العبور على أجساد النساء ما بين داعش والنظام في سوريا

74

 هند سالم -تكتب لمجلة سيدة سوريا

(لجوء ونزوح النساء السوريات والتغيرات الديموغرافية)

تعمل السلطة على التحكم في أجساد النساء سواء في وقت السلم أو في الحرب، فالنساء (من منظور السلطة) “أمهات الوطن”، ويقمن بإعادة إنتاج الحدود الفاصلة بين المجموعات العرقية/ الدينية، والهوية الرمزية للجماعة داخل حدود الدولة. لذا تصبح السيطرة على أجسادهن أمراً حيوياً لأي سلطة. سيعاقب هذا الجسد وسيتم الإنتقام منه في حالة تمرده أو تخطيه للحدود المرسومة له. وهذا تجلى في مواجهة السلطة الأبوية لحضور النساء في الميادين أثناء ثورات الربيع العربي (مع وجود تفاوتات في شكل وحجم مواجهات السلطة للنساء من دولة لأخرى)، ففي مصر على سبيل المثال، تم تنظيم حفلات تحرش جماعي ضد النساء المشاركات في الثورة، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى حدوث حالات اغتصاب جماعي. لكن حينما نتحدث عن معاقبة أجساد النساء أثناء مد ثوري سيختلف بالتأكيد عندما نتحدث عنه وقتما تتحول الثورة إلى ساحة حرب  مفتوحة كما حدث في سوريا.

لقد تم المرور على أجساد النساء في حمص ودير الزور وريف دمشق وحمص والحولة والبيضاء وبانياس، ودرعا… الخ، فكل مجزرة تأتي على أجساد النساء. ترحل النساء وخلفها ظلال، أطفال، وحكايات لا يمكن أن تُنسى.

تعلن التقارير المنشورة أن أغلب المتضررين من جراء المجازر التي تحدث في سوريا هي من النساء والأطفال؛ فقد ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان “أن ما لا يقل عن 186 مجزرة ارتكبتها أطراف “النزاع” الرئيسة الفاعلة في سوريا في النصف الأول من العام الحالي، أكثر من نصفهم نساء وأطفال. وأوضح التقرير أن المجازر التي تسببت بمقتل 2257 مدنياً، بينهم 660 طفلاً، 479 سيدة (أنثى بالغة)، أى أن 51% من الضحايا هم نساء وأطفال، وهذه نسبة مرتفعة جداً، ويعتبر مؤشراً على أن المجازر استهدفت السكان المدنيين”[i]

لقد عمد التنكيل بالنساء السوريات ليس من قبل النظام السورى فحسب، وإنما من كل اللاعبين الأساسيين داخل الساحة السورية، وقد يُنكل بالمرأة لمجرد أنها إحدى أقارب معارضي النظام السوري أو  معارضي داعش، وقد رصد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن أن ناشطيه تمكنوا من توثيق 6  حالات “سبي” على الأقل، لنساء من المسلمات السُنة، في منطقة الريف الشرقي لمحافظة “دير الزور”، أثناء هجوم لمسلحي داعش على المساكن العسكرية التابعة للفرقة 17 بالجيش النظامي، الموالي لبشار الأسد. كما أشار إلى قيام تنظيم “الدولة الإسلامية” باعتقال عدد من الفتيات في أوقات سابقة، بتهمة أنهن إما “عميلات للنظام النصيري”، في إشارة لنظام الأسد، أو “عميلات للصحوات”، التي يشارك عناصرها بالقتال ضد داعش، وأبلغ ذويهن بأنه قام بإعدامهن، إلا أنه لم يقوموا بتسليم جثامينهن إلى ذويهن.[ii] كذلك يقوم النظام السورى بإستخدام العنف الجنسى ضد النساء في السجون وأماكن الإحتجاز ونقاط التفتيش، ويستخدم ذلك الاسلوب كوسيلة عقابية ممنهجة ضد ضحاياه، فيُعد الاغتصاب “فزاعةً” يستخدمها نظام الأسد لتخويف المنتفضين ضده بحسب قول “مزنة دريد” مسؤولة حملة  لاجئات لا سبايا[iii]. هكذا تسحق السلطة أجساد النساء بدعوى الدفاع والحفاظ عن “وطن” يٌدعى سوريا، إلا أن سوريا لن يبنيها إلا هذه الأجساد التي قاومت الإنكسار والتفتت.

