القانون رقم 10 يسلب ممتلكات السوريين المعارضين ويجعل من الصعب عودتهم لبلادهم

19

نور علي – تكتب لمجلة سيدة سوريا

 

تطارد السوريون المصاعب من كل حدب وصوب، فرغم خروجهم من بلادهم نتيجة الملاحقة الأمنية واستبداد المنظومة الحاكمة، إلا أنهم يشعرون بالغصة والحسرة، للوضع الذي وصلوا له، حيث لم يترك النظام السوري وسيلة إلا وفعلها، فبعد أن كان نهب البيوت والممتلكات يتم بشكل غير رسمي، هاهو يتحضر الأن لشرعنة سرقة البيوت والممتلكات بشكل قانوني.

وليس لدى النظام السوري أفضل من قانون مكافحة الإرهاب حتى يضع عليه كل الحجج لتمرير مشاريعه ومصادرة أملاك المعارضين وأهلهم.

وكانت قد أصدرت الحكومة السورية القانون رقم 10 لعام 2018 في 2 نيسان، الذي يقضي بالسماح بإنشاء مناطق تنظيمية في جميع أنحاء سوريا، مخصصة لإعادة الإعمار.

من هنا نرى أنه تحت حجة إعادة الإعمار يتم الاستيلاء على ممتلكات المعارضين، بعد أن قام النظام السوري بإعادة تموضعه في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، طرح عدة خيارات على السكان الذين يقطنون تلك المناطق ومنها إما أن يعودوا إلى حضن الوطن أو أن يذهبوا إلى إدلب، وكان الترحيل الأصعب الذي جرى في الغوطة الشرقية.

وقد نقلت صحيفة “سيدوتش” الألمانية عن وزارة الخارجية الألمانية معلومات تفيد بأن مرسوماً قد صدر يسمح بمصادرة أملاك اللاجئين في حال لم يتقدموا بإثباتات ملكية خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً.

وفقاً لموقع دويتشه فيله الألماني الذي أفاد بأن القانون المتعلق بـ”تنظيم الملكية”  صدر بعد عدة أيام من سيطرة القوات الموالية للنظام السوري على الغالبية العظمى من مناطق الغوطة الشرقية، وإجلاء أهلها إلى إدلب.

ومن جانب أخر يقول المتابعون لهذه القضية إن النظام السوري، ووفقاً لتصريحات أحد أعضاء مجلس الشعب، لم يصدر حتى الآن أي قرار بهذا الخصوص، إلا أنه  بعد فترة من الزمن مطلوب من السوريين تثبيت ملكياتهم، خاصة أن بعض المناطق تعاني من تدمير كبير وتعرضت لعمليات السطو والنهب.

ولا يستبعد السوريون المعارضون في أن يستمر النظام السوري في تطبيق خطته في مصادرة الأراضي وإجراء التغيير الديمغرافي، وسط صمت المجتمع الدولي الذي لم يتحرك بشأن إزهاق أرواح السوريين، لذلك فهو لن يفعل شيئاً حول الاستيلاء على البيوت.

رغم  نفي النظام السوري لصحة استيلائه على الممتلكات، إلا أن له سوابق في ذلك، فقد أصدرت وزارة المالية قراراً يقضي بالحجز الاحتياطي على أموال معظم القيادات السياسية للمعارضة، من المجلس الوطني والائتلاف، وقد طال القرار رئيس الائتلاف سابقاً أحمد معاذ الخطيب وجورج صبرا ورياض سيف وسهير الأتاسي وعضو الهيئة السياسية السابق ميشيل كيلو وآخرين.

الدول الأوربية التي تستضيف اللاجئين السوريين عبرت عن قلقها من محاولة نظام الأسد تغيير الأوضاع في سوريا على نحو جذري لصالحه وصالح داعميه مما يصعب عودة السوريين لبلادهم.

كما طالبت الحكومة الألمانية الأمم المتحدة بتبني هذه القضية، داعية في الوقت نفسه الدول الداعمة لنظام الأسد، وروسيا في المقام الأول، إلى الحيلولة دون تطبيق هذه القوانين.

 

وحول مشروعية وقانونية القرار رقم 10 قال قال عصام قولي، مدير الشؤون العقارية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة لموقع هيومن رايتس ووتش: “القانون رقم 10 هو قانون تنظيم عمراني ولا يؤثر على الملكية، إلا في حدود الحاجة إلى إنشاء المرافق العامة والبنى التحتية والمراكز الإدارية التي تخدم بالنتيجة السكان المحليين”.

