث براوننج في قصيدتين من شعرها. أما الروائي الروسيّ دستويفسكي فقد ترجم إحدى رواياتها إلى الروسية. كما ذكرتها المبدعة الإنجليزية فرجينيا وولف في كتابها الشهير (غرفة للمرء وحده)، على أنها كانت (ضحية للصراع الداخلي كما تبين كتاباتها، فقد كانت تتخفى خلف اسم رجل، حتى لا ينكشف أمرها، وتظل تبدع بحرية وطلاقة).
كانت صاند تسهر طيلة الليل في غرفة تتكدس بها الأعشاب والفراشات والأحجار حتى أنها لا تجد مكاناً للفِراش، مجرد شبكة متأرجحة تنام عليها، وكانت تدمن رشف الماء المحلّى بالسُكّر والكتابة، الكتابة، الكتابة دائما (بعد خمس سنوات من نشر كتابها الأول، صدرت طبعة مجمعة لأعمالها بلغت أربعة وعشرين مجلداً). وحين بلغت صاند عمر الخمسين قيل إنها تعمل ضمن جميع الظروف لتكتب وتكتب. وظلت تكتب حتى توفيت في عمر الواحد والسبعين.
وقد نرى أنها كانت ابنة الثورة الفرنسية، تتمثل في كتاباتها كلّ ما كان في الثورة من تحرر وانطلاق، وتشوّف نحو مستقبل باهر مأمول، كما كانت تكتب بأسلوب السهل الممتنع، وكأنها (تغرف من بحر) كما قيل عنها. فقد أتمت رواية، مثلاً، في أربعة أيام، وهي عموماً كانت تبسط يدها في الكتابة دون مجاز يُذكر ودون تركيبات لغوية معقدة.
وقد تختلف صاند قليلاً عن تلك الصورة الساخرة، لكنها بالتأكيد تقدم منظراً لحياتها بشكل واضح. فعندما قابلت الشاعر الفرنسيّ ألفريد دو موسيه لأول مرة، وكانت لها معه شؤون عاطفية حميمة، كانت مثلاً تتقلد خنجراً ذهبياً. ثم توسعت حياتها الغرامية حين انضمت إلى مجموعة أخرى، منها الفنان ديلاكروا، والفيلسوف رينان، والروائي جوستاف فلوبير، والموسيقار شوبان، وسعدوا جميعاً بتلقي مراحل جنونها. حتى زوجها الذي نال وسام الشرف لشجاعته قد تحمل منها الكثير، حتى هجرته.
وكان أبوها ضابطاً كبيراً في الجيش النابوليوني الإمبراطوري، لكنه توفي حين بلغت الرابعة من عمرها، فعهدت بها أمها في إهمال إلى جدّتها، لكن جدّتها قامت على تعليمها وتثقيفها بشكل راق، فمكنتها من أن تعيش حياة مستقلة تستمتع فيها بالحياة، وظهر ذلك كله في كتابها الشهير (قصة حياتي)، لكنها مع ذلك ربت فيها خوفاً انفعالياً من الأم التي كانت تشتاق إليها دائماً.

وهي شابة، وكانت تعيش مع جدّتها، وبّختها مرة بعنف لارتدائها طوال فترة زواجها الملابس التي كانت تتشبه فيها بالرجال، لكنها كانت ترى في ذلك نمطاً من التميز، حتى نالت به الاعتراف الأدبي بما كانت تبدعه. وكانت صاند تجوب الشوارع دون أن تتحول إلى عاهرة، كما اتهموها ذات مرة، فقد كانت تذهب الى المسارح وصالونات الأدب التي كانت وِقفاً على الرجال فحسب، واستطاعت دائماً أن تراقب وتتأمل وتفكر ثم تبدع إلى آخر المدى.
لذلك اختارت صاند اسماً رجالياً يمثل شخصية تختلف عن طبيعة جنسها، وقد لعبت هذا الدور بشجاعة، على غير شبيه بنساء أخريات ادّعين المساواة، لكنهن ظللن تحت الرعاية المغرية للرجال. وكانت ترتدي البنطلون طيلة علاقاتها الغرامية في حياتها، حتى عندما صارت أكبر سناً وأكثر ثراء، وراحت تعمل في ذلك الوقت كثيراً على كتبها. دعاها أصدقاؤها بلقب “الجنتلمان”، وكانوا يأتون إلى منزلها ويعيشون في كنفها فتعولهم أو تلعب معهم أحياناً دور الأم.
أحبت الموسيقار شوبان سنيناً طويلة، مع أنها كانت أكبر منه بسنوات، لكنها وصلت معه إلى مرحلة فاصلة ذات يومٍ، حلّ فيها الكره محلّ الغرام، وحين مات رفضت أن تذهب إلى جنازته، والسبب (كما قيل) أنه حاول الوصال مع ابنتها، وسط سنين غرامه بها، حيث انتفض حبها مهاناً وراحت في بؤس شديد تنعي نفسها أن وهبته كلّ هذا الغرام من حشاياها.
أجهش اثنان من أكبر الكتاب المعاصرين لها (بلزاك وفلوبير) في البكاء المر وهما يسيران خلف جنازتها، وكتبا عنها معتبرين أنها كاتبة موازية لهما. ومن أشهر رواياتها: إنديانا، ورامة الشيطان. وكانت في البداية روائية رومانسية، لكنها تحولت بعد ذلك إلى كاتبة تهتم بالإصلاح الاجتماعي. وقد ظلت صاند عموماً صورة مشرقة جريئة، مفعمة بهواء حار، وهي الآن منارة كبيرة في تاريخ الأدب الفرنسي.