“سوريا المفيدة” مشهد الطائفية وموقع النساء داخلها

“سوريا المفيدة” مفهوم أطلقة بشار الأسد  في عام 2015 أى  بعد مرور 4 سنوات من الثورة السورية[iv] ليُقر علنًا ما مفاده أن الضرورات الميدانية تفرض واقعاً تركز فيه الحكومة السورية على مناطق أكثر من مناطق. تمتدّ “سوريا المفيدة”، التي يحاول النظام إنشاءها من الزبداني على الحدود اللبنانية، مروراً بالعاصمة دمشق، ومحافظة حمص بجزئها الواقع غربيّ نهر العاصي، ومدن الساحل السوريّ طرطوس واللاذقية، وصولاً إلى مدينة كسب على الحدود التركية. ويبدو – كما يرى العديد من الكُتاب السوريين والمتابعيين للشأن السورى- أن هذا إعلان واضح عن تقسيم سوريا على أساس طائفي، “فالنظام السورى والقوى الخارجية المتحالفة معه وعلى رأسها إيران دفعوا نحو الإستقطاب الطائفي كوسيلة في محاربة الثورة”[v] منذ بدايتها، فقد بدأ الحراك الثوري  في مناطق ذات أغلبية سنية دون أن يُضفي عليه سمة مذهبية. فالشعارات المدنية والمطالب المطروحة الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية[vi] ساهمت في نسج حالة من الإصطفاف الوطنى الأمر الذى أشعر النظام بالخطر ودفعه إلى شن حملات عسكرية للسيطرة على الموقف الميدانى في مناطق الحراك، تبعها مرحلة “التطهير المكاني”[vii]وإرتكاب العديد من المجازر ضد مناطق بها أغلبية سنية مثل مجزرة الحولة بريف حمص والتي استشهد فيها حوالي 116 شهيداً، نصفهم من الأطفال تحت قصف الجيش السوري. ففي مايو 2012 قام الجيش السوري بقصف الحولة، وبعد القصف قام مجموعة من الشبيحة من القرى العلوية المجاورة للحولة (القبو والشرقلية والقناقية)، مدعومين بقوات من الجيش النظامي باقتحام المنطقة ودهموا بيوت المدنيين وقتلوا كل من وجدوه فيها من رجال وأطفال ونساء ذبحاً بالسكاكين وبأدوات حادة أدت إلى تهشيم الرؤوس بوحشية مفرطة، وفي نفس الوقت الذى سال فيه كل هذا الدم والذى كان ضحيته أطفال ومدنيين، خاض مؤيدو الأسد معركة التشفي والتندر وعبروا عن نشوة الثأر بقطع النسل وإبادة جيل كامل في منطقة الحولة وترددت أصداء مقولات عنصرية وطائفية من مؤيدات عبر صفحات التواصل الاجتماعي: “ليمت أطفالهم فلو تركناهم يعيشون سوف يكبرون ويصبحون إرهابيين وعصابات مسلحة”.أكد أهالي الحولة على أن دوافع المجزرة كانت طائفية محضة، وتمت بمشاركة الشبيحة وعناصر أمنية وبعض سكان القرى العلوية المحيطة بالقرية، ومجزرة الحولة لم تكن الأولى في سوريا، فقبلها اقترف مؤيدو الأسد مجزرة حي كرم الزيتون بحمص في آذار عام 2012 وبعدها تواصلت سلسلة من المجازر [viii] التي تهدف ايضا إلى التطهير العرقى كالمجزرة التي حدثت ببانياس ذات الأغلبية السنية، والتي استشهد فيها أكثر من 173 أغلبهم من النساء والأطفال. تزامنت عملية التهجير القسري (نتيجة القصف والقتل التي يقوم بها النظام) مع حدوث حالات إحلال سكاني جزئي في عدد من المناطق التي شملها التهجير ومن أبرزها: القصير وبابا عمرو والدريب والسباع والحميدية في حمص، أحياء العمارة والأمين والجورة والشاغور في دمشق، منطقة جنوب دمشق كالسيدة زينب وحجيرة والحسينية وسبينة والذيابية ويبرود وعقربا في ريف دمشق، قبر فضة والرملة في حماة. أما الأدوات المستخدمة في الإحلال السكاني فمن أبرزها: نقل الملكية للوافدين الجدد إما من خلال التنظيم العمراني أو شغل منازل المهجرين بالقوة، أو من خلال شراء العقارات السكنية والأراضي الزراعية إضافة إلى توفير الخدمات وإعادة إعمار المناطق المهجرة. أما الوافدين الجدد فيتوزعون بين الفئات التالية: علويون، ميليشيات شيعية، شيعة سوريون ومتشيعون جدد[ix].

