السوريون في السودان … ضيوف وأخوة

110

لمجلة سيدة سوريا- مزنة الزهوري

 قرر فادي الرحيل من لبنان بعد أن اعتقلته السلطات اللبنانية من مخيمات عرسال عدّة مرات بحجة تشابه اسمه مع أحد المطلوبين لها. فغادر بيروت إلى هولندا حيث يقيم أخوه علاء. و ما إن وصل خلال رحلة سفره إلى مطار اسطنبول، حتى قامت السلطات التركية بمنعه من الدخول، ليتوجه مباشرة إلى السودان. فالأخيرة هي المنفذ الوحيد من بلاد الله الواسعة التي فتحت أبوابها للسوريين واعتبرتهم ضيوفاً ورفضت تسميتهم باللاجئين.

 

سقطت تاشيرة الدخول عن السوريين القادمين إلى السودان، ليصبح الملاذ الآمن لهم رغم معاناته من ظروف سيئة أبرزها العقوبات الإقتصادية المفروضة عليه منذ قرابة العشرين عاماً. فـالفقر يطغى على مواطنيه!

سبع سنوات تمرّ على المشهد السوري الدموي، ومحطات الهجرة والتهجير تتعدّد. دول الجوار لم تكن الأرحم على السوريين، فقد لقي العشرات مصيرهم عند محاولتهم العبور إلى تركيا، أو داخل مخيمات لبنان أثناء مداهمات الجيش وعلى الحدود. كما تصدر مخيم الزعتري في الأردن أكبر كارثة لجوء في المنطقة بعد مخيم الركبان، بالنسبة للسوريين اللاجئين. يُضافُ إليهم أولئك الذين عبروا إلى أوربا بأمواج الموت.

تشير الإحصائيات التقديرية غير الرسمية عن اللاجئين المتواجدين في السودان إلى أنّ عددهم تجاوز (250) ألف سوري حتى الآن، وتتأثر الأعداد المتدفقة إلى السودان بحسب الأوضاع في سوريا، والسفر إلى مصر.

معاملة طيبة

كانت علاقة الشعب السوداني بالسوريين المقيمين فيه بأنّها معاملة طيبة وممتازة قبل آذار 2011. ولكنّ  السوريين الذين وفدوا إليها بعد هذا التاريخ، حصلوا على إمتيازات أكثر، مثل توفير مجانية التعليم في المدارس، كما توسعت رقعة المشاريع الإستثمارية لرجال الأعمال والصناعيين السوريين، ليُطلق على هذه المعاملة الافضل بالنسبة للسوريين من حيث الإستدامة والإجراءات القانونية.

تحاول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عبر معتمدية اللاجئين في السودان، وهي جهة حكومية محلية، أن يكون لها دور رئيس في مساعدة السوريين فيها، لكنّ طالما أنّ الحكومة السودانية لم تعتبرهم لاجئين، لن تتمكن المفوضية من ضخّ المساعدات لهم تحت مسمى “لاجئ”.

تقول أم محسن، النازحة من غوطة دمشق مع زوجها وأطفالهم الخمسة إلى السودان منذ  2014 لـ”سيدة سوريا”: “يبلغ إيجار المنزل غير المفروش، وسطياً في العاصمة السودانية الخرطوم حوالي 100$  شهرياً بالمقابل لا يتعدى أجر العامل فيها نصف المبلغ المطلوب لدفع إيجار المنزل. ويصعب السكن والإستقرار في الأماكن المتطرفة عن غيرها من المناطق الشعبية بالمدن السودانية، نظراً لشحّ الخدمات فيها. يُضاف إلى ذلك تكاليف المواصلات الباهظة. وعن الوضع الطبي، في حال  الدخول إلى الطوارئ في المستشفيات الحكومية يتوجب دفع 10$ تقريباً”.

أمّا عن وضع العمال، ربّما يكون هناك ظلم في الأجور بحسب الكثيرين، ولكن مكتب العمل وكذلك التأمينات يستقبل الشكاوى بغضّ النظر عن جنسيتهم وينصفهم.

