سوريا بؤرة النزوح العالمي .. ماذا عن مآلات النزوح الداخلي؟

46

لمجلة سيدة سوريا- غالية الريش

مع ازدياد التوقعات بزيادة أعداد النازحين داخل سوريا مع نهاية 2018 تتأكد حقيقة جلية، بأن سوريا لاتزال بؤرة النزوح العالمي، حسب مايقوله مقرر الأمم المتحدة المعني بحقوق الانسان للنازحين داخليا “تشالوكا بياني”، تلك الكتلة السكانية الضخمة التي اضطرتها وحشية النظام السوري وقصفه للمدن والقرى، بكل أنواع السلاح الثقيل والطيران، للنزوح إلى مناطق أكثر أماناً واستقراراً داخل حدود البلاد، مع تعدد الأسباب التي حالت دون نزوحهم لبلدان المحيط. وتبقى اللوحة غير مكتملة دون الإشارة الى النزوح السكاني الضخم من مناطق سيطرة تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية، حيث استيلائه على مساحة كبيرة من محافظتي الرقة ودير الزور، والجماعات الإسلامية المتشددة مثل جبهة النصرة، التي توزعت في اكثر من منطقة وتمركز استقرارها في محافظة ادلب، و”جيش الإسلام” وجماعات إسلامية متشددة في الغوطة الشرقية. وأفضت سيطرة قوات سورية الديموقراطية بقوامها الكردي الأكبر إلى مساحة تزيد عن 45 ألف كلم مربع تبدأ من ضفاف نهر الفرات حتى الحدود العراقية شمال شرقي سوريا، وتشكل نحو 48 كلم من حدود البلاد مع تركيا من إجمالي 911 كم. ورغم أن العرب يشكلون 70% من عدد سكان المنطقة، إلا أن معاناتهم من ممارسات التنظيم الذي هجر نحو 1,7 مليوناً لجأ جُلّهم إلى تركيا في عمليات نزوح مماثلة.

تتراوح تقديرات أعداد النازحين داخل سورية 8 مليون شخص، بلغت نسبة الأطفال45% من النازحين، والذين يقع العبء الكارثي والثقيل على كاهلهم الغض، وعلى مصائرهم الغامضة، أي مايتراوح  (3600000) طفل نازح، ومع توقعات الأمم المتحدة، التي ذكرتها شبكة جيرون الإعلامية، بازدياد عدد النازحين داخلياً في عام 2018 بمليون ونصف المليون على الأقل، يتوقع أن يعود نحو مليون شخص من النازحين داخلياً إلى مواطنهم الأصلية.

أخطاء شائعة في التقييم

ينسب معارضون إلى وصم النازحين داخل سورية بصفة الموالاة والانحياز للنظام، بدلالة أنهم في حمايته وتحت مظلته الأمنية، وهو تعميم مفرط في اللاموضوعية والتجني.

يتغافل هذا الرأي عن  الدوافع والمصالح والمنافع ( على قلتها) المتأتية من سيرورة النزوح الداخلي:

ثمة العديد من فعاليات المدن الكبرى التجارية والصناعية وخاصة حلب وحمص، ممن اضطرت إلى نقل معاملها وورشاتها وبضائعها إلى مدن مثل اللاذقية وطرطوس مع حساب التوفير الحاصل مالياً وأمنياً بالقياس إلى نقل تلك المصالح إلى الدول المحيطة. صحيح أن ذلك النقل والانتقال خضع لابتزاز مسؤولي النظام وحواجزه الأمنية، إلا أن تقديرات العديد من الصناعيين لاتعود إلى موقف ممالىء للسلطات، قدر ماترجع إلى ضرورة إيجاد مطارح عمل تعود بالفائدة على الكادر العمالي والوظيفي وأصحاب المشروع، وتجنباً للغوص في مجاهيل بلدان وعلاقات – حسب ما يعتقدون- فضلاُ عن ابتزاز اللصوص الجدد من سارقي المعامل، خصوصاً الى تركيا، مع ما يشكله ذلك  من مخاطر أمنية ووجودية متوقعة.

