اللجوء وأثره على المشهد السياسي في القارة العجوز- صعود اليمين الشعبوي ج 1/2

33

 

صعود اليمين الشعبوي يدفع الأحزاب التقليدية إلى سياسات أكثر صرامة بحق اللاجئين

بيسان سارة- تكتب لمجلة سيدة سوريا

تشكل قضية الهجرة اليوم واحدة من أبرز التحديات الطارئة التي تواجهها الحياة السياسية في القارة الأوروبية، بعد عقود من الهدوء السياسي التقليدي الذي ساد إبان الحرب العالمية الثانية، منذرة بتغيرات كبيرة في المشهد السياسي الأوروبي بعد الخسائر التاريخية التي منيت بها الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في كل من فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا، وبداية صعود الأحزاب اليمينية الشعبوية، التي لعبت بمهارة على مخاوف الناخب الأوروبي من نتائج الهجرة على الأمن والاقتصاد والهوية.

ويمكن القول أن السياسات الأوروبية حيال قضية الهجرة مرت بمراحل مختلفة بدأت بفتح الأبواب، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية مدفوعة بالحاجة إلى إعادة الإعمار، ثم قيود و ضوابط أكثر حدة أمام الهجرة واللجوء المقنن، خاصة مع وضع بروتوكول الاتحاد الأوروبي الذي يمثل تنظيماً جماعياً، وصولاً  إلى سياسات مرتبكة ومتباينة بدأت مع انهيار الأوضاع في العراق وأفغانستان، وما تلاها من  موجات النزوح الجماعي بعد اشتداد حرب النظام السوري على السوريين.

المشهد السياسي في ألمانيا … بانوراما عامة

تتصدر خمسة أحزاب سياسية المشهد السياسي في ألمانيا، وهي وفق التقسيم التقليدي أحزاب اليمين وتشمل حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وهو اتحاد لحزبين مسيحيين محافظين حزبي المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي، الذي يتواجد بشكل مؤثر في ولاية بافاريا مع الحزب الليبرالي، وأحزاب اليسار المتمثلة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي مع الخضر وحزب اليسار الجديد.

تأسس المسيحي الديمقراطي عام 1945 وقام بتعيين كونراد أديناور كأول مستشار ألماني للجمهورية الاتحادية «1949-1963»، وساهم بشكل فعال في بناء ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية لذا فهو الحزب الأكثر شعبية، يتخطى عدد أعضاء الحزب نصف مليون مواطن، يستلهم الحزب التعاليم المسيحية وهو حزب محافظ، لكنه يتبنى سياسة ليبرالية وأكثر توافقاً مع سياسات الولايات المتحدة، وعادة ما يتحالف مع الحزب الليبرالي الحر، في حين يمتد تاريخ الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى عام 1875، حيث تأسس  على مبادئ ماركس وفريدناند لاسال، ثم شهد صراعًا بين فكرتي الثورة والإصلاح. مثّلت جناح الثورة روزا لوكسمبورغ، ومثّل إدوارد برينشتاين بمراجعته الماركسية تيار الإصلاح. أيد الحزب الحرب العالمية الأولى ما سبب انشقاقات جديدة، وبعد تأسيس جمهورية فايمر تولى أيبرت، زعيم الحزب، رئاسة الجمهورية قبل صعود هتلر والحزب النازي في عام 1933 حيث تم حظر الحزب واعتقال وتعذيب أعضائه.

بعد الحرب العالمية الثانية تخلى الحزب في ألمانيا الغربية عن أفكاره الماركسية وتبنى الاشتراكية الديمقراطية وشارك في ائتلاف حكومي كبير مع الحزب المسيحي الديمقراطي عام 1966. ظل الألمان يرون فيه نموذجاً ناجحاً. استطاع شرودر قيادة الحزب للحكم خلال سبع سنوات من 1998 إلى 2005 بالتحالف مع حزب الخضر الذي تأسس مطلع الثمانينات كجزء من حركة اجتماعية صعدت في السبعينات مثل الجمعيات النسوية وحركات حماية البيئة وحركات السلام، وكان قرار رفض المشاركة في حرب العراق واحدًا من القرارات الهامة التي اتخذتها الحكومة في عهده على صعيد السياسة الخارجية.

نجح شرودر في الحفاظ على السلطة خلال انتخابات العام 2002 على الرغم من تساوي الحزبين الكبيرين في النتيجة بـ 38,5% لكل منهما، وذلك بالتحالف مع حزب الخضر الذي تفوق على الحزب الليبرالي الحر، واعتماداً كذلك على المقاعد العالقة، والتي تتسبب في زيادة عدد أعضاء البرلمان طبقاً للنظام الانتخابي القائم على الصوتين لكل مواطن.

قبل عام من الانتخابات قرر شرودر الذهاب إلى انتخابات مبكرة نتيجة تصاعد الانتقادات تجاه خططه الجذرية لإصلاح الاقتصاد ولمعالجة الضعف البنيوي. تلقت المعارضة تلك الخطوة بترحيب كبير، وبينما تحدث المراقبون، خاصة في البيت الأبيض، استناداً إلى استطلاعات الرأي عن عودة سهلة للحزب المسيحي الديمقراطي إلى السلطة، جاءت نتيجة الانتخابات متقاربة وغير حاسمة، إذ حصد حزب ميركل 35,2% بينما حصد شرودر 34,3% وحل الليبرالي الحر ثالثاً بـ 9,8% وتقدم اليسار على الخضر الذي حل خامساً بـ 8,1%.