يتركز تواجد السوريين في السودان حسب التدرج التالي  بمناطق الخرطوم، الكافوري-بحري، أم درمان، والتي تشكل مع بعضها مثلث العاصمة السودانية. بينما نجدهم خارج العاصمة في المناطق الزراعية ومنطقة مدني، حيث توفر فرص العمل و تكاليف المعيشة أرخص.

تتراوح إيجارات المنازل في السودان من 100$ إلى 400$ بحسب المنطقة، وتُعتبر الكافوري أكثر المدن التي يرغب الشباب السوري  أن يقطنها بكثرة نظراً لإحتوائها منطقة صناعية مؤلفة من العديد من المصانع لأصحاب الأموال السوريين، فحتى لو دفع الشاب السوري مقابلاً مضاعفاً  للإيجار والسكن، لكنّه يوفره بدل الصرف على  المواصلات، ويحاول تعويضه من قربه من مكان عمله.

أوضاع الشباب

تشكل العائلات حوالي 70% من نسبة السوريين في السودان، ولكنّ الشباب هم الغالبية سواء أكانوا من هذه العوائل أو نازحين بمفردهم. والسبب الرئيسي الذي دفع بهم للهرب من سورية ليس العمل، إنّما الحرب والموت والخوف من الإعتقال أو خدمة العلم. وتنحصر فرص العمل للسوريين فيها بالمهن التي يخلقونها بأنفسهم، كالحرفيات والعمل اليدوي كالمطاعم والحلاقة ونجارة الألمنيوم، هذه الحرف التي تستقطب العمال في ظلّ البطالة المرتفعة بين السودانين أنفسهم بالأصل.

كما أن أبرز العوامل الأُخرى التي تجذب السوريون للقدوم نحو الخرطوم هو التعليم، والحصول على الجنسية السودانية التي يشترط في الحصول عليها وجود ثلاثة متطلبات، هي تأشيرة دخول البلد، والتسجيل كأجانب، مع إقامة مدتها ستة أشهر، بعدها يحق للسوري التقدم ليكتسبها.

توقّف منتصر عن دراسة طبّ الأسنان في جامعة دمشق عام 2012، وكان حينها في السنة الدراسية الخامسة. ليلجأ إلى لبنان ثمّ يسافر منها إلى زامبيا، أقام فيها سنتين و نصف، درس عاماً واحداً ولم يكمل. وصل إلى السودان في آذار العام الجاري ليكمل تعليمه. يعدّ قسط جامعته ثاني أرخص واحد، بين الجامعات، أصبحت حالياً تكلفتها للمستجدين 3500$. ويخبرنا منتصر عن الفرق الشاسع بين تكاليف التعليم العالي بالنسبة لغير السودانيين فيها، حيث أنّها في بعض الجامعات تتعدى أحياناً العشرة آلاف دولار في السنة الواحدة للأجانب. فتكاليف التعليم العالي  في الجامعات الحكومية أعلى من تكاليف الجامعات  الخاصّة، بينما يُعامل بعض الطلاب السوريين معاملة السودانيين في الجامعات  الحكومية عن طريق حصولهم على منح دراسية فيها.

يمدح منتصر بمعاملة الشعب السوداني والطلبة منهم: “يتكرر شكرنا لسعة صدور أهلنا في السودان على كلّ ما بدا منهم تجاهنا ورفيع أخلاقهم وحسن ضيافتهم، بعد أن عشتُ ببلدان أُخرى من قبل تفتقد لهذا الشيء، وكنت أتمنى هذه المعاملة التي أحتاجها كلاجئ  في الغربة. أتحرك بحريّة في هذا البلد بدون أدنى مضايقة و أعيش كمواطن سوداني بكرامة. لامستُ حسن المعاملة من الفئة المتعلمة ومختلف شرائح المجتمع من الإخوة السودانين على حدّ سواء، إذ لايتوانى أحد عن مساعدتنا بإبتسامة وترحيب كطالب يحتاج المشاركة وضيف لا يحتاج الإحساس بالغربة. وبصفة عامّة نحن السوريون نفتقد هذه المعاملة بمعظم دول الشتات”.

ملف التعليم

في عام 2012 ، عندما بدأ السوريون بدخول السودان هرباً من بلدهم، أقدمت مجموعة من التجار والمستثمرين على تأسيس لجنة دعم للعائلات السورية في السودان، والتي يعتبرونها لجنة شعبية على حدّ وصفهم.

