بترو وأنا

319

تنشر سيدة سوريا أولى الترجمات للكاتبة أولجا توكارتشوك الحاصلة على نوبل 2019

ترجمة الشاعر والناقد محمد عيد ابراهيم

قصة: أولجا توكارتشوك (نوبل 2019)

لأن زوجها البولنديّ، بترو، مات في الجليد خارج منزلهما، تفكّر باراسكيفيا الأوكرانية في حياتهما معاً. تتذكّر الحرب، حينما احتلّ الجيش السوفيتي الحدود الأوكرانية البولندية الشرقية، حيث كانت تعيش مع بترو، وتمّ ترحيل الكثير  من البولنديين إلى سيبريا.

 

كلّ سبعة أعوام عليك أن تكرّر حفل الزفاف (كما تقول العمة مارينكا) فكلّ سبعة أعوام تصبح كائناً مختلفاً. عليك أن تجدّد كلّ نمط من العقود، التعهّدات، اتفاقات الرهان العقارية، البيانات المسجّلة، والهويات الشخصية. كلّ أنماط السجلاّت.

أنا الآن في مرحلة تطوري الذاتي الحادية عشرة. وبترو في الثالثة عشرة.

في أحلامي يتضاعف بترو مرتين وثلاثاً، في هذه اللحظة شابٌ، وفي التالية عجوز. في لحظة يصرخ فيّ، في التالية يحضنني. في حلم اليوم يشرب شاياً ساخناً، من فنجانه الصينيّ القبيح. الشاي يغلي ساخناً، وتستقرّ قطرات البخار على حاجبَيه. ثم تتجمّد وتستحيل رقائق مدلاة، فلا يستطيع فتح عينيه. يأتيني كالأعمى طالباً مني أن أنزعها عنه. في عجزٍ، أنظر حولي في المطبخ بحثاً عن أدوات خاصة. يقول وهو يشير إلى الدرج “نازعُ الثلج” أو شيءٌ من هذا القبيل. يعني هذا أن ثمة أداة لنزع الثلج عن عينيك، وأن لديه واحدة. وهو مستعدّ لأي شيء.

هنالك فارق آخر بين بترو وبيني، ويرضيني أن ألاحظ ذلك ذهنياً. تبحث في البداية عن المتشابهات أكثر من المختلفات. تقضي معظم الأيام وأنت تسأل بكلّ نمط من الأسئلة، ثم تكتشف “أنا، أيضاً”، “هو بالضبط الشيء نفسه عندي”. لكن النهاية تختلف. فالمتشابهات مجرد ضلال بريء.

لم يكن يعرف كيف يمرح؛ ربما بسبب أنه يبدو عجوزاً عني، مع أني حين قابلته أول مرة لم يكن يتجاوز الخامسة والثلاثين. حتى أثناء الرقص في حفل زفافه، كان كمن يؤدي واجباً. نعم، لقد وهبه الرقص لذةً، لأنه قصد ذلك. لكنها كانت آليةً. وأياً ما كان يفعل، يفعله هكذا ولا شيء آخر. وهو يطلي السور، كان يطلي السور. وهو يصحّح الاختبارات، كان يصحّح الاختبارات. حين يعرج، يكون أعرج كلياً بحيث لا ينتاب أحداً مطلقاً شكٌ في ذلك. حين يصمت، يبدو كشخص أبكم. شيءٌ كوميديٌّ أن تصبح في مكان واحد طيلة الوقت، وفي زمان واحد خلال معظم الأماكن، أن تظلّ مرتبطاً بنفسك مثل كلب شريد، لا تتحرك مليميتراً واحداً حيثما ترقد، ولا تظلّ ناظراً إلى الخارج.

أنا على النقيض؛ فلا أظلّ في بقعةٍ ثابتة، ولا يلحقني أحد. أنا دائماً أبعث المرح. فأنا ألعب بكنس القمامة، وتقشير البطاطس ـــــــ أدّعي أن هذا كله لعبة. إنني الآن ألعبُ لعبةً حيث يموت بترو وهو راقد متجمّداً في الشرفة، أنتظر أوقاتاً أفضل. لا آخذ شيئاً على محمل الجدّ. إني أمرح الآن وأنا أدوسُ على الرسائل في الثلج.