الكاتبة الفرنسية جورج صاند-موقع السيدة
الكاتبة الفرنسية جورج صاند-موقع السيدة

من أقوال جورج صاند:
ـــ تمنيت أن أفر إلى بلد لا أرى فيه بزة عسكرية، ولا يُسمع فيه دويّ الطبول، ولا يتحدث فيه أحد عن المجازر والحروب، ولا يُجبر على أن يكون مواطناً بشكل مستذل، لكن الأرض بأسرها تضيق الآن بالحكماء.
ــــ السعادة الوحيدة في الحياة، هي أن تحبّ وأن تُحب.
ــــ تعلّم كيف تعطي من دون تردد، وتخسر من دون ندم، وتكسب من دون معنى.
ــــ العمل ليس عقاباً للإنسان، بل مكافأة لكيانه وقوته ولذته.

من قصائد جورج صاند:
عِش، تنفّس، وآمِن،
لن ينساك أحد،
ولستَ وحيداً.
.
لقد تقوّض عالمكَ،
مَن أحببتَ قد راحوا،
لكن الأمل لا يموتُ.
.
أعرفُ أن الأمرَ قاسٍ،
سأشارككَ عذابكَ،
وأحزنُ على هجرانكَ.
.
حياتكَ هي مكسبكَ،
والله غيرُ مفتَقَدٍ،
وروحكَ ستبقى.
.
اعمل على أولوياتكَ،
وتذكّر أنه اختبارٌ
لإيمانكَ.
.
ومن جديدٍ،
أنتَ لستَ وحيداً،
فكن قوياً، شجاعاً.
.
اصرخْ إن أردتَ،
وسأنصتُ إليكَ،
ومعاً سوف نصلّي.
.
سنتغلّب على الأمر،
فأنتَ تملكني، وكلانا لديهِ الله.
أنتَ محبوبي.
.
فخُذ بيدي،
وتلمّس قلبي،
ستظلّ حياً. ستزدهر من جديدٍ.

من رسائل جورج صاند:
الحبّ، على ما يبدو، مع أنه شيء آخر، نقترح أنه نوعٌ من العلاج، قد لا يفيد في شيء، لكنه يستقتل لكي نعيش أفضل. إنها لفكرة مجردة أن الحبّ الذي تصفه لا يبدو بالنسبة لي شيئاً يمكن بلوغه، وسأبلغ أقصى طاقتي قد لا أبلغه. لا، لا، ليس هذا النوع من الحبّ ولا ذلك الآخر الذي يدوم من رقته، بل هو ذلك الأعمى، العنيف، الحبّ العاطفيّ. هل تظنّ أنه باستطاعتي أن أستلهمه؟ كلا النوعين من الحبّ بديعٌ ومقدّر، لكني قد كبرتُ للأسف على بلوغ أيّ منهما.
إننا ننشُد السعادة بين مجتمع الشعراء، وقد عزمتُ أن أدعوكَ لتأتي وتراني، لكن الباريسيين غير مستعدين للاعتراف بي في ملبسي هذا، الذي لا يلائم جنسي، مع ذلك سأظلّ هذه السيدة التي تظهر في المسارح والندوات العامة بهذا النمط من الملابس، بشعري الأشقر المنسدل بأمواجه الهادرة على ياقة قميصي الأبيض، تحت معطفي الأزرق المخمليّ، وهي الطريقة المألوفة لنساء الطبقة البورجوازية.
.
غادر حبيبي دو موسيه إلى باريس من دون أن يراني، وسأظلّ هنا أشهراً عدة وراءه، ثمة أسباب تفسر انفصالنا، كلّ يوم يمرّ كان في منتهى الصعوبة، وكان يستحيل أن أسافر معه دون أن ينتكس الحال بيننا، كان صدره فسيحاً ورقيقاً، لكنه يفرط في كلّ شي، أعصابه لا تُطاق، ولا تمتد مناقشاتنا من دون أن تصل إلى المضايقات وخطر الوحدة، ولم يكن من المريح بالنسبة لي أن أتحمل ذلك كله بمفردي، لكنه لا يملّ من أن يظلّ هكذا من دون أن يؤذي مشاعري، ويصعب أن تظلّ أعصابك على الحدّ الفاصل بين عاشقين، لا شكّ أني قد خُدعتُ فيكَ، لكن حاول أن لا تخدعني، ماذا لو عدتَ تقول لي كما كنت تقول في السابق: يا لها من ليلة حميمة، حين نضمّ أيدينا إلى بعضها البعض، ونؤكد على حبّ بعضنا الآخر، وأنك أنقذتني روحاً وجسداً.

بقلم وترجمة: محمد عيد إبراهيم

المصدر: مجلة سيدة سوريا