في الصراعات القائمة .. المرأة السورية رغم نضالها.. لاتزال تدفع الثمن

64

لمجلة سيدة سوريا- تحقيق هاديا المنصور

لم تبدأ الانتهاكات الواقعة على المرأة في سوريا مع بدء النزاع المسلح ، فقد واجهت النساء السوريات العديد من الانتهاكات والتمييز في القوانين والتطبيق لعقود طويلة دون جهود من الحكومة لتحسين أوضاعهن ورفع التمييز والظلم والعنف الواقع عليهن ، لـتأتي مرحلة الثورة السورية وما رافقها من صراعات لتكون فيه المرأة الحلقة الأضعف ، حيث أثرت الممارسات القمعية والعنف المسلح عليها بشكل مجحف ، فخسرت وبشكل مضطرد أمنها وبيتها وحياتها وأفراداً من عائلتها ومكانتها الاجتماعية في ظل الاستهداف الممنهج للمدنيين وانتشار السلاح وانهيار النظام القانوني وغياب سيادة القانون، والأنكى من ذلك كله أنها استخدمت كسلاح للتهجير وترحيل السكان من قبل نظام الأسد من خلال عمليات الاغتصاب والاعتداءات المتكررة في المعتقلات وعلى الحواجز وعند المداهمات وهو ما دعا المواطنين للنزوح والتسليح على مدى سنوات الثورة الثمانية.

وعن تلك الانتهاكات يحدثنا المهندس علي العمر (40عاماً) وهو زوج احدى المعتقلات المحررات في سجون النظام  فرع عدرا فيقول ” لقد اعتقلت زوجتي على خلفية نشاطها بإحدى الجمعيات الإغاثية ، واستمرت في السجن قرابة الثلاثة أشهر والذي لم تخرج منه إلا بعد أن تكبدت بدفع مبالغ مالية طائلة ” وأكثر ما آلم العمر أثناء إجراءه معاملات اطلاق سراح زوجته هو المنظر الذي شاهده داخل الزنزانة ، ويوضح قائلاً ” كانت المعتقلات عاريات تماماً ، استطعت التعرف على زوجتي بينهن فخلعت بعضاً من ملابسي لتضعها عليها، وقبل مغادرتي برفقة زوجتي استدعاني الضابط المسؤول وقال لي بلهجة ساخرة ” أتعرف ما عليك فعله أم أخبرك” فأجبته بأني أعلم ما علي فعله وهو ألا أخبر أحداً بما رأيت ، ولكنه فاجأني بقوله ” بل على العكس تماماً ، أريد أن يعلم الجميع بما رأيته”.

وصية الضابط تعكس مدى جبروت هذا النظام ومدى فخره واستهتاره بفظائع ما يفعله بحق النساء السوريات في معتقلاته ، في رسالة يريد إيصالها لعامة الناس مفادها أن عليكم الرحيل والفرار بحياتكم  وشرفكم وكرامتكم قبل أن تقعوا بأيدينا ، وهو ما حدث فعلاً حين تم نزوح وتهجير الآلاف من الشعب السوري الذي غدا بمعظمه لاجئاً في دول الجوار والدول الأوربية.

كما أن انهيار القطاع التعليمي في سوريا بعد أن دمرت المدارس وتضررت بسبب القصف وبعد أن تحولت بمعظمها إلى مراكز وملاجئ للأسر النازحة قد أثر وبشكل كبير على تعليم الفتيات وبالتالي انتشار ظاهرة تزويج القاصرات وكانت النسب عالية جداً في هذا المجال وخاصة في مخيمات اللاجئين حيث ظهرت شبكات كبرى من أجل تزويج القاصرات ، وبحسب تقرير أعده المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية ، فإن هذه الظاهرة ترتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية ، حيث أن انتشارها يختلف تبعاً للبيئة والظروف المحيطة بالفتاة القاصر ، جازماً بأن نسبة تزويج القاصرات في سوريا قبل الأحداث الدامية بلغت نحو 7 بالمائة من مجموع القاصرات السوريات ، غير أنها أخذت بالارتفاع والزيادة سنة بعد أخرى مع اشتداد الصراع والعنف المسلح حتى بلغت 30 بالمائة عام 2015.