بالإضافة إلى أن الآلاف ممن نزحوا من المواطنين عن مواطنهم باتجاه مدن وبلدات داخل سورية، مرتبطون مع الدولة بعقود وظيفية، ومدد خدمة تعود عليهم بتوفير رواتب تقاعدية، وتأمينات إجتماعية بعد انتهاء الخدمة. مع عدم توفر بدائل تسمح لهم باللجوء للخارج.

وبالأساس يلعب العامل المادي والمالي  دوراً حاسماً في تقرير مصائر السكان ووجهات نزوحها داخلاً أو خارجاً، ولاريب أن ذلك العامل يبقى محكوماً أيضاً بقراءة الناس للأحداث واتجاه سيرها وبالثقافة التي تستند إليها، والتي تندرج تحت مسمى ” الحيادية” حيال الأطراف المتصارعة، وفي مقدمها الموقف من النظام الديكتاتوري. ترسخ خوف عميق من الممارسات الديكتاتورية على مدى 40 سنة من الحكم القمعي الاستبدادي في سوريا، وثمة قطاعات عريضة لامست نسائم الربيع العربي جبهاتها، إلا أن رد الفعل الوحشي والدموي للنظام أحجم مشاركاتها وأقعدها في بيوتها في حال من الشلل التام، ودفعها الصراع العسكري المكشوف بين جيش النظام ومجموعات المعارضة المسلحة للخروج من مواطنها، والبحث عن مطارح أمان. ويمكن القول أن سلبية تلك الجماعات وخمودها تعاظمت، خلال سنوات الثورة والحرب على الثورة من كل الأطراف المشاركة، وتضاءلت معها أي إمكانية لخلق روح كفاحية لدى تلك الأوساط.

مثال عن نازحي حلب نحو الساحل السوري

يعلم الجميع أسباب تأخر مدينة حلب بثقلها السكاني والاقتصادي –على كافة الصعد- والثقافي عن مجموع الحراك المدني الثوري الذي انطلق عام 2011 الذي انخرطت في سياقه منذ أواسط 2012 بفعالية شعبية وطلابية لافتة تعكس حجم مخزون السخط الشعبي والسياسي لسكان المدينة على ممارسات النظام القمعية الوحشية وأساليب رده على الانتفاضة الشعبية في باقي المدن السورية.

لكن هذا الحراك المدني السلمي، لم يلبث أن انطوى بعد تصاعد النزوع نحو العسكرة وانتظام فصائل عسكرية تحت راية الجيش الحر، وأدى تصاعد أعمال العنف والعنف المضاد، إلى تهجير ونزوح مئات آلاف السكان من كل الفئات، والشرائح المهنية والوظيفية، إلى مدن وبلدات أكثر أماناً مما كانت في حلب.