لا يمكننا حصر المجازر التي اقترفها النظام المستند إلى أساس طائفي والذى يتواكب معها إحلال سكاني  علاوة على المجازر والإنتهاكات التي لا تُعد لداعش وغيرها من التنظيمات الإسلامية التي تسبي النساء والأطفال وتقتلهم، وتنظم حلقات استتابة ودورات شرعية للسكان المحليين، وتجند الأطفال وتسرق المنازل والممتلكات، وفي نفس الوقت تستجلب نساء من بقاع الأرض ليصبحن “مجاهدات”  للدولة الإسلامية، كل هذه الإنتهاكات والمجازر المستندة إلى أساس طائفي تعمل على تغيير ديموغرافي قسري وتقسم سوريا على أساس ديني طائفي. هذا بخلاف عمليات التغيير الديموغرافي التي تتم من قٍبل الإتحاد الديموقراطى، وهنا علينا أن نتسائل أين تقع النساء على خريطة هذه القوى المتصارعة؟ هل يمكن أن تحصل النساء العلويات، أو الكرديات، أو “مجاهدات” داعش على امتيازات تمكنهن من العيش في وطن يحمى كرامتهن؟ بالتأكيد ستكون الإجابة بالنفي. فبالرغم من النساء لسن كتلة واحدة وقد تختلف مصالحهن وامتيازاتهن تبعاً لموقعهن إلا أن هذا الوضع المعقد والمتشابك لا يمكن أن يُنتج سوى الخسارة، واعتقد أن الخاسر الأكبر هو النساء من كل الطوائف والمذاهب.

رهان المقاومة (نساء سوريا بين السلطة والمقاومة)

“كانت حياتنا [في السابق] من النوع الذي يمكن التنبؤ به. كنا جميعاً نعرف بداية قصتنا ومنتصفها ونهايتها ثم جاءت هذه الأزمة وقلبت كل شيء رأساً على عقب. لم يعد من الممكن أن أعود لأفعل ما كنت افعل من قبل. لم يعد من الممكن لي أن أكون مجرد امرأة وديعة وعادية”. هذا ما قالته امرأة تبلغ من العمر أربعين عاماً وتعمل مترجمة ومحاضرة في اللغة الإنجليزية وهي الآن مسؤولة عن توزيع مساعدات الطوارئ لنحو عشرة آلاف أسرة في الشهر في مدينة حلب. “أنا الآن أعرف حلب والحلبيين أكثر من أي وقت مضى. فهذا التفاعل الذي لا مفر منه مع الناس ما كنت لأحظى به من قبل وقد غيّر نظرتي المستقبلية بالكامل”.