اعتادت العمة مارينكا قول ذلك كلّ يوم، بعد الغروب بالضبط، يصبح العالم كله أزرق سماوياً طيلة ثلاث دقائق في النهاية. ليتك تفكّر في أمنية بمجرد أن يصبح العالم أزرق سماوياً، فسوف تتحقّق. أراه الآن صواباً من النافذة ــــــ العالم أزرق سماويّ. وأرتاح أني لا أجد أية أمنية.

المرة الأولى التي ظهر فيها الروس كانت ليلاً، وهم يتخفّون وراء صوت شاحناتهم الرتيب. أما بترو فكان يئنّ في سيارته ملتصقاً بالمذياع.

كانت الأيام الأولى القلائل محفوفة بالهمس. لا يفعل الناس شيئاً غير الهمس. تتصاعد الهمسات عبر القرية، وهي تنحدر كالدخان من المدخنة، خفيضة عبر حقول القمح. ثم يسكنُ كلّ شيء. كان المذياع هو أول ما يأخذونه. وعليك أن تجلس في البيت وتتنظر. بدأوا إعداد القوائم، يسجّلون أشياء وينظّمونها. وهم يسوقون نهاراً عربات الجيش التي تبعث سُحباً من غبار سبتمبر الأصفر.

فقد بترو وظيفته. قد تسمعهم ليلاً وهم يُحدثون ضجّةً في المدرسة، حيث قاموا بتعيين مندوبيهم ــــــ يواصلون إطلاق النار على الحوائط، يحرقون صور نيوتن وكوبرنيكوس.

يتضح الآن أنهم رحلوا إلى بلاد البولنديين. اكتشفتُ ذلك من ميرون. لكنها شرحت ذلك فعلياً بقول شيء آخر. وضعته هكذا: “سأخدمك على الوجه الصحيح. فقد تزوّجتِ رجلاً عجوزاً، وعليك الآن أن تخرجي لتنضمي معه إلى الدببة القطبية”. ولربما كانت العمة مارينكا التي جلبت لنا الأنباء. وما قالته فعلياً في ذلك الوقت هو: “افعلي شيئاً. لو تحرّكت من هنا فستنجوَا معاً”. وعلى هذا الوضع، وبينما كان بترو في الخارج، قمتُ بنزع الأيقونة من الحائط لأعلق محلها وجه ستالين وقد قصصته من جريدة.

عيّنوا علينا زوجاً من المدنيين الروس. كانا طبيبين. من وقتها فصاعداً رحنا نتشارك المطبخ، وهو ما لم يتحمّله بترو. كان يُمضي في النهاية أياماً وهو جالس على السرير بغرفتنا، ولا يخرج إلا حينما يترك هذان الاثنان المطبخ ــــــ ليتفادى رؤيتهما. لكنهما في الحقيقة كانا لطيفين. لم يفهم أحدنا الآخر جيداً، لكن كم كلمةً تحتاج إليها لتتواصل؟ كانت صغيرةً وجميلة، بوجهٍ عريض وشفتين ممتلئتين، مثل ابن عُرس صغير. ذات يوم، وكنا نتكلّم عن الفساتين، يتحسّس كلٌ منا قماش جونلة الآخر ويتلمّس كلٌ زاويةَ كتفِ بلوزة الآخر، اكتشفتُ أن هذه الفتاة، ليوبا، لا ترتدي أيّ ألبسة داخلية. فأثناء الحرب، كانوا ينتجون الكثير من المدافع وراجمات الصواريخ، لكن لا ألبسة. ونحن نغيّر ملابسنا، ويجرّب كلٌ منا ملابس الآخر، صُدِمتُ وأنا ألقي لمحةً على فخذيها العاريتين وعانتها الصغيرة المشعرة الواضحة لحدّ يثير الدهشة.