وكانت وجهة الآلاف من الحلبيين، إلى عدة جهات وأماكن، لم تصل إليها شرارة الحرب، ثمة من نزح إلى مدن الشرق الداخلية، الرقة ودير الزور والحسكة، واضطروا بعدها إلى تجديد نزوحهم إثر احتلال “داعش” لتلك المدن واريافها، ومنهم من نزح إلى الساحل السوري وتحديداً إلى مدينة اللاذقية وطرطوس. بالطبع ثمة روابط إجتماعية واقتصادية عميقة بين المدينتين حلب واللاذقية، وبما أن الأقربون أولى للنزوح إليهم شكلت اللاذقية ملجأ آمناً وملعباً اقتصادياً لكثير من الفعاليات التجارية والصناعية الحلبية، إلى درجة طبع المدينة الساحلية بإضافات غير معهودة على حركة الأسواق والصناعة وتنظيم الورش الصغيرة التي غزت اللاذقية، وأشتعلت نار إيجارات البيوت  صعوداً بسبب الطلب المتزايد عليها، وهو ماوفر لسكان المدينة والريف على حد سواء دخلاً موازياً، أي أنه خلق أرضية لمصالح متبادلة، وبقدر حرص أهالي اللاذقية على العلاقة الوثيقة مع الحلبيين- من كل الطوائف- التي اندرجت في آلية المصالح المتبادلة، والتي استقبلت النازحين بترحاب مدروس، فإن قطاعات اجتماعية “لاذقانية” ومن كل الطوائف أيضاً  بقيت خارج دائرة تلك المنافع والمصالح، شكلت عامل نفور واستفزاز لأخوتهم النازحين من الداخل السوري، فضلاً عن الضيق التنافسي الذي أبدته بعض الحرف المتعثرة بالأصل في مدينة اللاذقية ودخول الحرفيين والمهنيين الحلبيين بخبرتهم العريقة، وإثبات موجوديتهم. ذلك السخط الاجتماعي لدى بعض الأوساط تمّ استثماره من قبل أوساط السلطة والنظام، في ضخ خطاب الكراهية الطائفية، والتشبيح على النازحين، الذي كان ل” جيش الدفاع الوطني” بقيادة هلال الأسد أبن عم الرئيس السوري بشار الأسد قصب السبق، واليد الطولى، على فرض حالة ميليشياوية بغيضة في المدينة، وبلغت ذروتها بعد مقتل هلال الأسد، الأمر الذي دفع بـ”زعرانه بكل ملء معنى هذه الكلمة” إلى حصار المدينة الرياضية في اللاذقية والترويع بنزلائها النازحين، ومع عدم التأكد مما رشح عن ذلك الحصار والترويع من خلال مصادر عديدة من إصابات وإهانات، بين جمهور النازحين، تصب العديد من المؤشرات على تصفية عشرات المعتقلين ممن كانوا في سجون جيش الدفاع الوطني، جيش الترويع الوطني الذي لعب أدواراً قذرة في تعميق الشرخ الطائفي سواءً أثناء وجود المجرم هلال الأسد أو بعده.

ليس مخيم الركبان وحده مخيم المنسيين في صحراء الحرب السورية

ويزداد الحال صعوبة مع انتشار عشرات المخيمات، التي تفتقد لأدنى مقومات العيش الكريم ولأبسط قواعد الحياة من توفير مياه الشرب والمحروقات والدعم الإغاثي والدوائي. تتمركز أغلب هذه المخيمات على حدود البلدان المحيطة، والتي يبرز مخيم الركبان ومأساة نازحيه من 10 آلاف عائلة التي اتخذت من بيوت الطين والخيم البلاستيكية مأوى لهم. تناقصت أعداد سكان المخيم مع إجراءات التضييق والحصار، حيث أجبرت أعداد كبيرة من العائلات، على الذهاب إلى مصائر مجهولة، في مناطق سيطرة النظام. بدأ أهالي المخيم في 10 تشرين الأول المنصرم اعتصاماً مفتوحاً لمطالبة المجتمع الدولي، بالضغط على الحكومة الأردنية، والنظام السوري من أجل إدخال المساعدات الطبية والإنسانية إلى المخيم، حيث سجلت وفاة عشر أشخاص غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، بعد تدهور صحتهم، ورفض نقلهم إلى الأردن، بسبب إغلاق الحدود الأردنية أمام المساعدات، في حين أغلقت قوات النظام السوري وحلفاءه الطريق الوحيد إلى المخيم،عبر بلدة الضمير ما يعني وقوع 60 ألف إنسان بين فكي كماشة اللامبالاة والاستهتار والخذلان الأردني والإذلال السوري “كنظامين يتقاربان اليوم تدريجياً”. ويشترك مع هذا المخيم اليوم في ظروفه اللا إنسانية مخيمات أقل كثافة سكانية، تعاني من إهمال وتردٍ وصمت دولي مريع وانسحاب من المسؤوليات التي أعلنها “أصدقاء سوريا” المزعومين.

