الحجاب … مقاربة واقعية لرصد التحول الجذري في المواقف حياله

85

دمشق – سلوى زكزك لمجلة سيدة سوريا

سبق أن أثار خلع الشابة السورية جود عقاد لحجابها علناً على صفحات الفيس بوك ضجة كبيرة ما بين مرحب ومؤيد ومستهجن، وما بين مستنكف عن التعليق أو تقييم التجربة، وحتى عن اعتبارها حدثاً يستحق الحديث عنه.

اللافت في الأمر السابق، أنه يذكّر فوراً بحالة النقيض، وهي الاحتفالات الرنانة  بارتداء الحجاب. حفلات مليونية بكلفتها الباهظة، يصل المحضرون لها لتحجيب قطع الشوكولا والحلوى  المقدمة في هذه الاحتفالات تماشياً مع تجذير المظاهر، تحت ذريعة الأفكار الإعلانية الخلاقة، والتي تنسجم بعمق مع طبيعة المناسبة.

تبحث  الطفلة  ميرا  بإلحاح عن حجاب صغير للعبتها، تعترض أمها   بشدة وتبدي استغرابها من طلب ابنتها، تجيب الابنة: “سآخذها معي يوم الاحتفال بإحياء طقوس الحج في المدرسة والمعلمة قالت لي بعد الموافقة على إحضارها معي  (خليها محجبة متلك)!”.

نعم تحي بعض المدارس الخاصة مراسم الحج وتطالب الأهل بإرسال كلابيات للطلاب الذكور وأثواب صلاة للطالبات، والأطفال يتعاملون معها كاحتفالية فيها شيئ من الغموض والتنكر وتقليد للكبار ومجاراة لأوامر المعلمات وإدارة المدرسة.

لكن الخطر الكامن في القصة هنا لا يتوقف عند هذا التوجه المتناقض مع علمانية التعليم، ولا مع عدم جواز دفع التلاميذ، وفي المرحلة الابتدائية، على تبني قيم ومظاهر تتنافى مع أعمارهم الطفولية، وإنما هو عدم اعتراض الأهالي أولاً وعدم مراقبة هذه الفعاليات أو معاقبة القائمين عليها من قبل الجهات الوصائية المطلوب تدخلها وبحسم بالغ.

لابد من الإشارة إلى الهدايا القيمة والاحتفالات الخاصة بتحجيب الصغيرات الزائرات للجوامع مع أمهاتهن لحضور درس ديني أسبوعي. المعلمة هنا هي الأم الروحية وهي من تؤسس للفكرة ومن تتابع ومن تبارك وتقدم الهدايا. أما القبيسيات فهدايا التحجيب لا تمر ببساطة، احتفال موسع وهدايا من الجميع وأناشيد واستذكارات ومباركات وموقع تفضيلي وتمييزي للفتاة المحجبة والتي تظهر الفرح بحلتها الجديدة, وهكذا تغادر الفتاة طفولتها لتصبح ملتزمة ولتتدرج لتصبح صاحبة دين، أو متدينة كما يصطلح على تسميتها.

تغير ريما صورة بروفايل صفحتها على الفيس بوك، نحتاج وقتاً لنفهم مضمون التغيير، في التعليقات عبارات المباركة والمدح تتكرر ممزوجة بالتركيز على جمال ظاهر، وبالتأكيد على قرار صائب! إذن الصورة لريما  بعد خلعها لحجابها الذي ارتدته منذ بلوغها الحادية عشرة من عمرها، وهي الآن في الرابعة والعشرين، أنساق مع التوجه العام  للعبارات   وأتقدم بالتبريك، وأتساءل عن جدوى المباركة هنا؟ أجل أحب الفتيات دونما حجاب، لكني أحب المحجبات أيضاً، وخاصة من ترتديه بإرادتها الخاصة. هو خيار شخصي  ومحبتي أو عدمها هي مجرد انطباع لا يغني صاحبة الحجاب أو المتخلية عنه. الأهم أن لا تعقد جلسات المحاكمة الدارجة الآن، محجبة وتلبس الفيزون الضيق، محجبة وتتكحل وأحمر الشفاه لامع على شفتيها، محجبة وتمشي مع الشباب وتدخن.