يحكي لنا الأستاذ مازن البيّات عن المكاتب والخدمات التي تقدمها هذه اللجنة، كونه المدير التنفيذي لها حالياً. والتي تشمل الإغاثة، التعليم، الصحة والعلاج، التوظيف وتامين فرص العمل، بالإضافة للمكتب الإجتماعي المعني بشؤون المرأة والطفل: “يقع مركز اللجنة في الخرطوم حيث يسهل الوصول لمختلف السوريين على الأراضي السودانية. فيما يأتي مكتب التوظيف على رأس الأولويات في عملنا. مهمتُه توفير فرص العمل للسوريين من خلال مجموعة البيانات التي تمتلكها اللجنة لأصحاب المصانع والمهن و الشهادات والتجار. تأمين الفرص تكون بمحاولتنا وصل هؤلاء الأشخاص ببعضهم عن طريق مكتب التوظيف لدينا، فمهمتتنا تشجيع السوريين على العمل والحصول على لقمة العيش بكرامتهم. يواكب هذا المكتب بمحاولته سدّ النقص الذي لا يستطيع تعويضه السوري المسجل لدينا رغم عمله بمرتب شهري، ليأتي دور المكتب الإغاثي للجنة ويرمم فجوة حقيقية. فالعامل السوري يحتاج أربع أضعاف راتبه تقريباً ليكفي منزله بأبسط الحاجيات الأساسية للمعيشة والتي تقدمها اللجنة بسلّة غذائية شهرية بناءً على دراسة  لوضع الأسرة”.

أمّا بالنسبة لملف التعليم فنجد الأستاذة نسيبة الأيوبي، وهي رائدة في الإنجازات ضمن هذا الملف. يقول الأستاذ مازن عنها: “هي أفضل مثال عن نموذج السيدة السورية المخلصة في عملها وسبيل تعليم أجيال سورية في الغربة. قدمت شيئاً متميزاً بالنسبة لملف التعليم وهي سبب نجاحه. وقد افتتح المكتب التربوي للجنة دعم العائلات في السودان بإدارة الأستاذة نسيبة والعديد من المدارس بالتعاون مع وزارة التربية السودانية، بدءاً من مرحلة الحضانة و المدارس الإبتدائية حتى الثانوية للبنين والبنات. تستوعب هذه المدارس حوالي 600 إلى 700 تلميذ وتلميذة. تعمل نسيبة على توفير وإحداث طرق تدريسية وتعليمية مبدعة ومبتكرة، والتي أشادت وزارة التربية السودانية بها، وبدأت بتطبيقها أيضاً في مختلف المدارس الرسمية. فالهدف الذي نعمل عليه هو إدماج السوريين مع المجتمع المضيف من خلال جعل مدارسنا متضمنة للثلثين من التلامذة السوريين وثلث من أشقائهم السودانيين”.

ولكن رغم كلّ الجهود التي تبذلها اللجنة مع الوزارة؛ لاتزال نسب تسرّب الأطفال السوريين من المدارس موجودة. ويعود هذا للبيئة المختلفة للطفل عن بلده، واللهجة في المدارس السودانية تشكل  عائقاً كبيراً أمامهم. يُضاف عليها خوف الأمهات والأهل، فالرعب يرافقهن بمجرد التفكير بخروج الطفل إلى الخارج أو المجتمع الجديد، نظراً للظروف التي هربوا منها في سوريا ممثلة بالقتل والإعتقالات والحصار والقصف وغيرها”.

ويضيف الأستاذ مازن: “هناك أيضاً العديد من الأطفال المنقطعين عن الدراسة لسنوات، بسبب النزوح الداخلي في سورية ثمّ اللجوء الخارجي. نحن بدورنا نعمل على تشكيل صفوف تاهيل لهؤلاء الأطفال لإلحاقهم بأقرانهم. نوفّر مدرسين بشكل خاص يساعدون الطلاب الذين يتقدمون لإمتحانات الشهادات الرسمية الإعدادية و الثانوية”.