تعترف بالمقابل المنظمات الإنسانية ومعها قوى المجتمع المدني والأهلي، بأنها غير قادرةعلى الاستجابة الكاملة لاحتياجات ملايين النازحين  المنتشرين في كافة أرجاء سوريا. احتياجات هؤلاء المعذبين لا تنحصر في المساعدات المالية والإغاثية، على أهميتها، بل تتعدى الجوانب الأمنية، وإعادة اندماج هؤلاء النازحين مجدداً في بيئاتهم، وسط مخاوفهم من أعمال إنتقامية، يستدل على ذلك من خلال مخاوف الكثير من النازحين لتنظيم أوراقهم الثبوتية في الدوائر الحكومية، التي غالباً ما تكون بمثابة أفخاخ أمنية للإيقاع بالنازحين، واعتقال مطلوبين منهم.

يورد تقرير لمنظمة العفو الدولية ( الأمنستي) أن ملايين النساء والأطفال والرجال الذين نزحوا داخل سورية، هم جميعاً لاجئون من الناحية الفعلية، لكنهم لايتلقون مساعدات دولية تذكر، فقد نزح معطمهم عدة مرات، يحدوهم الأمل، في كل مرة، في أن يجدوا ملاذا آمناً، ليجدوا أنفسهم تحت النار مرة تلو الأخرى. وبالفعل قتل العديد من الرجال والنساء والأطفال، في الأشهر الأخيرة، في الأماكن التي نزحوا إليها طلباً للسلامة.

أكثر عرضة للخطر، الأكثر عرضة للصمت

” من المهم عدم نسيان هؤلاء النازحين داخلياً، لمجرد أنهم لم يخلقوا مشكلة للبلدان الأوروبية، فهم أكثر عرضة للخطر، لأنهم مازالوا يواجهون العنف. في كثير من الأحيان لايستطيع هؤلاء الخروج من البلاد”

هذا مايقوله بول كولير وهو محاضر في جامعة أوكسفورد وخبير في شؤون الهجرة.

وفي تقرير صادر عن مركز رصد النزوح الداخلي، وهو جزء من المجلس النرويجي للاجئين، قال مدير المركز ألفريدو زاموديو: “إن الدول ذاتها غالباً ماتكون هي المحرك الرئيس للنزوح، كما في سوريا. حيث يتم استغلال النزوح من قبل الحكومات، وكذلك الجماعات المسلحة “غير التابعة للدول” – خط التشديد من عندي- * باعتباره استراتيجية للحرب، وغالباً في محاولة لتغيير التركيبة السكانية. أكد زاموديو أن سوريا تشهد أكبر أزمات النزوح في العالم، وأسرعها تفاقماً، لافتاً إلى أن نسبة النازحين السوريين داخل بلادهم تبلغ 43%. ويتمتع اللاجئون الذين يفرون إلى بر الأمان في الخارج، بحماية قانونية إضافية، بسبب إتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام1951 التي تحدد حقوقهم الأساسية.

يبقى النازحون داخلياً في بلدانهم، وفي ظل حماية حكومتهم، وإن كانت تلك الحكومة هي السبب في نزوحهم، حيث مايزال أولئك الذين تركوا داخل سورية يخضعون رسمياً لحماية النظام، وهو النظام الذي يرى كثيرون أنه مصدر بؤسهم. نتيجة لذلك إن هؤلاء الأشخاص هم من أكثر الفئات ضعفا في العالم.

*- أتحفظ على رأي السيد زاموديو في اعتبار تلك الجماعات المسلحة غير تابعة للدول … برهنت الوقائع أنها تابعة تمويلاً وأهدافاً لسياسات تلك الدول كلٌ حسب أجندته، بما فيها داعش التي حاولت أن تكون “خارج النص” الإقليمي والدولي الاعم لوحشيتها.

المصدر مجلة سيدة سوريا