الألبسة. لم يبد الأمر وقتها مهماً على الإطلاق، ولم يؤخَذ الأمر على محمل الجدّ. حتى تبيّن أننا بالألبسة نتدبّر أمرنا. بدأتُ حياكة ألبسة لزوجات الجنود، على آلة الخياطة التي وهبني إياها والدا بترو كهدية زفاف. رحتُ أقصّ قوالب ورقية، وأحيك كلّ يوم عشرات الألبسة: من حرير قطنيّ ناعم زلق، ومن قطن الأغطية البيضاء. كان زوج ليوبا، فيدور إيفانوفتش، يجمعها ملفوفةً في ورق رماديّ، ثم يجلب لنا المال، الكحول، والشاي، بالمقابل. للمرة الأولى في حياتي كنت أعمل لنفسي ولعائلتي. ونجحنا في الذهاب إلى تروسكافيتس، وكنتُ أنا الآن مَن أدعو زوجي للخروج لتناول الآيس كِريم ــــــــ كان يدفقُ ببساطة على أذرعنا، ولم تكن المحالّ خاوية بعد، فجلبتُ لنفسي بعض الأحذية الربيعية الجميلة وقنينة عطر. ولا تزال عندي القنينة في لافين؛ ومع أنها فارغة، إلا أنها لا تزال تحمل تلك الرائحة، وهو ما يعني أنها ذهبت معي نصف الطريق حول العالم، وهي ترقد في سكينة على طاولة المرآة، بنيما ضاعت في الطريق أشياء أخرى أكثر أهمية. تلك الزجاجة الصغيرة الرابضة بغطاء أسود مطاطيّ باقية على الدوام، مع أن طفلتي لا.

تلك الألبسة بلّدت أحاسيسنا. كنت أظنّ الألبسة هي مفتاح كلّ شيء، وهكذا واصلتُ تجارة الألبسة، وقد حَمَتنا من الأسوأ. كانت تدور الشائعات أن عائلات بأكملها قد تلاشَت، أن المدافع وصلتهم فجراً وجرفتهم إلى الشرق. لم يحدث شيءٌ كهذا بقريتنا، ربما لأن الجنود كانوا مندوبين في المدرسة، على الجانب الآخر من السور، وربما كان هذا صحيحاً فلم نكن نرى شيئاً من أيكة الأشجار. رحتُ أركّز عيني على مسكن الشيطان في البداية عبر السور، بينما أتظاهر بفعل شيء في الحديقة، مثل نشر الغسيل على حبل ممتدّ بين شجرتَيْ برقوق. كنت أشاهدهم وهم يجرون على السلالم ثم يختفون في المبنى، ويندفعون خارجين منه ثانيةً، قافزين إلى عربة جيب أو مندفعين منها. كنتُ أفحص أوجههم وأتذكّر الرُتب المعلّقة على أكتافهم. كانوا مطمئنين تماماً. تخطر لي كلمة “النوم” الآن وأنا أفكّر فيهم ـــــــ كانوا واثقين بأنفسهم حين يروحون في النوم. كأن ذلك كله يحدث في رؤوسهم، بينما هم، كلّ هؤلاء الرجال في أزياء شاحبة ضيقة مزرّرة إلى الرقبة، يعرفون كلّ شيء من البداية إلى المنتهى في منامهم. أخبروني ما كان عليه أن يحدث. كأنهم يلعبون لعبة من اختراعهم.

لكن أحدهم، الأكثر أهمية بنجوم على كتفيه، يبدو لكأنه خرج من كابوس. ظننتُ في البداية أنه اثنين، ضابطان بالمشية ذاتها واليد الخادعة في قفّاز أسود. حينما يمضي صاعداً السلالم إلى المدرسة يبدو شخصاً واحداً، وحينما يخرج يصبح آخر. فقط فيما بعد، حين رأيته من المقدمة وتقابلت نظراتنا في لمحة، أدركتُ الحقيقة: فالجانب الأيسر من وجهه كان ميتاً، مشوّهاً بندوب ملضومة في تكشيرة مؤلمة. يده اليسرى من خشب، وساقه اليسرى متخلّفة وراءه، عاجزة عن أن تُساير اليمنى. وحينما يمضي إلى المدرسة كنت أرى جانبه الأيمن ـــــــ وجهٌ مفعم بالشباب، عينان لامعتان، بأنف مستقيم حازم، ويد تمسك سيجارة إلى شفتيه. لكن حينما يخرج، يكون حزمة من الألم، مخلوق نجا بأعجوبة في نهاية العالم ثم قرّر، برغم ذلك كله، أن يواصل الحياة.