ملف الصحة

أما على صعيد الصحة فقد اشتغلت اللجنة بالتعاون مع وزارة الصحة، عبر صندوق التأمين الصحي الذي كان ديوان الزكاة السوداني يسدد نفقاته حتى نهاية 2017. ومنذ ذلك الوقت تحاول المفوضية تكفُّل ملف العلاج لكنه لازال بسيطاً جداً مقارنة بالإحتياجات.

كما أنّ اللجنة تتعامل مع مجموعة من الأطباء السوريين و السودانيين ممّن يقدمون الطبابة المجانية للسوريين، وفق كتاب من اللجنة تخاطب به الطبيب المعني وتشرح فيه حالة المريض. بينما يتكثّف سعيها لتنفيذ مشروع طبابي، علماً أنّ الكادر وخطة العمل جاهزة، ولكن لا يوجد تمويل له حتى الآن.

يؤكد الأستاذ مازن على وجود دور فعّال جدا للسيدات السوريات في السودان، ابتدءاً من وجود لجنة نسائية مهمتها الزيارات الميدانية للبيوت لتفقد أحوالهم ومتابعة أمورهم، وإعداد التقارير عن وضع الأسرة، للعمل فيما بعد على كيفية مساعدتها.

تدعو أيضاً إلى ملتقيات ومنتديات تجمع العوائل السورية فيها، كل يوم  سبت من الأسبوع. يبلغ عددهم حوالي مئتي إلى ثلاثمئة عائلة. يجري في هذه اللقاءات تفعيل لمختلف الأنشطة (الترفيهية والتوعية والدعم النفسي…) مع كلٍّ من الأطفال والأمهات والفتيات. كلّ فئة على حدة. كما يتخللها أحياناً بازارات خيرية لمشاريع اقتصادية بسيطة تؤسسها السيدات وتعمل بها بدعم مقدّم من اللجنة.

وبحسب ما أخبرنا به الأستاذ مازن، أنّه في عام 2017 تمّ دعم 195 أسرة من خلال تقديم وسائل الإنتاج لها، لتنطلق بمشاريع مربحة بسيطة مثل آليات الخياطة وأفران للمعجنات. حيث يتم تمليك الأسر لأدوات الإنتاج مع المتابعة معهم لضمان استمراريتهم. وفي عام 2018، كان لهم مشروع مماثل على شكل قرض أو مرابحة، مقابل الأدوات المقدمة له ويسدد بصورة شهرية، ولا زال هذا المشروع قيد التجريب.

زواج الأطفال

وعن متابعتنا للأحداث الأخيرة ومدى تأثيرها على السوريين المتواجدين على الأراضي السودانية، أكدّت لنا العديد من المصادر هناك، أنّ السوريين حصلوا على تطمينات مباشرة من الحكومة السودانية. ويتجه عدد كبير منهم، إلى الإستقرار في هذا البلد سواء أكانوا عائلات، أو مَن يريد البقاء بغية التجارة والعمل وإعادة عائلته إلى سوريا دونه.

أما عن وجود ظاهرات عمالة للأطفال أو تزويج مبكر، فلم يُلاحظ أيّة حالة، على عكس ما يحدث في بلدان اللجوء المجاورة لسوريا كالأردن ولبنان.

أشار الأستاذ مازن لـ”سيدة سوريا”، إلى أنّ لجنة دعم العائلات وقفت في وجه كلّ محاولة لإستغلال القاصرات والزواج منهن. لأنّ اللجنة تهدف بشكل أساسي إلى بناء جيل متمكن قوي بعلمه وعقله، كريم بحياته من خلال جهوده في العمل والحصول على لقمة عيشه من تعبه بكرامة.

الجدير بالذكر أنّ جميع الكادر العامل في لجنة دعم العوائل السورية في السودان، هم من المتطوعات والمتطوعين، بإستثناء عدد ضئيل جدا يعملون تحت المسمّى الوظيفي.

ويعدّ مازن البيّات أحد التجار والمستثمرين السوريين الذين قدموا إلى السودان عام 2002، بعد  تشريع قانون الإستثمار فيها. دخلها مع غيره من التجار بغية الإستفادة من مجال عملهم في الصناعات الغذائية آنذاك.
المصدر: سيدة سوريا