”صيف مع العدو“.. تعيد ألق الروايات الملحمية

106

تحتفي رواية ”صيف مع العدو“ للكاتبة السورية شهلا العجيلي، بسطوة السنين وتقادم العمر على الفرد الباحث عن مساحة أمانه في وسط اجتماعي واقتصادي وسياسي يعج بأزماته.

ورُشِّحت الرواية للقائمة القصيرة لنسخة العام الحالي من الجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر) التي ستُعلن نتائجها في الـ 23 من أبريل/نيسان الجاري، إلى جانب 5 روايات عربية أخرى؛ هي: رواية ”شمس بيضاء باردة“ للكاتبة كفى الزعبي، ورواية ”الوصايا“ للكاتب عادل عصمت، ورواية ”بريد الليل“ للكاتبة هدى بركات، ورواية ”النبيذة“ للكاتبة إنعام كجه جي، ورواية ”بأي ذنب رحلت؟“ للكاتب محمد عزوز.

وجرى اختيار روايات القائمة القصيرة الست من بين قائمة طويلة مكونة من 16 رواية صادرة باللغة العربية بين يونيو/حزيران 2017، ويوليو/تموز 2018. ويحصل كل كاتب وصل إلى القائمة القصيرة على 10 آلاف دولار.

وترسم رواية ”صيف مع العدو“ مشاهد من حياة مدينة الرقة السورية، على مدى عشرات الأعوام، لتجسد سيرة مدينة، ولكنها أيضًا سيرة أفراد يدفعهم سوء الواقع إلى الهجرة إلى أماكن بعيدة ليواجهوا عادات ولغات مختلفة؛ ما يخلق في داخلهم فجوة حضارية تدفع ببعضهم إلى مأساة فقدان الهوية، بأسلوب سردي يمثل تجربة عربية تعيد الألق للرواية الملحمية.

وتعتمد الرواية نمط البطولة الجماعية، الأسلوب الذي بات كثير من كتاب الحداثة يميلون إليه، لتمتد أحداث الرواية على ثلاثة أجيال؛ تبدأ بكرمة، السيدة الريفية، لنمر بتجربة حياة ابنيها نجيب ونجوى، ونختم جولتنا بالاطلاع على تفاصيل حياة لميس ابنة نجوى.

وتبدأ الرواية بيوم طبيعي محمَّل بالهواء الرطب ورائحة معدنية لسفن شحن نهرية وسمك مشوي، تصل من خلف ستائر بيضاء في شقة في شارع النهر في مدينة كولونيا الألمانية، إذ يظهر الجسدان النائمان للميس المرأة التي وصلت إلى ألمانيا لتكمل دراستها في التاريخ هربًا من الحرب السورية، وعبود ابن الجيران، الشيف الشهير، الذي يسكن تلك الشقة منذ مغادرته براغ حيث درس، ومع هاتين الشخصيتين ننتقل إلى مدن وحواضر عدة، ونطلع على تواريخ موغلة في القدم.

وتأخذنا الرواية إلى أماكن متنوعة في سوريا، لتكون مدينة الرقة وضفاف الفرات محور انطلاق الأحداث، في انحياز يميز الأدباء والكتاب والمبدعين الفراتيين لمنطقتهم وما تجسده من بساطة. وتتطرق الرواية لأحداث تاريخية مفصلية؛ منها الحرب العثمانية الروسية، وتجول بنا في مدن ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها إلى حواضر بلاد الشام ووادي النيل.

وتظهر دلالات المكان في مختلف تفاصيل الرواية، متجاوزًا دوره التقليدي في تأطير العمل، وظهوره كمسرحٍ للأحداث، ليحمل دلالات كثيرة، عبر تنفُّسه وانتقاله داخل الشخوص.

ويُعد المكان من العناصر المهمة والأساسية في الخطاب السردي، والقيمة الوظيفية للمكان، كما يرى الكاتب محمد حسانين، في كتابه ”استعادة المكان“ تظهر على مستوى بنية السرد أو على المستوى المضموني والرمزي إذ ”لا تقتصر على الإشارة إلى المواضع أو المواقع التي تدور فيها الأحداث، بل تلعب دورًا كبيرًا في إنتاج الدلالة وفي الربط بين عناصر القصة“.