لبستُ أفضل فساتيني الوردية، طليتُ شفتَيّ بالأحمر الدمويّ، ثم ذهبتُ إلى المدرسة. لم أكن أعرف ماذا سأفعل أو أقول لأفتن الرجل المزدوج كي يتركنا في سلام.

هكذا وصلتُ وجهاً لوجه أمام يوري ليبرمان. كان جالساً وأنا واقفة. على الطاولة يرقد مسدس وفوهته مسدّدة إلى الموقد القرميد. أخبرته للتوّ، بمجرد أن دخلتُ، أن زوجي لقبه بولنديّ، لكنه ليس بولندياً، وكلانا ينتمي إلى الكنيسة البابوية، وأن أمورنا تمضي على ما يرام، لكوني مدبرة منزل جيدة وزوجي رجل واسع الحيلة، وأن بعض الناس يحسدوننا ويحكون عنا الحكايات. أدركتُ أني أبدو كفتاة صغيرة ــــــ فمنديل الأكاذيب يثير الأسى. عموماً، لديهم مستندات تضمّ أقساماً بها أحكام صارمة. قال بالروسية “عليك أن تبدو متغطرساً، فالناس طبعاً يبغضونك”، ثم ابتسم بالنصف العفيّ من وجهه. وظلّ النصف الآخر ميتاً.

حاولتُ تفسير مسألة الوجهين لأكتشف أيّ حُكمٍ يعِنّ لنا. طرق شخصٌ الباب ودخل، ورنّ الهاتف، فانشغل الملازم ليبرمان فجأة بشيء آخر وكفّ عن أن يوليني أيّ اهتمام. فقدتُ ثقتي بنفسي وانسللتُ عائدةً إلى الباب. وهو يذرع الغرفة وبيده السمّاعة، رأيتُ وجهه الآن ناحيتي، لا من الجانب الآخر. ومرّت نظرته حائرةً على حذائي وساقَيّ وفستاني.

قال لي “تعالي هذا المساء. ليس عندي وقت الآن”، ثم وضع السمّاعة.

أبلغتُ بترو إني ذاهبةٌ لرؤية العمة مارينكا. وقبلما أغادر المنزل احتسيتُ بشكل مراوغ بعضاً من الفودكا بينما كان يلاعب لالكا على أرضية المطبخ.

تسللتُ حثيثاً قرب السور، واثبةً من ظلّ بقعة قمرية إلى أخرى. شعرتُ بأني أسخن، وتحت إبطي كان فستاني رطباً من العرَق. رفض الحارس أن يدعني أدخل المدرسة؛ أشار إليّ ببندقيته، وقال بالروسية: “ابتعدي، يا امرأة”، فوقفتُ في ظلّ شجرة، أُبدل ساقاً بساق وأنا أحدّق في النوافذ. وبينما كان فستاني يجفّ تحت الذراعين رحتُ أرتجف. ظللتُ أقول ثائرةً من ضغط أنفاسي “عليك اللعنة ولتحترق، يا ليبرمان، أيها الشيوعيّ”، وكنتُ على وشك أن أرجع إلى البيت حالما رأيتُ النصف الميت من الوجه في النافذة. لم يستطع أن يراني؛ فقد كان يتطلّع إلى القمر. ربما كان بالنسبة إليه كمن يتطلّع في مرآةٍ ــــــــ فكلاهما بوجهين.

وأنا أرتجف، خرجتُ من الظلال. استدار نحوي على نحو وجيز وجهه في النافذة ومن ثَمّ تلاشى. بعدئذٍ بوهلة ظهر على السلالم ووقف ينتظرني. تظاهر الحارس أنه لم يرني من قبل. قادني ليبرمان إلى ممرّ المدرسة وصاعداً السلالم، إلى الشقّة التي كنتُ أعيش فيها أنا وبترو منذ زفافنا. كنسخة من حلم العروس، أخذني إلى بيته. هنالك في غرفة نومنا العتيقة كنتُ أعرف كلّ بقعة في الأرضية، وكلّ أثر على الحائط. كان آيلاً للسقوط بالنسبة لنا وهو يأخذني إلى المنزل الجديد، ولا يزال هناك سريرنا المزدوج القديم. أبلغني أن أجلس عليه. وسأل “ما اسمكِ؟”، وهو يخلع ملابسه ببطء وبشكل مدروس، معلّقاً زيه على هيكل السرير الطويل. جاوبته، ثم شرحتُ تفاصيل مسألة بترو، ضمنها تاريخ مولده. استطعتُ الآن رؤية الجانب الأيسر كاملاً للملازم ليبرمان وكان كالنائم ـــــــ فذراعه اليسرى معلّقةً ميتة على طول جسمه وتنتهي بجراحة ترقيعية، بينما ساقه اليسرى مكبّلةٌ بدعامة معدنية كانت تلمع في ضوء القمر. لم يكن خجلاً أمامي، وكأني لم أكن بشرية.

