العرق والصيف… نصائح للحفاظ على سلامة الجسم

13

الرياض: د. عبير مبارك
يحقق الجسم تبريد درجة حرارته بوسيلة إفراز العرق؛ وذلك حفاظاً عليها ضمن النطاق الطبيعي كي يتمكن الجسم من الحياة، وتتمكن أجهزته وأعضاؤه من العمل بكفاءة. ويعتمد نجاح وفاعلية هذه الوسيلة العالية الأهمية على توفر عوامل داخلية في الجسم وعوامل خارجية في البيئة المحيطة به.

عوامل تبريد الجسم

ومن أهم العوامل الداخلية: توفر العدد الكافي من الغدد العرقية، وانتشار توزيعها بدقة في مناطق الجلد الأكثر عُرضة للبيئة المحيطة للجسم، وكفاءة عمل الجهاز العصبي المسيطر على ضمان إتمام عمليات إفراز العرق ومراقبة تغيرات حرارة الجسم، وتوافر السوائل فيه بشكل كافٍ. ومن أهم العوامل الخارجية درجة الرطوبة Humidity في الهواء المحيط بالجسم وتدفق الهواء من حوله؛ ذلك أن ارتفاع رطوبة الأجواء يُقلل من فرص تبخر العرق عن الجلد.

وفي فصل الصيف، ومع ارتفاع حرارة الأجواء، وسهولة حصول اضطرابات سريعة في حرارة الجسم عند القيام بأي مجهود بدني أو الوجود في أجواء عالية الحرارة خارج المنزل، تحصل زيادة في إفراز العرق، وقد يُرافق ذلك ملاحظة المرء تغيرات في رائحة جسمه.

وضمن عمليات المحافظة على استقرار «الاتزان الداخلي» Homeostasis للبيئة الداخلية في الجسم، تتم مراقبة درجة حرارته، التي هي عُرضة للارتفاع أو الانخفاض بفعل عوامل بيئية خارجية وعوامل أخرى داخل الجسم. وتصل المعلومات العصبية من «مستقبلات الحرارة» Thermoreceptors المنتشرة في الجلد واللسان وقرنية العين والمثانة، إلى «تيرموستات» مراقبة حرارة الجسم في قاع الدماغ، الذي بدوره يتعامل مع متطلبات أي تغيرات في حرارة الجسم عبر آليات عدة لإعادة ضبط حرارة الجسم Thermoregulation. ومن أهم تلك الآليات للتعامل مع ارتفاع حرارة الجسم، الذي هو من أقوى المهددات لسلامة حياة الجسم، تنشيط عمليات إفراز العرق عبر الغدد العرقية المنتشرة على الجلد.

وتؤدي عملية التعرق إلى انخفاض في درجة حرارة الجسم من خلال إنشاء «عملية التبريد التبخيري» Evaporative Cooling على سطح الجلد. ذلك أن تبخر الماء عن سطح الجلد يتطلب امتصاص حرارة من الجسم؛ ما يُؤدي إلى انخفاض حرارة الجلد وحرارة الدم في الأوعية الدموية بالجلد، وهذا الدم البارد يعود إلى القلب كي يتم ضخه إلى أرجاء الجسم كي يُسهم في خفض درجة حرارته. وصحيح أن ارتفاع حرارة الجسم ليس هو المحفز الوحيد لتنشيط عمليات إفراز العرق، بل هناك أيضاً الانفعال النفسي العاطفي، إلا أن تعرق التوتر والضغط النفسي يقتصر في الغالب على راحة اليدين والقدمين والإبطين والجبين.

غدد عرقية

ولدى الإنسان البالغ ما بين نحو 2 و4 ملايين غدة عرقية تتوزع في مناطق الجلد المختلفة للجسم، بنسبة تقريبية 700 غدة عرقية في 1 سنتيمتر مربع من الجلد. وثمة ثلاثة أنواع من الغدد العرقية، نوعان منها في الجلد لإفراز العرق، ونوع متحور في قناة الأذن الخارجية لإفراز شمع الأذن. والنوعان في طبقة بشرة الجلد هما: الغدد العرقية المفترزة Apocrine Sweat Glands، والغدد العرقية الفارزة Eccrine Sweat Glands، وهما مختلفتان في كل من: وقت بدء نشاطهما، وتوزيعهما، وعملهما، ومكان خروج سائل العرق منهما.

> الغدد العرقية الفارزة تتوزع على جميع مناطق الجلد وتتركز بشكل أكبر في راحة اليدين وباطن القدمين، وتتكون في الجلد من عمر أربعة أشهر للجنين وهو في رحم أمه، وتفتح مباشرة على سطح الجلد ليخرج العرق مباشرة عليه.

> الغدد العرقية المفترزة أكبر حجماً، وتتركز في مناطق الإبطين والأعضاء التناسلية والجلد حول فتحة الشرج وجلد منطقة السرة وفروة الرأس وأطراف الجفون وحلمة الثدي، وتبدأ في العمل مع بلوغ مرحلة المراهقة من العمر، وتفتح على بصيلة الشعر ليخرج عرقها مع ساق الشعرة.

