اللجوء وأثره على المشهد السياسي في القارة العجوز – الأحزاب التقليدية إلى سياسات أكثر صرامة بحق اللاجئين ج 2/2

11

 

صعود اليمين الشعبوي يدفع الأحزاب التقليدية إلى سياسات أكثر صرامة بحق اللاجئين

بيسان سارة- تكتب لمجلة سيدة سوريا

أزمة اللجوء وتأثيرها على الحياة السياسية في ألمانيا

في صيف العام 2015، أعلنت الحكومة الألمانية، عقب الحوادث المؤسفة التي عرضها الإعلام آنذاك لغرق مئات السوريين في المتوسط، واختناق العشرات الآخرين وهم مكدسين في شاحنات كانت تقلهم عبر النمسا، تعليق إجراءات دبلن للسوريين، ما يعني أنه لن يُعاد اللاجئون السوريون إلى أول بلد دخلوه في الاتحاد الأوروبي، حسب ما ينص عليه اتفاق دبلن ثم أطلقت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عبارتها الشهيرة “نستطيع أن ننجز ذلك”، مؤكدة أن استقبال السوريين “واجب وطني”، حينها انتشر ما سمي بـ “ثقافة الترحيب”، وأصبحت ألمانيا بعد ذلك الوجهة الأكثر استقطاباً لطالبي اللجوء في أوروبا.

واجهت هذه السياسة على الفور رفضاً قاطعاً من العديد من الدول الأوربية الأخرى، معلنة عن بروز انقسامات وخلافات حادة بين الدول الأعضاء، فوصفت هنغاريا تدفق مئات اللاجئين إلى حدودها بـ”الحصار”، واستنفرت بلغاريا قواتها على الحدود تحسباً لتدفق اللاجئين إلى أراضيها. وحذرت التشيك من اتخاذ دول الاتحاد الأوروبي إجراءات أحادية الجانب في مواجهة أزمة  اللاجئين، في حين  رفضت بريطانيا في البداية المشاركة في الخطة الأوروبية الموحدة التي تقضي باستضافة المهاجرين السوريين في أوروبا، ولحفظ “ماء الوجه” أعلنت أنها ستخصص نحو مليار جنيه إسترليني مساعدات إنسانية لهؤلاء اللاجئين.

مع نهاية العام 2015 ووصول ما يزيد عن المليون لاجئ إلى أوروبا، بدأ المزاج العام يتغير، وتعالت الأصوات في داخل البيت السياسي الألماني وخارجه تدين سياسة الباب المفتوح. ازدادت الاعتداءات على مراكز إيواء اللاجئين، وفي ليلة رأس السنة في مدينة كولونيا غربي ألمانيا، تم التبليغ عن حوادث اعتداءات جنسية وتحرش وسرقة وقعت في الساحة أمام محطة القطار الرئيسية في مدينة كولونيا أثناء الاحتفال بالسنة الجديدة، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى اتهام المستشارة أنغيلا ميركل، بأنها المسؤولة عن “السماح للمجرمين” بالدخول إلى ألمانيا.

زادت أزمة اللجوء من انقسامات الشارع الألماني، وكان على الائتلاف الحاكم أن يتوصل إلى قرارات جديدة، من شأنها  إغلاق الأبواب المفتوحة، فعمد الائتلاف إلى منع طالبي اللجوء الذين يحصلون على حماية محدودة من ضم أسرهم إليهم وذلك لمدة عامين، وكذلك تسريع عمليات ترحيل من يفشلون في الحصول على وضع اللجوء. لم يكن الحل الذي توصل إليه الائتلاف الحاكم كافياً لمواجهة الانتقادات الحادة التي وجهت لسياسة المستشارة الألمانية في ألمانيا، وحتى في دول الاتحاد الأوروبي، فعمدت المستشارة الألمانية التي تمسكت بالدعوة إلى حل أوروبي موحد في مواجهة قضية الهجرة إلى تقريب وجهات النظر في البيت الأوروبي، الأمر الذي أفضى إلى اتفاق أوروبي تركي يشمل مجموعة من الإجراءات وهي عودة اللاجئين القادمين عن طريق اليونان إلى تركيا مرة أخرى ومقابل كل مهاجر يعاد ستسمح أوروبا في المقابل بلاجئ سوري للدخول إلى أراضيها بالإضافة إلى تقديم مساعدات مالية إلى الحكومة التركية لإعانتها على استيعاب المزيد من المهاجرين واللاجئين السوريين، وأيضاً تسهيل عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بالإضافة للسماح لمواطني تركيا بدخول دول الاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى تأشيرة دخول.