حينما رقد فوقي، تصوّرتُ أنه عليّ أن أتعامل مع النصف الحيّ منه. كان جسمه رشيقاً ومتمكّناً. فيما بعد أخبرني أني جميلة، لكن بطريقة عَرَضية نوعاً، فلم يكن يتطلّع إليّ فعلياً ــــــــ وكأنه أحسّ بضرورة أن يلقي بشيء بين الحوائط المغلّفة بالورق في غرفة نوم المدرس.

حينما عدتُ إلى البيت، كان بترو والطفلة نائمين فعلاً. صببتُ بعضاً من الماء في الحوض وغسّلتُ نفسي في المطبخ المعتم. أحسستُ بهِزّة من الاشمئزاز تعيق إحساسي بالخطيئة. لكن غمرتني على الفور بعدئذٍ دفقة لا تُحتمل من العار. قالت باراسكيفيا وهي تلبس فستاني الأحمر: لا تفكّري في ذلك. وماتت النار في هذا المدى.

رحتُ لأراه مرات أخرى معدودة، وكان هذا يمثّل نوعاً من التضحية. فلا يمكن التنبؤ باحتياجات المستبد الشرقيّ المشلول، وكنتُ مستعدة لأي شيء. كنتُ أغمض عينَيّ طيلة ما يحدث، بل وحاولتُ أن أُدير وجهي جهة الحائط البالي، لكنه كان يشدّني نحوه. يريد مني أن أتطلّع إليه. ثم بدأتُ أشتاق إليه، من رائحة سجائره وهي تتخلّل زيه كخصم أجنبيّ، من الدهشة التي يجلبها بكلّ دوران من وجهه. فقد كان حياً وميتاً، رقيقاً وعنيفاً. كان ينام معي، ثم يحكم على الناس بالإعدام. قوته مقيتة، مثل أفعىً سامة راسخة، وبرغم ذلك كنتُ أشعر بالرغبة في أن أستسلم له، أن أذوب، أن أصل إلى موقف أتحرّر فيه من فعل أيّ نمط من الإيماء. رأيته مرة وهو يصل في عربة عسكرية ليُشرف على ترحيل ستاندنيسكا وأبويها، وآل روتشينسكيس، وبعض الجيران الآخرين. يذكّرني بطائر، لأن عينَيه كانتا خاويتين، مثل عينَيْ الديك. يقولون إن الروس انفعاليون وعاطفيون. لكن هذا كان مختلفاً. ربما لم يكن إنساناً على الإطلاق. اعتدتُ أن أسأله: “مَن أنت؟”، أو “ماذا جرى لك؟”، وهو يسحبُ إصبعي على الندبة الطويلة عبر صدره. كان يبتسم ثم يلتقط سيجارة، لكنه لم يبلغني عنها أيّ شيء.

من نوافذ المطبخ، كنا نشاهد الناس بحقائب سفرهم وصُرَرهم، يشكّلون عمود يأس طويلاً. وكان الفجر على وشك البزوغ. أخذتُ لالكا النائمة بين ذراعَيّ. وكان بترو يدخّن سيجارة. هل كان منزلكم بعلامة ملاك حارس مطليّ بالأحمر على الباب؟ كان يوري ليبرمان يتوقّف بسيارته، مظهراً لنا جانب وجهه الذي لا يمكن اكتشاف أيّ انفعالات فيه. فكّرتُ: “ماذا جرى؟ لماذا لم نكن نحن؟ سيحين دورنا غداً بالتأكيد. سيكتشفنا عاجلاً أو آجلاً”. بعدئذٍ، صرتُ أكثر وأكثر اكتئاباً، وطيلة اليوم يظلّ زوجي يسألني: “لماذا لستُ أنا؟”