هذه النتائج عقّدت الأمر تماماً وأطالت أمد المشاورات لأن كل الأحزاب استبعدت مشاركة حزب اليسار بوصفه حزباً متطرفاً، بينما لم يفضل الليبرالي الحر التحالف مع الاشتراكي. شرودر من ناحيته رفض أولاً الاعتراف بالهزيمة واعتبر النتيجة في صالح تشكيله حكومة جديدة لكنه لم يفلح في تكوينها. نجحت أنغيلا ميركل في إنهاء المشاورات لصالح تشكيل تحالف كبير بين الحزبين الكبيرين وبرئاستها في تكرار لتحالف 1966 ما مثل النهاية السياسية لشرودر.

وحتى اندلاع الخلافات السياسية حيال أزمة اللجوء التي شهدتها ألمانيا، هيمنت ميركل «أول امرأة تصل إلى منصب المستشار» على الحياة السياسية في ألمانيا، التي اتصفت بالرتابة وغياب المنافس القوي، بينما كانت أغلب الخيارات معبرة عن الطيف السياسي ومحل توافق. فرغم تراجع الحزب المسيحي الديمقراطي في انتخابات 2009 ليحقق 33,8%، إلا أن التراجع الكبير الذي مني به الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إذ حقق 23%، سهل المهمة أمام ميركل لولاية ثانية. وفي الانتخابات الأخيرة عام 2013 حققت ميركل واحدة من أعلى نتائج الحزب، إذ حصد 41,5% ما عبر عن سيطرتها التامة. وجاء هذا الصعود على حساب الحليف التقليدي للحزب الليبرالي الحر، الذي فشل في تخطي عتبة الخمسة بالمئة فيما حقق الحزب الاشتراكي تقدماً طفيفاً بحصوله على 25,7%.

في انتخابات عام 2017، تغيرت قواعد المشهد السياسي بعد سياسة الباب المفتوح التي انتهجتها المستشارة الألمانية ميركل، حيال أزمة اللجوء في العام 2015،  فحصد الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري الاتحاد المسيحي الاجتماعي 32.9% من الأصوات، مما مثل تراجعاً عن نسبة تمثيله بالبرلمان السابق، وانخفضت نسبة تأييد الحزب الديمقراطي الاشتراكي إلى 20.6%، واحتل حزب “بديل لألمانيا” المركز الثالث بنسبة 13.1%، في حين حصد الليبراليون 10.7% واليسار 9.2% والخضر 8,9%.

إضاءة على حراك الأحزاب اليمينية في ألمانيا

تشغل المجموعات العنصرية في ألمانيا منذ انهيار جدار برلين هامشاً في الحياة العامة، وتتأرجح أهميتها السياسية بين صعود وهبوط. في عقد التسعينيات تكررت جرائم النازيين الجدد ضد المواطنين الألمان ذوي الأصول الأجنبية وضد الأجانب المقيمين خاصة الأسر التركية، وكانت أكثر تلك الجرائم مأساوية جريمة حرق المحل السكني لأسرة تركية في مدينة سولينغن بولاية «ويستفاليا ـ شمال الراين» في 1993 والتي قتل بها 5 نساء وأطفال وأصيب العشرات. وفي التسعينيات بذل المجتمع جهوداً كبيرة لثبيت الطبيعة المتسامحة لألمانيا الجديدة وانفتاحها على مواطنين ومقيمين ذوي خلفيات عرقية متنوعة، وتبنت أحزاب يسار الوسط كالاشتراكي الديمقراطي واليسار كحزب الخضر والليبراليين كالحزب الديمقراطي الحر مبادرات لإدخال تعديلات على قوانين الهجرة والتجنس الألمانية للفصل بين الحق في التجنس وبين «روابط الدم» مع مواطنين ألمان، ما أدى إلى انزواء الأفكار العنصرية والمعادية للسامية والشوفينية الألمانية إلى خانات صغيرة وضعيفة التأثير. غير أن العقد الممتد بين 2006 و2016 حمل من الأحداث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ما أعاد إلى المجموعات النازية والعنصرية شيئاً من الفاعلية المجتمعية وأخرجهم من خاناتهم الضيقة إلى هامش أوسع في الحياة العامة، كان أبرزها التداعيات الأوروبية للأزمة الاقتصادية العالمية (2008) ثم لاحقاً الأزمة الاقتصادية التي ضربت  بلداناً كاليونان والبرتغال وإسبانيا وأيرلندا، وأسهمت ألمانيا (وهي المستفيد الاقتصادي الأول من وجود الاتحاد الأوروبي) بنصيب كبير في جهود الإنقاذ. ثم أسفرت الجرائم الإرهابية المرتكبة باسم الإسلام في ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى، وكذلك موجات اللجوء والهجرة غير الشرعية المتتالية والتي فتحت ألمانيا لها الأبواب في صيف 2015، عن تمكين المجموعات النازية والعنصرية من فرض كراهيتهم للغرباء على النقاش العام. قبل صيف «فتح الأبواب» للاجئين السوريين والملتحقين بهم في 2015، تشكلت حركة «بجيدا» العنصرية بعدائها للمسلمين ولذوي الأصول التركية، والعربية، وأعلن أيضاً عن تكوين حزب يميني متطرف جديد هو حزب البديل لألمانيا.

وبعد صيف «فتح الأبواب»، ومع توالي الجرائم الإرهابية باسم الإسلام على الأراضي الأوروبية، صعدت أسهم حركة «بجيدا» بسرعة وحقق حزب «البديل لألمانيا» انتصارات متتالية في انتخابات برلمانات الولايات في العامين 2015 و2016 مستحوذاً في بعضها على نسب مقاعد تدور حول 20 في المئة، في انتخابات البوندس تاغ عام 2017، اقتحم حزب “البديل لألمانيا” اليميني أسوار البرلماني الاتحادي لأول مرة منذ تأسيسه.

المصدر: مجلة سيدة سوريا