وبالعودة لأحداث الرواية؛ تستقر الحفيدة لميس في مدينة كولونيا في ألمانيا، لتعيش الغربة بعيدًا عن العائلة، ولكنها بالمقابل تلتقي بصديق طفولتها عبود؛ تقول العجيلي على لسان لميس: ”كلما سافر يأتي لي بالسردين المخلل، فنلف السمكة الصغيرة بخبزة، ونضع معها كبيس الفلفل، ونجلس على رصيف من الأرصفة لنستمتع بمذاقها الحارق الذي يخرج من الأنف. ضحكت كارمن وقالت: قد تنسى المرأة رجلًا أطعمها العسل، لكنها ستتذكر دائمًا ذلك الذي علمها أكل السردين المخلل! قامت لتنام، وعدنا أنا وعبود بحكاياتنا إلى الرقة، ورحت بين ضحك وبكاء، فكان يأخذني بين ذراعيه ويهدهدني. يمسح دمعاتي ويشبك كفيَّ بكفَّيه الصافيتين، ويقبِّل مرارًا أصابعي واحدًا واحدًا، ويمسِّد شعري بحنوٍّ كأنني رضيعة. منحني العزاء بأمي، وأنساني ما ارتكبناه بحق جدتي. لقد كان عبود الكائن البشري الوحيد الذي أسكن روحي الجنة“.

وفي مستقرها الجديد يتنوع سرد لميس للأحداث ما بين واقعها الأوربي، وأحداث ماضيها في الشرق وحنينها لطفولتها المبكرة، ليمتزج الواقع بالأخيلة بالموروث الجمعي المتجسد بحكايا الجدات؛ تقول العجيلي على لسان بطلة الرواية ”أحب حكايات جدتي عن القدس وبيت لحم! وتنثال الحكايات التي تجعل للرواية أفقًا في السماء، وأسأل جدتي: لماذا يعيش الناس مع بعضهم وهم لا يحبون بعضهم؟ تقول: هناك ما هو أبقى من الحب! وترد أمي: ليس هناك ما هو أبقى من الحب“.

وتغوص العجيلي في التفاصيل مركزة على التجارب النسائية مصورة تفاصيل حياتهن بواقعية، لتصف مأكلهن ومشربهن وطريقتهن في الكلام وأزياءهن وطرق تصديهن لمصاعب الحياة وآليات خلق فرص للانشراح والفرح؛ تقول: ”لقد أحببتها كثيرًا بعد هذا الحديث الطويل! أخذتني إلى بلاد وعرَّفتني إلى عباد، وعلمتني أن هناك بشرًا يمكنهم، من أجل الحفاظ على ذواتهم، أن يهربوا من الجنة، وكنت حتى ذلك الوقت أعرف أن البشر يُطرَدون من الجنان فحسب! مسَّدت شعرها من منابته وعقصته إلى الخلف لتنهي جلستنا الصباحية الفريدة؛ وقالت: في هذا العالم رجال رائعون، لكننا لا يمكن أن نحظى بهم جميعًا في حياتنا، مثلما لا نستطيع أن نحصل على وجوه النرد كلها في رمية واحدة“.

واتسمت لغة الرواية في فصولها الأربعة، بالتنوع، مع حيوية صبغت معظم أعمال العجيلي، إذ تنتقل من أسلوب لآخر، وفقًا لشخصية المتكلم ومدى ثقافته.

ولا تغفل الرواية الهم السياسي، لتسرد لنا لميس قصة اعتقال خالها وما تعرض له جراء مواقفه السياسية، فتلامس الكاتبة حافة الأحداث السياسية دون طرح رأي واضح حيالها، ليبقى التركيز على الخلفيات النفسية للأبطال ووقع الظروف السياسية عليهم.

عن الكاتبة
شهلا العجيلي، تبلغ من العمر 43 عامًا، وتحمل شهادة دكتوراه بدرجة الشرف في الأدب العربي الحديث؛ الدراسات الثقافية من جامعة حلب السورية، أستاذة نظرية الأدب، والأدب العربي الحديث، في جامعة حلب. عملت مسؤولًا إعلاميًا في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في العالم العربي.

لها مجموعة من المُؤلَّفات؛ منها كتاب ”مرآة الغريبة؛ مقالات في نقد الثقافة“ عام 2009، ورواية ”عين الهر“ عام 2006، والمجموعة القصصية ”المشربية“ عام 2005، ورواية ”سجاد عجمي“ عام 2010، وكتاب ”الرواية السورية؛ التجربة والمقولات النظرية“ فضلًا عن أربعة كتب مشتركة عن الهوية والسرديات. ولها دراسات وأبحاث عدة في مجلات عالمية محكّمة.

وروايتها الأخيرة ”صيف مع العدو“ من إصدارات منشورات ضفاف في بيروت، ودار مجاز في عمان، ودار الاختلاف في الجزائر، وتقع في 330 صفحة من القطع المتوسط.

المصدر: ارم نيوز