ثم تبيّنتُ أني حامل. فمضيت لأرى العمة مارينكا، وأخبرتها بالحكاية كلها. صفعتني على وجهي، ثم أخذتني إلى القرية التالية، حيث تعيش امرأة عجوز تُدعى ماتريونا، أجرت لي عملية إجهاض. ظللتُ طيلة الليل في بيت العمة مارينكا، وهي مضت لتخبر بترو أني لستُ على ما يرام. مرضتُ طيلة شهر. لم تترك مارينكا فِراشي أبداً، لأني كنتُ راغبةً في الموت، راغبةٌ في أن يحلّ عليّ عقابٌ إلهيّ. وقد ظنت أني نادمة على خسارتي الطفل. لكني كنتُ أموت من الاشتياق.

مرّ بالقرب يوماً جنديّ روسيّ، تحدّث مع مارينكا عند عتبة الباب، ثم رحل. لم تخبرني ماذا كان يريد. تكلّمَت فحسبُ عن بترو، قائلة: “عليكِ أن تتعلّمي حبه، فهو أضعف منكِ، وليس الأقوى”.

ثم انتقل الضباط إلى مكان آخر، لكن لم يعرف أحد إلى أين. أعطتني مارينكا فيما بعد حقيبة صغيرة من ليبرمان، كان قد جلبها ذلك الجنديّ. فيها عنوان، مكتوب بالروسية، على شَقْفة ورق رمادية، وصليب ذهبيّ بسلسلة، بضعة خواتم، وقطعة قماش تبدو كأنها انتُزعَت من قميص جيشيّ. لفَفتُ ذلك كله بالورق ثم دفنته في البستان تحت شجرة برقوق. جنازةٌ متأخرة تليق بطفل صغير.

لا أزال أرى شيئاً غريباً ـــــــ فإصبع قدم ليبرمان الكبرى كانت بظفر مشوّه طفيفاً؛ هنا في هذه الإصبع، كانت قوة الرجل ذي الوجهين تنهارُ، يصبح سطحياً وسخيفاً. وكنتُ أخجل من تلك الإصبع. لا أخجل من ممارسة الحبّ العاطفية على مكتبه المغطّى بالمستندات، أو مويجات اللذة التي كان يجلبها عليّ، بالرغم من أني لم أكن أحسّ سوى بالاشمئزاز. وما قد بقي مخفياً، صار بالغ الوضوح حين أراه.

انتقل أهالي أوكرانيا خلال الأشهر القليلة التالية إلى أكواخ معزولة. كان بعضهم من أقاربي، مثل هوروديسكي وكوزوفيتش، مع أنهم كانوا يرمقوننا بالشكّ، على غير ما اعتادوا عليه. في الحقيقة، كانت لهوروديسكي زوجة بولندية، ومن الواضح أنها أفضل من أن يكون لديك زوج بولنديّ. لا تبدو بعض النساء واضحات، على العكس مما يجب أن يكنّ. عموماً، تبدأ معظم الأمم ولادتها من بطونهن.

سألني بترو فيما بعد: “أخبريني، أهذا حقيقيّ؟”، وهو يحدّق بشدة في عينَيّ.

قلتُ: “لا، لم يكن”.

ترجمة: محمد عيد إبراهيم

 

 

أولجا توكارتشوك: بولندية، مواليد 1962، نالت جائزة نوبل للآداب هذا العام (2019)، وهي تعدّ من أكثر  كتّاب بولندا تقديراً، نشرت عدة روايات ومجموعات قصة قصيرة، وكتب مقالات. كوفئت العام الماضي (2018) بجائزة المان بوكر الدولية عن روايتها (رحلات)، وكانت قد نالت بها أعلى جائزة شرفية في بولندا، عام 2008. كما تلقّت عام 2015 جائزة “بريدج” التقديرية. وكانت روايتها (بيت للنهار، بيت لليل) قد اتخذت مكاناً في القائمة القصيرة لجائزة إيمباك عام 2003. أما آخر  رواياتها فهي (احفر بمحراثك عظام الموتى)، المنشورة مؤخراً.