يبدو الحجاب قضية اجتماعية أو زي موحد في بيئات عديدة، حفلات مختلطة وتواجد مختلط في الاجتماعات والزيارات العائلية، لا بل أن توجهاً عاماً يطال الحجاب وتبدلاته، من نوع القماش إلى الألوان وصولاً إلى الكعكة الدائرية التي توضع على الشعر لتمنح الحجاب كثافة ظاهرة وحضوراً جمالياً مميزاً، وهذا ما يحيلنا إلى تفهم افتتاح محال خاصة لبيع الحجابات ومستلزماتها، محال تتجدد معروضاتها تماشياً مع تجدد الموضة الخاصة بالحجاب وتفاصيله الأخرى المحافظة على فكرة جوهرية واحدة، وهي كيف يتحول الحجاب إلى علامة جمالية.

تدرس الطب في سنتها الجامعية الخامسة، تعاملني وكأني أم لها، توشوشني قائلة: “الأحد سأخرج من البيت دون حجاب!”،  أقول لها: “وأمك؟”، أجابت: “لقد بكت أمي كثيراً وترجتني بأن أؤجل قراري على الأقل لحين خروجنا من بيت خالي  المتدين، والذي يرى أن الحجاب سترة لبنات بلا أب أو أخ، ويعشن في بيت الخال  الذي استضافنا في بيته منذ نزوحنا من بيتنا البعيد والمهدم، أو على الأقل حتى أتخرج كطبيبة”. ومن المعلوم أن مهنة الطب مهنة لها تميزها وثقلها الاجتماعي بحيث يحق للطبيبة مالا يحق لأختها المعلمة مثلاً. ويجيء يوم الأحد، تقترب  مني صبية جميلة يانعة بشعر مصفف بعفوية بالغة وبمكياج خفيف وطازج وتقول لي: “مو هيك أحلى؟”، تماماً على الموعد! كان لها ما أرادت. حضّرت لكل شيء، الموعد والشكل الذي تحلم به وسار كل شيء كما رغبت وكما قررت.

في شهر واحد أتعرف إلى ثلاث حالات لنزع الحجاب، ثلاثتهن صبايا عشرينيات،اثنتان منهما اتخذتا قرارهما بنفسيهما، وخاضتا جولات وجولات مع الأهل لتثبيت قرارهما الجذري، وتكللت الجولات ليس بالقبول وحده بل بإعلان الدعم المباشر في وجه القوالات والمعارضات أو المتهمات للفتاتين جراء قرارهما الجريء هذا. أما الثالثة فقد كان قرار  خلع الحجاب  من قبل أمها، والقصة شائكة التفاصيل هنا، لأن هبة مطلقة في التاسعة عشرة من عمرها بعد زواج لم يدم سوى سبعة شهور تكلل بولادة طفل لا يعرف أباه المتعسف والمسافر في السويد حالياً، ينادي جده ببابا. القصة أن شاباً تقدم لخطبة هبة مشترطاً أن تكون دونما حجاب، وهبة مترددة خوفاً من رفض أهلها، رفض التفت عليه الأم وفرضت على الأب قبولاً بخلع الحجاب مانحة طفلتها فرصة أخرى للزواج، بعد ما تعهدت برعاية الحفيد أيضاً لفترة محددة أثناء سفر ابنتها مع زوجها الجديد إلى  دبي. وتلافياً لقرار أهل الزوج بنزع وصاية الابنة عن طفلها بسبب الزواج، حسب النصوص الشرعية وقوانين الولاية والوصاية.

تبكي راما وهي تبارك  لهبة، قائلة لها: “يا ريت عندي أم متل أمك”. عشرات المرات قررت راما خلع الحجاب، لكنها تتراجع, دموع أمها تردها، وتقول راما: “أمي مريضة سكري وأخاف عليها من صدمة سكري”.

والحقيقة أن راما تخلع حجابها في جمعة الأصدقاء وفي السهرات المرتجلة لمجموعتهم المختلطة، شعرها طويل وجميل وتردد دوما عبارة: “حتى شعري بدو يتنفس”،أسألها: “ألا ترين تناقضاً في هذا؟”، تضحك وتقول: “هذا قراري وهم يحرمونني من تنفيذه، أنا صادقة مع الله والجميع يعلم برغبتي، والجميع يصر على حرماني من فرصة تحقيقها”. تحدق في عيني هبة وتقول لها: “لا اريد عريساً، سأخلع حجابي وبعدها  سأبحث عن حبيب يريدني كيفما كنت، لا بل أريده أن يفخر بأنني غير محجبة”.