يقول “ميشيل فوكو”[x] أينما توجد السلطة توجد مقاومة وهذا ما يتجلى لنا حينما نتتبع حياة النساء في سوريا أو خارجها، فبالرغم من كل الإنتهاكات التي تعايشها المرأة السورية إلا انها قادرة على الإستمرار وخلق مساحات لها داخل هذا الفضاء الضيق الخانق، فحياتهن لم تعد كما كانت، فقد تغيرت أدوارهن الإجتماعية وأكتشفن أنفسهن. ففي ظل ندرة الحضور الفعلى للمنظمات غير الحكومية داخل البلاد، أصبحت النِّساء مشاركات نشطات في عمليات الإغاثة الإنسانية الأمر الذى أدى إلى إحداث نقلة نوعية في أدوارهن الإجتماعية ليصبحن عاملات من عوامل التغيير. ففي المناطق المحاصرة، تخاطر النساء – كما تقول رزين حداد مسؤولة المناصرة والاتصال الإقليمية للهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين، منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- بأنفسهن على الدوام للمساعدة في تهريب الأدوية أو الغذاء عبر حواجز السيطرة نظراً لأنهن قادرات على المرور دون تعرضهن للتفتيش من قبل السلطات في بعض الأحيان مع أنَّ العقوبة ستكون مغلّظة عليهن إذا ما اكتُشِف أمرهن. وأصبحت النِّساء أيضاً خط تزويد حيوي في هذه الأوضاع بل أصبحت مشاركتهن حاسمة في بقاء غيرهن من المدنيين على قيد الحياة. فالنساء في المجتمعات الفقيرة ممن كانت أدوارهن مقيدة إلى حد ما في حدود البيت أصبحن في غالب الأحيان الوحيدات من البالغين والبالغات في الأسرة ولم يعد من مفر لهن في تولي شؤون تدبير أمورهن بأنفسهن وأمور  الأطفال وكبار السن في الأسرة. والأمر نفسه ينطبق على النساء الريفيات اللواتي نزحن عن الأماكن حيث كنّ يكسبن قوتهنَّ من الزراعة، ثمّ وجدن أنفسهن الآن في سياق مختلف تماماً لا تكفي فيه مهاراتهن الزراعية لتدبير الأمور المعيشية اليومية. وهكذا، أصبحت النساء الآن مشاركات في نشاطات لم يألفنها من قبل، وتزايد الطلب على مشروعات كسب الرزق ارتفاعاً كبيراً في محاولة لتوفير دخل بديل لهن في حدود المهارات التي يمتلكنها[xi]. فالنساء هنا يُراهِن على التحرر من الخوف ويتطلعن إلى وطن قد يتسع لهن يوماً ما.

المصدر : مجلة سيدة سوريا
هند سالم (نسوية علمانية مصرية)

مرجع المادة

[i] – انظر/ى تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على هذا الرابط المختصر https://www.syria.tv/content

[ii] – انظر/ى تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان على الرابط التالي  https://arabic.cnn.com/middleeast/2014/11/14/isis-war-crimes

[iii] – انظر/ى مقالة سوريا جسد المرأة غنيمة DV على الرابط المختصر التالي الرابط https://www.dw.com/ar

[iv] – انظر/ى المعرفة على الرابط التإلى: https://www.marefa.org/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%8A%D8%AF%D8%A9

[v] – انظر/ى شبكة شام: التغير الديموغرافى فى سوريا على الرابط المختصر التالي  http://www.shaam.org/articles/studies-and-research

[vi] – المرجع الساق

[vii] – المرجع السابق

[viii] – حسين عبد الرزاق: مجزرة الحولة رعب الطفولة فى عيون القتلة، أورينت نت https://www.orient-news.net/ar/news_show/3524/0/%D9%85%D8%AC%D8%B2%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%B1%D8%B9%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AA%D9%84%D8%A9

[ix] – انظر/ى التغير الديموغرافي فى سوريا، مرجع سابق

[x] – ميشيل فوكو فيلسوف فرنسى، ويُعد من الأسماء الهامة فى النصف الثانى من القرن العشرين، من كته المراقبة والمعاقبة، تاريخ الجنون، تاريخ الجنسانية

[xi] – رزين حداد: تغير أدوار النساء فى سوريا، نشرة الهجرة القسرية https://www.fmreview.org/ar/syria/haddad