”في الزمن وخارجه“.. فن صناعة الخيال لدى الشاعرة التونسية لمياء المقدّم

5

تراهن الشاعرة التونسية لمياء المقدّم، في شِعرها على المدى البعيد لخيالها، وقدرتها على إحداث صوت طرق للكلمات على الذهن المتلقي، وهو الصوت الذي يدوم أثره من شدة الدوي، وتلك الامتزاجية مع الجمال.

كما تركز على السياق الأنيق الذي تهتز فيه لغتها، وشيء ما في شعرها يذكّرك بنبضات قلبك، ذلك النسق الذي يعيدك إلى فكرة الحياة.

ويقول عبد القادر الجرجاني في ذلك:“فلا جمال إذن في اللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوارى في النطق، وإنما يقوم ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب“.

حالة شعورية ”سوبر“

لعلها ميزة، ولعلها غير ذلك، تلك الحالة من السفر في الخيال بفعل ما بعد الحداثة الشعرية، وقد تفككت كل القيود أمام الشعراء، من وزن وقافية، وتراكيب، تلزمها موسيقى النقرات على التفعيلة في العقل، وفي حين أصبح للشاعر أن يلاحق خياله كيفما أراد، وإلى أين أراد، دون العودة إلى حدود الوعي، مستمرًا في انجراره إلى حالة شعورية سوبر، لا تحققها قيود الكلاسيكية.

ما لا نحياه

تتناول لمياء المقدّم في مجموعتها موضوعات مفاهيمية، مثل: الحزن، والخذلان، والحب، والفقد، واللا تجسيد، والموت، وهذه الحجارة الثقيلة في قلب الإنسان، نجحت الشاعرة بصقلها بشكل يبرهن على هوية الحداثة الشعرية بما تلتقطه من تفاصيل يومية يواقعها الجميع، لكن لا يلتفت لها إلا الحس المعمق، وهذه الغيرية المأمولة من الشعر. ولشاعرتنا تظهر منابع أخرى تتحسس بها السعادة، وتغوص في المعنى الباطني للحياة، حين تقول: ”الضحكة أجمعها من تحت أقدامه“. إنها الخطى التي توصل إلى كل ما لا نحياه لو كنا فرادى، وتسرق من الوعي الكلّي، وعيًا دالّا على الاستسلام لفعل حركي يتمتع به الجميع، لكن لا يلحظه إلا الشعر.

تكعيب

ويكمن المعنى الأصلي الخذلان مرتقيًا عن السطحية، ومتغلغلًا في الحسية، حين تصفه الشاعرة بالقول:“ربما وجدنا أخيرًا من تركونا في منتصف الأشياء، فاعتذروا، وفتحوا لنا كوّة لنرى الآلة التي تصنع الشر داخلهم، وسمعنا طقطقة محركها“، وهنا تتمتع الشاعرة بالقدرة على تكعيب المعنى، وتضع له حيزًا ملموسًا في فراغ شاسع تتطاير فيه الحواس الإنسانية.

خزّان المعرفة

وعن الخذلان، فإن عراكها مع النتوءات التي تبرزها الأفكار المتشظية في فلكها، تقدّم وصفًا لامسًا، حين تقول:“لعشرين عامًا، وأنا أبكي بجانب جثتي“ وهل تكون تلك الألفة مع السواد، لغير المخذول من واقعية، لطالما تعلّقت على قوامها القصائد، وكافة سمات الفن.

وقد عبرت عن الخذلان في قصيدتها ”لم نرَ الغار أبدًا“ بتوصيفات يحفها التلميح، وتقسيمات تواكبها، كأن عازف آلة العود يشكل بكلماتها موسيقى من صُلب المعنى.

أما في قصيدة“ أتذكر وأنسى وأحبك وأبكي“ فهي تخرج من الزمن الذي هو العصب الحي في تكوين ذاكرة الأحداث، وهو خزّان المعرفة التراكمية لماهية الوجود، حيث تقول:“وأنا أدخل وأخرج في الأزمنة، وأدخل وأخرج في اللغة“.

إنه التحريك الإحداثي لنقاط جسدتها بقدرتها التعبيرية، وأسلوبها المتجرئ على الخيال، يجعلها الزمن لغة، وتضمه الكلمات لتجعله كثيفًا كلوحة فنان تشكيلي، وتفرده كأنه ورقة مكرمشة فيها قمم وقيعان الذاكرة المتعرجة.

كما تجعل من اللغة زمنًا بتصنيع القصيدة، مشرّحة بذلك حسّها، وتلك الخصوصية التي لا لأحد الميّزة في ارتكابها دون لوم غير الشاعر، وتلك الفضيحة التي يُصفق له عليها.

توسع وتكثيف

وما بين التوسع والتكثيف، تتنقل الشاعرة حاملة حبل اللغة، ومستفيدة من طزاجة تذوقها للهوامش، فتكثيفًا تسير الشاعرة التونسية في قصيدتها ”لم أجرِ كالنهر“ على الشوك، وتنزف الجمال الشعري، بقولها: ”خُلق التراب رخوًا من أجل الحفرة، وخلقت الأقدام عمياء من أجل الانزلاق“.

وهنا تمنح السببية وجهة أخرى، من خلال إعادة تخليق المعنى، بنسقها الخاص، وهو أعلى مراتب الفكر الإنساني، أن ترينا الأشياء كما لم نشاهدها من قبل، وتنقش الشاعرة على الحائط الرخو في العقل دلالة العابر، حين تقول:“زحفت على قلبي، إنه مصير من وجد ليخطئ “ تلك التأملية هي هيبة الشعر في السيطرة على المارين في محرابه، وتوسعيًا وهو أمر غير محبب في الشعر، فقد آثرت الشاعرة في المقدمات لفكرتها بذكرها توصيفيًا ملامح المشهد، مثل :“سأحدثكم عن الغدر هذا المساء“ و“ من بيده لقمة فليضعها، ومن أمامه نافذة فليغلقها“ فلا شاعرية في هذه التحضيرات، والأوامر.

مكان قصي

إن النجاح المنوط بالشعر، يتعلق بالكم في التداخل مع الحدث، وكذلك القدرة على جمع الدلالة المهدرة.

وقد أعطت الشاعرة التونسية لكلماتها شحنة من الجمال غير قابلة للنفاد بما امتلكته من صنعة، ومن الواضح المكان القصي الذي جاءت منه، بفضل معرفة بذاتها، والذي يقول عنه ريلكة:“فإن كلَّ ما نتطلع إليه ونحاول أن نبدعه، إنما ينبثق من ذلك المكان القصيّ في داخل ذواتنا، المكان الذي لا يمكننا أن نتقاسمه مع أي كان، والذي يحملنا بعيدًا بعيدًا عن صخب العالم وضجيجه“.

المصدر: ارم نيوز