تعود سلمى من زيارة أبنائها في السويد، في كل حديث لها، وخاصة لأفراد عائلتها ولسكان حييها المحافظ  اجتماعياً، تحصي على أصابعها العشر عدد السيدات اللواتي قمن بخلع حجابهن. تبرر للشابات، لكنها تبدي سخريتها وامتعاضها من خلع المتقدمات في السن لحجابهن، وترفق اندهاشها وامتعاضها بعبارة: “ليش؟ جنوا يعني؟ أو بدن يقلدوا السويديات؟”.

تزورني أم قصي، تريني صور كنتها الألمانية وتعبر عن فرحها بشقارها ونحالة جسدها، تغمز من قناة كنتها السابقة التي طلقت ابنها فور وصولهم لألمانيا, تصفها بالدبة! أي السمينة وثقيلة الحجم وتضيف: “حجابها يأكل كل وجهها النحيل، لدرجة أن ابني بات يخجل من تعريفها على أصدقائه الألمان، وما بين قصي وزوجته قصة قديمة جديدة مبنية على فروقات كبيرة بينهما بالموقف من الدين، مانطو كحلي وحجاب تقليدي ملتصق بالرأس وبلون باهت، وتبالغ زوجة قصي في دعوة زوجها بصورة متكررة للذهاب إلى الجامع لصلاة  يوم الجمعة على الأقل. قصي الذي عاد يوماً ليجد أن زوجته قد رمت بزجاجة الويسكي التي كان يخفيها على السقيفة حرصاً على مشاعر زوجته التي أعلمها ومنذ أول يوم في خطوبتهما بأنه يحب شرب الخمر ولو لمرة واحدة في الأسبوع. وقد وافقت حينها، لتطالبه الآن بالالتزام الديني تحت تهديد الانفصال, الأمر الذي حصل فور الوصول إلى بلد اللجوء.

تصطدم منار بموقف حماتها الرافض لاستقبالها في بيتها بعد خلعها للحجاب، والأغرب أن زوج منار هو من قام بوضع صورته  الجديدة مع زوجته على صفحته الشخصية مباركاً لها بالحلة الجديدة والجميلة بعد خلع الحجاب، لتتحول صفحته للائحة مباركات طويلة وحارة. يحاول الابن جاهداً مع أمه لقبول زيارة منار لها ولتقبل شكلها الجديد، سافرة كما تقول أمه وكأنها تهمة فادحة تستوجب القطيعة.

ثمة طرفة ترويها وداد قائلة: “جارتها رأتها ذات يوم شتوي بلفحة صوفية دافئة، فصرخت بها: (تحجبي  يا وداد نور الإيمان يشع من وجهك وانت ترتدين  الحجاب)، ضحكت وقلت: (أوله حجاب وآخره دعوة لإشهار الإسلام!)، فعبست الجارة وقاطعتني رغم صحبتنا القديمة والحارة، حيث اعتبرتني قد تطاولت وسمحت لنفسي بالسخرية من الإسلام في حضرة مسلمة متدينة”. الخوف من شبهة رفض العلامات الدينية خطر يهدد السلام الداخلي للمتدينات.

في الخضات الكبرى تتوه الحدود، تتضاءل وتتسع أو تتعقد وتضيق، والسمة العامة هي التبدلات الفردية التي لا ترقى لتشكيل حالة عامة, أو  لصياغة خطاب عام جديد ومتغير. تبدو التناقضات الحادة الطارئة والكاشفة للبنية الهشة للتوافقات العامة هي المحرك الأسرع لتغيرات متباينة ومتنوعة الحيز المكاني، لكنها تحفر عميقاً في الأرض الرخوة.

تتناسل القصص وتنتشر، تولد الاعتراضات والترحيبات، المباركات والتهديدات، ويبقى الإيمان عميقاً في وجدان البشر،لا يقاطع المتغيرات ولا يسعى إليها، حركة بطيئة تدور في الرغبات قبل اتخاذ القرارات، من يخطئ حسب التقييم العام قد يغمره خوف الضياع  والعزل، ومن يتجرأ يكسب السبق. ويبقى الاندماج والتكيف مع الأوضاع الجديدة والبناء عليها نحو تحقيق هوية خاصة وحرة ومتفاعلة  هو مجس الاختبار لعيش أسهل وأرحب وأكثر انسجاماً مع خيارات الإنسان وتطلعاته.

المصدر: مجلة سيدة سوريا