كما وأشار التقرير وفق احصائيات صادرة عن وزارة العدل في سوريا لأن هذه النسبة تزيد في مناطق الأرياف ، إذ أن 60 بالمائة من الزيجات غير المسجلة في المحاكم الشرعية عقدت على قاصرات.

ووفق منظمة الأمم المتحدة تتباين نسبة تزويج القاصرات السوريات بين دولة وأخرى من دول اللجوء ، ففي الأردن هناك 35 بالمائة من مجموع زيجات اللاجئات السوريات زواج مبكر ، بينما 32 بالمائة من حالات الزواج بين اللاجئين في لبنان لفتيات تحت سن الثامنة عشرة ، ونسبة 25 بالمائة لزواج قاصرات سوريات في مصر.

ويلعب العنف ضد الفتاة عاملاً هاماً في زواجها المبكر وهو ما يشمل الأعمال التي تلحق بها ضرراً جسدياً أو عقلياً أو نفسياً وسائر أشكال الحرمان بدءاً من حرمانها من التعليم وانتهاءً بإجبارها على الزواج.

وللحد من ظاهرة زواج القاصرات التي تفشت في المجتمع السوري ، ظهرت دعوات وحملات توعوية ومنها على سبيل المثال لا الحصر حملة ” طفلة لا زوجة” التي أطلقتها المجلة بتاريخ 12/1/ 2015 بهدف حشد الدعم والمناصرة ورفع سوية الوعي لمنع هذا الانتهاك بحق الطفولة والمجتمع ” الطفلة السورية وبسبب ظروف الحرب والنزوح تسرق من طفولتها وألعابها فتزوج وترمى إلى مصير مجهول وتجربة قاسية ، فساهموا معنا في التخفيف من هذا الحيف وحماية طفلات سوريا” هذا ما جاء في بيان الحملة .

وعلى الرغم مما قاسته المرأة السورية خلال سنوات الثورة من قتل واعتقال ونزوح وفقدان ، وعلى الرغم من كل التضحيات التي قدمتها والقدرات التي أثبتتها ، فهي لا تزال محصورة بالصورة النمطية من منظور المجتمع الذي لا يرى فيها سوى الإنسانة الضعيفة والمعنفة، مسلوبة الإرادة والتي لا رأي لها ولا تستطيع اتخاذ القرارات والتي لا تتقن سوى أن تكون أماً أو زوجة ، فتم توظيفها بأعمال تتعلق بالإغاثة والتنظيف وكأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً غير ذلك.

واليوم ومع ظهور فرص عمل تنافي ما اعتاد عليه المجتمع السوري لا سيما الإدلبي منه والذي أدخل المرأة بمجالات لم تدخلها من قبل ومنها أن تكون نادلة في مطعم أو سائقة لحافلة نقل تقل موظفات إلى مكان عملهن في مراكز تابعة لمنظمات مجتمع مدني، إلا أن ذلك لا يمكن النظر إليه على أنه نيل لحقوقها الطبيعية ، بل إن ذلك حدث تماشياً مع ما فرضته بعض الجماعات المتشددة المتمثلة بجبهة النصرة على المطاعم والمنتزهات وعدد من منظمات المجتمع المدني ، وذلك كون الأخيرة تمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل والأماكن العامة والذي أفضى في نهاية المطاف بشكل او بآخر لإيجاد فرص عمل لبعض النساء المعيلات في ريف إدلب.

استطاعت خديجة عثمان (38عاماً) أخيراً أن تحظى بوظيفة بعد عناء كبير ورحلة بحث شاقة ، وإن كانت وظيفة نادلة  في مطعم هي مهنة جديدة وغريبة بالنسبة للمجتمع الإدلبي ، غير أنها مناسبة لخديجة كونها خاصة  بقسم العائلات فقط.