ولكن القانون  وحسب رأي اخصائيين يؤثر في الواقع على حقوق الملكية ولا يقدم إجراءات محاكمة أو تعويض، ويصل حد الإخلاء القسري بحق المالكين ومصادرة أملاك من لا يملكون حقوق ملكية معترف بها. بموجب القانون الدولي، حق السكان في السكن الملائم خاضع للحماية، إضافة لعدم مقدرة اللاجئين العارضين تقديم أي طعن أو استئناف أو أية ادلة تدل على ملكيتهم.

فالقانون السوري يضمن للنظام تطبيق ما يريد، بالبيروقراطية في تطبيق الأحكام والتي قد تستغرق عشرات السنوات يساعد في الاستيلاء على حقوق اللاجئين الذين لا يستطيعون الدخول للأراضي السورية لتقديم أية وثيقة تثبت ملكيته، إضافة إلى أن السفارات في سوريا لا تعمل في كل البلاد الأوروبية التي يتواجد فيها السوريون.

وهناك صعوبة إنشاء وكالة لأقاربهم في سوريا  لتسيير امورهم وتوكيل محامي، فكل ذلك تكلفة اضافية لا يقوى عليها اللاجئ، مما يساعد في ضمان تطبيق القانون، حتى لو قالوا أنهم سحبوه، فهم يستطيعون الاستيلاء بحجج كثيرة أهمها العامل الأمني، فكثير من البيوت التي تم الاستيلاء عليها أمنياً في فترة الثمانينات بعد النزاع مع الإخوان المسلمين.

 

الاستيلاء على الأملاك العامة

في فترة الستينات، ونتيجة الازدحام السكاني في العاصمة دمشق وفورة ارتفاع العقارات، بدأت موضة جديدة وهي الاستيلاء على الأملاك العامة من قبل العساكر والضباط والموظفين القادمين من المدن الأخرى الذين ازدادت أعدادهم دون وجود أماكن سكنية تتسع لهم، وحيث أن القانون يضمن لهم أنهم في حال قاموا ببناء ولو غرفة ووضع حاجياتهم فيها لا تستطيع البلديات إخراجهم، فنمت هذه الظاهرة وانتشرت في مناطق متعددة من العاصمة دمشق لتصل لمدن أخرى.

فنمت أحياء كاملة من العشوائيات التي أثرت على شكل المدينة وتعارضت الأملاك العامة مع أملاك خاصة يطالب أصحابها بها.

كما سيحصل الآن في حال تم الاستيلاء على ممتلكات السكان الذين هم خارج البلاد، التي ستصبح بحكم القانون أملاك عامة تستطيع الدولة ان تفعل بها ما تشاء.

ففي مناطق ريف دمشق كان هناك الكثير من الأماكن التي تنوي الدولة إخلاء السكان منها بحجة اقامة مشاريع، ولقد وفرت الحرب الحجة للنظام كي يستولي عليها ويقوم بمشاريع تحت بند إعادة الإعمار.

 

نماذج تعرضت للاستيلاء على ممتلكاتها

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي قوائم، تعتقد منظمات حقوقية أنها دقيقة، تثبت صدور مئات الأوامر التنفيذية لأحكام بالحجز الاحتياطي قد تطال ربما آلاف الأشخاص.

هناك كثيرون تعرضوا للاستيلاء على ممتلكاتها، خاصة بين السوريين الذين يقطنون الأن في مدينة إدلب ممن ورد اسمهم في قرار المصادرة  منهم مهندس معماري شارك في الاحتجاجات ونشر مواد مناهضة للحكومة على الإنترنت فخسر منزله ومكتبه وأرضه الزراعية في الغوطة إضافة إلى سيارته.

وفي شهادة له نشرتها وكالة رويترز للأنباء قال إنه تلقى للمرة الأولى أنباءً عن إجراءات أمنية صادرة ضده حينما شطبته نقابة المهندسين من عضويتها تنفيذاً لأمر أمني وألغت معاشه التقاعدي. وعلى رغم انضمامه للاحتجاجات إلا أنه أكد عدم حيازته للسلاح أو استخدامه في أي مرحلة من مراحل النزاع وعدم مشاركته في الإدارة المحلية في منطقة الغوطة الشرقية ومع مغادرة العوائل في الغوطة الشرقية إلى إدلب تركوا خلفهم بيوتاً وأراض زراعية ولقد وضع النظام يده عليها بالكامل. وأصحابها ليسوا بوارد الاستغناء عنها.

. وبعد مرور سنة على بدء الثورة، عدّل الأسد قوانين مكافحة الإرهاب وأصدر مرسوماً يمنح المحاكم سلطة إصدار أوامر مصادرة أملاك خاصة لأسباب أمنية. في البداية يتم تجميد الأصول المنقولة وغير المنقولة بموجب هذه الأوامر، ما يمنع أصحابها من بيعها أو استخدامها لأغراض تجارية، وفي حال تنفيذ هذه الأحكام تعرض الدولة السورية هذه الأصول للبيع في المزاد العلني.