ومهمة الغدد العرقية الفارزة إنتاج العرق لا رائحة له من أجل تبريد الجسم أو تحت ضغط التوتر النفسي. ويشكل الماء نسبة تفوق 99 في المائة من سائل عرق هذه الغدد، والبقية عدد من الأملاح، وتستطيع هذه الغدد العرقية إفراز نحو 700 مليلتر من سائل العرق باليوم، ولها القدرة للوصول إلى إفراز 3 لترات من العرق تحت ظروف الحرارة الشديدة.

كما تجدر ملاحظة أن زيادة وزن الجسم ترفع من كمية العرق؛ لأن كتلة الجسم اللازم تبريدها تكون أكبر. وكذلك ثمة تأثير للحرص على ممارسة الرياضة البدنية وزيادة لياقة الجسم في خفض كمية العرق؛ لأن نمو لياقة الجسم ترفع من قدرات الجسم على التكييف في ضبط حرارة الجسم قبل الاضطرار إلى إفراز مزيد من العرق لتبريده.

وبالمقابل، تبدأ الغدد العرقية المفترزة بالعمل تحت تأثير التغيرات في الهرمونية الجنسية أثناء فترة البلوغ، وتفرز عرقاً محتوياً على بروتينات ودهون، إضافة إلى الماء والأملاح. ولأن نشاط إفراز هذه الغدد العرقية يتأثر بمستوى هرمون الأدرينالين، فإن إفرازها للعرق يزيد مع التوتر النفسي والإحساس بالألم والانفعال العاطفي الجسدي. ويظل عرق هذه النوعية من الغدد العرقية لا رائحة لها عند إفرازه، لكن حينما تقتات البكتيريا الجلدية على هذه البروتينات والدهون، تنتج مركبات كيميائية عدة ذات رائحة. ولذا؛ فإن عدم الحرص على تنظيف الإبطين، لإزالة البكتيريا، من أقوى أسباب ظهور رائحة العرق حال تبخره.

فرط زيادة التعرق

حالة «فرط زيادة التعرق» Hyperhidrosis يحصل فيها زيادة مفرطة في إفراز العرق، ويتم تعريفها طبياً بأنها حالة التعرق المفرط حتى عندما لا يحتاج الجسم إلى التبريد. وهناك نوعان من حالة «فرط زيادة التعرق»، النوع الأول يُسمى «فرط التعرق الأساسي» Primary Hyperhidrosis، والآخر هو «فرط التعرق المتقدّم» Secondary Hyperhidrosis.

> «فرط التعرق الأساسي»: وهذا النوع لا علاقة له بأي اضطرابات في الجسم أو أي حالة طبية فيه. والسبب الدقيق لفرط زيادة التعرق الأساسي غير معروف. على الرغم من أن التوتر والقلق يمكن أن يتسببا في نوبات التعرق، فإن فرط التعرق الأساسي لا يصنف على أنه حالة نفسية، بل تشير بعض الدراسات الحديثة إلى دور رئيسي للوراثة؛ ولذا تظهر هذه المشكلة لدى عدد من أفراد الأسرة الواحدة.

ويُلاحظ في هذه الحالة أربعة جوانب: أن الشخص يكون بصحة جيدة عموماً، لكنه يُعاني على الأرجح من تعرق شديد منذ الطفولة أو المراهقة. أن التعرق الزائد قد يحدث في منطقة واحدة أو منطقتين فقط من الجسم، مثل راحة اليد أو القدمين أو الإبطين أو الجبهة، بينما يظل باقي الجسم جافاً. أن التعرق الزائد يبدأ عادة عندما يستيقظ الشخص في الصباح، والتعرق خلال الليل غير شائع لديهم. وأن التعرق الزائد قد يحدث مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، لكن في كثير من الأحيان أكثر من هذا.

> «فرط التعرق المتقدّم»: وهو أكثر شيوعاً، وينتج من عدد من الاضطرابات في الجسم، مرضية وغير مرضية. وقد يحدث التعرق على كامل الجسم أو ربما على جانب واحد فقط من الجسم، وعادة ما تبدأ الحالة بعد البلوغ، ويمكن أن تحدث بسبب بعض الأدوية أو المكملات الغذائية أو استهلاك الثوم والكافيين والنيكوتين والتوابل والكاري وغيرها من الأطعمة ذات الرائحة. وهناك عدد من الحالات الطبية التي تتسبب بها، مثل: زيادة الوزن، ومرض السكري، ومرض النقرس، والإصابة بأحد أنواع الأورام، وبلوغ سن اليأس، وفرط نشاط الغدة الدرقية، واضطرابات الغدة النخامية، والالتهابات الميكروبية.

كيف تتعامل مع زيادة التعرّق؟

يفيد الباحثون الطبيون من كليفلاندكلينك، بأن التعامل مع زيادة التعرّق وتغير رائحة الجسم يعتمد على السبب الكامن وراءهما، وهو ما يمكن للطبيب تحديده من خلال الفحص والاختبار البدني. وتشمل النصائح العامة ما يلي:

> حافظ على نظافة البشرة من خلال الاستحمام اليومي، وبخاصة تنظيف منطقة الإبطين والأعضاء التناسلية.