تقول خديجة وقد رسمت على وجهها ابتسامة تعبيراً عن رضاها بعملها الجديد ” ليس سيئاً أن ألبي طلبات الزبائن من طعام وشراب ، فقد أكسبني هذا الامر مهارات وعلاقات اجتماعية ، و أصبح لدي العديد من الصديقات ” وتتابع”  ذلك أفضل بكثير من أن أكون عالة ، أو أطلب العون والحسنة من أحد، أو أعتمد فقط على السلة الإغاثية التي لا تسمن ولا تغني من جوع ” وتضيف بأنها لم تكن لتتوقع يوماً ما أن تعمل بهذا المجال الذي يتنافى كلياً مع مجتمعها المتحفظ غير أن حاجة النساء للعمل في ظل ما تعيشه المنطقة من حرب مدمرة خسرت من خلالها المرأة المعيل والسند جعل المجتمع يتقبل معظم الأعمال التي انخرطت بها النساء، مشيرةً بأن عملها لا يخلو من المشقة كونه يستغرق أكثر من عشر ساعات ، يبدأ من الحادية عشرة صباحا ًوينتهي بعد منتصف الليل ، إلا أن ذلك لا يشكل عائقاً بالنسبة لها كون إدارة المطعم الذي تعمل به متكفلة بأمر ايصالها إلى بيتها ذهاباً وإياباً، عدا عن أن الأجرة التي تحصل عليها خديجة  تعد كافية نوعاً ما للإنفاق على أبنائها الثلاثة ، التي باتت المعيلة الوحيدة لهم بعد اختفاء والدهم الذي سافر إلى أوربا باحثاً عن حياة أفضل له ولعائلته منذ أكثر من خمس سنوات.

من جهتها تعمل إم محمد الأربعينية خبازة وطباخة في إحدى المطاعم منذ زمن ، وهي لا تنوي التخلي عن عملها هذا الذي وجدت فيه ضالتها بعد بحثها الطويل عن عمل مناسب ، وعن حاجتها للعمل تحدثنا ” لقد استشهد ولدي الوحيد أثناء قصف طائرات الأسد لمدينتي البارة وغديت المعيلة لأحفادي الأربعة بعد أن تخلت عنهم أمهم وتزوجت ، وعلى الرغم من حصولي على بعض المعونات والمواد الإغاثية إلا أنها تعتبر غير كافية لولا عملي هذا” وتؤكد بأنها ليست الوحيدة ممن يعمل بهذا المجال بل إن هنالك أربع نسوة غيرها يعملن بذات المطعم.

أما بالنسبة لوفاء الحسن (37عاماً) فهي تعمل سائقة لحافلة تقل موظفات لأماكن عملهن ، وقد تم توظيفها بهذه المهنة كونها تتقن القيادة وعن عملها تقول” أشعر بالمتعة خلال عملي ، فأنا من عشاق قيادة السيارات ، كما أن عملي هذا ساهم إلى حد كبير بكسر بعضاً من الصورة النمطية للمرأة في مجتمعنا” لا تنكر الحسن اصطدامها ببعض الانتقادات من هنا وهناك كونها ” تقلد الرجال” إلا أنها لا تعر ذلك أي أهمية ” أنا ماني عبعمل  شي غلط، الغلط بمجتمعنا الي ما عندو شغلة غير ينتقد” على حد وصفها.

عمل المرأة بتلك المجالات قوبل بتأييد من بعض شرائح المجتمع ، ورفض من البعض الآخر ، فالمؤيد يرى أن تتوسع التجربة أكثر لتعطي المرأة حقوقها وتفسح المجال أمامها لتثبت ذاتها وقدراتها بشتى المجالات التي كانت حكراً فقط على الرجل، في حين وجد البعض الآخر عملها هذا تطفلاً على عمل لا يليق بها ولا بأنوثتها ولا حتى بمجتمعها.

وبين مؤيد ورافض ، تحاول المرأة السورية جاهدة أن تخرج من إطارها المحدود الذي يصورها ككائن ضعيف ومغلوب على أمره لتطلق العنان لطموحاتها في نقل صورة مشرفة عنها ، تستطيع من خلالها بلورة دورها في المجتمع بالشكل الكافي من حيث الحضور والاستقلالية.