وقال طبيب من مدينة دوما في الغوطة الشرقية فرّ في نيسان ويعيش الآن في تركيا لوكالة رويترز، إن الحكومة استولت على منزله وأرضه وعيادته وسيارته. وأضاف إن كل ناشطي الثورة اعتبرهم النظام ارهابيين وحاكمهم غيابياً وحجز على أملاكهم.

وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن أوامر تجميد الأصول كانت ضمن عدد كبير من القوانين التي استخدمتها الحكومة السورية لمعاقبة المنشقين والمعارضين السياسيين. وتنفي دمشق أن تكون قوانين مكافحة الإرهاب تستهدف المنشقين السلميين أو تنزع ملكيات خاصة بصورة غير قانونية.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان إنهما تأكدا بدورهما من عدد كبير من الحالات. وذكرت الشبكة السورية أنها وثقت تعرض 327 شخصاً على الأقل لمصادرة أملاكهم بين عامي 2014 و2018. وقال المرصد إنه سجل 93 حالة مصادرة استهدفت نشطاء في المعارضة، مشيراً إلى وجود عدد أكبر بكثير من الحالات، لكنه لم يتمكن من التحقق منها بسبب خشية أصحابها من التطرق إلى هذا الموضوع.

ويخشى من طالتهم أوامر المصادرة على حياتهم إن هم عادوا بعد وصمهم بالإرهاب لكن خسارة ممتلكاتهم ستحول دون عودة أفراد أسرهم أيضاً يوماً ما إلى أرض الوطن.

 

خسارة الممتلكات تعني عدم العودة للبلاد

لقد أقلق القانون رقم 10 اللاجئين والدول التي تستضيفهم، إذ أثار مخاوف من أن  خسارة سوريين أملاكهم من العقارات في بلادهم، يقلل من احتمالات العودة، فالقانون قد يؤدي لحرمان اللاجئين من أي احتمالية  العودة، كما أنه سيسبب مشكلة للدول التي تستضيف اللاجئين، خاصة في لبنان والأردن وتركيا في إمكانية توطينهم، فقد أعربت الحكومة اللبنانية عن قلقها إزاء عدم قدرة اللاجئين السوريين على العودة لديارهم بعد إعلان الحكومة السورية تطبيق القانون رقم 10، فهذا القانون يُمكّن النظام السوري من رسم سياسته في التغيير الديموغرافي بشكل يتلاءم مع رسم سوريا الجديدة وإعادة إعمارها بما يتناسب وإمكانية دوام سيطرة الأسد على مقدرات السوريين وسوريا ككل.

ويقول المتابعون إنه وفق التجربة مع المرسوم 66، القانون السابق للقانون رقم 10، لا يحصل السكان الذين يتم إجلاءهم على تعويض مناسب أو سكن بديل، والأسهم التي يحصلون عليها عند إثبات ملكيتهم غير كافية للسماح لهم فعلياً “بإعادة شراء” ممتلكاتهم. حيث يتم تحديد التعويض مسبقاً بدون أي استئناف.

 

أنباء عن سحب القانون رقم 10

بعد أن تسبب القانون بمخاوف على الصعيد الدولي، فقد أرسلت في تموز الماضي  40 دولة رسالة إلى مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، من أجل دق ناقوس الخطر، قام البرلمان السوري في تشرين الثاني الماضي بالإعلان عن تعديل القانون 10 من أجل تمديد الفترة الزمنية لإثبات الملكية من 30 يوماً إلى عام، والسماح للمقيمين بالطعن في القرار في المحاكم العادية.

ومن جهة أخرى قال يان ايغلاند، مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، بعد اجتماع دوري في جنيف بشأن الأوضاع الإنسانية في سوريا إن روسيا أكدت أن دمشق سحبت القانون رقم 10، الذي يبعث على القلق الشديد لما يجيزه من مصادرة أراض وعقارات من اللاجئين.

و جراء ذلك على روسيا  أن تستخدم نفوذها لدى النظام السوري لمعالجة العقبات التي يخلقها القانون، وضمان أن يحمي أي بديل حقوق الملكية للمجتمعات المتضررة، بما يجعل اللاجئين قادرين على العودة دون المساس بممتلكاتهم حيث يقول العديد من اللاجئين والنازحين إنهم لا يجرؤون على وضع قدم داخل سوريا خوفاً من القبض عليهم وتعذيبهم واخفائهم.