> احرص على غسل الملابس بانتظام وعلى ارتداء ملابس نظيفة.

> قلل من تناول الأطعمة الغنية بالتوابل العطرية والثوم واللحوم الحمراء.

> استخدم مضادات التعرق الموضعية، وهي تعمل عن طريق حجز العرق في الغدد العرقية، وعندما يتلقى الجسم إشارة بأن غدد العرق ممتلئة، فإن إنتاج العرق يتناقص. وتشمل مضادات العرق مجموعة من الأدوية التي يُمكن الحصول عليها من دون وصفة طبية، وكذلك مضادات التعرق التي يتطلب الحصول عليها وصفة طبية.

> حافظ على إزالة شعر الإبطين لتسهيل تبخر العرق بسرعة أكبر وعدم إعطاء البكتيريا وقتاً طويلاً للتفاعل مع مكوناته.

> ارتدِ ملابس مصنوعة من ألياف طبيعية (صوف أو قطن أو حرير) تسمح للجلد بالتنفس، ولتبخر العرق بالنفاذ من خلالها.

> يمكن للحقن الصغيرة من البوتوكس، وهو سم البوتولينوم Botulinum Toxin، في الإبطين أن تمنع لفترة مؤقتة تأثير المواد الكيميائية التي تحفز التعرق.

> يمكن استخدام الأدوية الموصوفة لمنع التعرق، لكن يجب استخدامها بعناية؛ لأن الجسم قد لا تكون لديه القدرة على تبريد نفسه عند الحاجة بوسيلة إفراز العرق.

> يمكن للجراحة إزالة الغدد العرقية من تحت الذراعين أو منع وصول الإشارات العصبية إلى الغدد العرقية عبر عملية جراحة تسمى استئصال العصب الودي Sympathectomy.

فارق كبير بين زيادة التعرّق وتغير رائحة الجسم

ثمة فارق كبير بين زيادة التعرق وبين تغير رائحة الجسم. والرابط بينهما في جانبين، الأول أن سائل العرق قد يحتوي مواد لا رائحة لها، لكن قد تتسبب في تكوين رائحة بعد انتشار العرق على سطح الجلد، والآخر أن زيادة إفراز العرق وزيادة تبخره يُسهم في فواح رائحة الجسم حول الشخص.

وللتوضيح، فإن التعرق Sweating هو إفراز السوائل عن طريق الغدد العرقية على سطح الجلد، وذلك أساساً من أجل الحفاظ على درجة حرارة الجسم ضمن النطاق الطبيعي؛ ذلك أن تبخر العرق عن الجلد ينتج منه تبريد الجسم، وبخاصة عندما ترتفع درجة حرارة الجسم بسبب المجهود البدني أو التواجد في محيط حار. وسائل العرق نفسه لا رائحة له، لكن تظهر رائحة الجسم واضحة مع تبخر سائل العرق الذي امتزج بعدد من المواد الكيميائية التي تتكون على سطح الجلد، والتي هي لها رائحة.

لذا؛ فإن بخار العرق يحمل رائحة تلك المواد الكيميائية. وأهم تلك المواد الكيميائية ذات الرائحة، المركبات الكيميائية التي تنتج من تفتيت البكتيريا الموجودة على سطح الجلد للأحماض الدهنية التي تفرزها الغدد العرقية في مناطق معينة من الجسم، أي منطقة الإبطين والمناطق التناسلية وفتحة الشرج ومنطقة السرة. أي أن نفايات البكتيريا الجلدية هي التي تنتج الرائحة لبخار العرق وسائله المتراكم على الجلد، وليس سائل العرق الذي أفرزه الجسم. وتجدر ملاحظة أن الغدد العرقية في غير تلك المناطق المذكورة، أي كما في الجبين والظهر والساعدين والأفخاذ، لا تفرز الأحماض الدهنية مع سائل العرق؛ ولذا حتى في وجود البكتيريا على سطح جلد هذه المناطق، فإنه لا تظهر رائحة للعرق عليها، لكن قد تتغير رائحة عرق هذه الغدد بفعل أنواع البهارات التي يتناولها المرء أو تناول الثوم، وغيرها من المنتجات الغذائية ذات الرائحة.

وتبدأ ملاحظة رائحة الجسم، التي تفوح بإفراز العرق وتبخره، في الظهور بمجرد وصول الشخص إلى سن البلوغ؛ لأن من ضمن تغيرات الجسم في عمليات البلوغ حصول تطور في نوعية الغدد العرقية المفترزة.

ولأن الرجال بشكل عام يُفرزون كمية أكبر من العرق، مقارنة بالنساء، تبدو لديهم مشكلة تغير رائحة الجسم بشكل أوضح حال عدم الاهتمام بنظافة الجسم.

– استشارية في الباطنية

صحتك. الشرق الأوسط