قبيل انتخابات العام الماضي أعادت الأحزاب السياسية الألمانية تموضوعاتها وبرامجها الانتخابية بخصوص قضية اللجوء، فالاتحاد المسيحي دعا في حملته الانتخابية إلى اتباع سياسة لجوء أكثر تقييداً، وذلك من خلال فرض المزيد من القيود على اللاجئين والمتعلقة بلمّ شمل أسرهم. فضلاً عن تقليص عدد الأشخاص الذين يمكنهم الحصول على حماية ثانوية (إقامة لمدة عام واحد فقط). كما أصرّ على متابعة ترحيل الأفغان، الذين رُفضت طلبات لجوئهم إلى أفغانستان، رغم انتقادات بعض الساسة الألمان لذلك، على اعتبار أن أفغانستان ليست “بلداً أمناً”.

في حين دعا الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى تقديم المزيد من الأموال للولايات الألمانية لمواجهة أزمة اللاجئين. كما اقترح الحزب تأمين شقق بأسعار مقبولة للاجئين، ووعد بتسريع عمليات البت بطلبات اللجوء، وحلّ أزمة اللاجئين ضمن نطاق الاتحاد الأوروبي. وأكد حزب اليسار الألماني أنه يريد مكافحة الأسباب التي تدفع إلى الهجرة، بدلاً من التضييق على اللاجئين، كما دعا إلى الوقف الفوري للترحيل، وإتاحة الفرصة لجميع اللاجئين بالبقاء في ألمانيا. ومن ضمن الأمور الهامة التي يركز عليها الحزب هو ضرورة إلغاء اتفاقية اللاجئين المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. في حين دعا حزب الخضر الألماني، إلى تحسين ظروف المعيشة في المناطق الآمنة الخاصة باللاجئين، فضلاً عن توظيف أعداد أكبر من الموظفين في المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين للإسراع في البت في طلبات اللجوء. ومن ضمن الأمور الهامة التي ركز عليها الحزب أيضاً الحد من عمليات ترحيل اللاجئين إلى أفغانستان.

ومع النجاح الباهت الذي حققه التحالف المسيحي في انتخابات عام 2017، كان لابد من إعادة هيكلة نظام أكثر صرامة في التعامل مع قضية المهاجرين، تجلى ذلك في بنود الاتفاق الذي توصل إليه حزبا التحالف المسيحي قبيل تشكيل الحكومة، والذي ينص على وضع حد أقصى لعدد اللاجئين القادمين إلى ألمانيا، بحيث لا يتعدى 200 ألف لاجئ سنوياً من لاجئين وطالبي لجوء وأصحاب وضع الحماية الثانوية والقادمين، عملاً بمبدأ لم الشمل وإعادة التوطين، ما زاد في معاناة عشرات آلاف السوريين، الذين ما زالوا ينتظرون موافقة الحكومة الألمانية على السماح لهم بجلب عائلاتهم إلى ألمانيا.

ومن أبرز بنود الاتفاق أيضاً محاربة أسباب الهجرة والتعاون مع البلدان الأصلية، وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ودراسة طلبات اللجوء على المستوى الأوروبي في الحدود الخارجية إضافة إلى إصلاح نظام اللجوء الأوروبي ونظام دبلن.

في الاتحاد الأوروبي

فشلت الدول الأوروبية مجدداً في التوصل إلى اتفاق جامع بشأن اللاجئين يقوم على تقاسم الأعباء، إذ فشل برنامج إعادة التوطين الذي صُمم بين دول الاتحاد الأوروبي بغرض إعادة توطين 160 ألف لاجئ من الوافدين من اليونان وإيطاليا إلى دول أوروبية أخرى. وحتى أيلول عام 2017 “تم إعادة توطين ما نسبته فقط 18% من اللاجئين بعد عامين من الاتفاق. ورفضت دول كهنغاريا وبولندا أن تستقبل لاجئاً واحداً، في حين أن سلوفاكيا استقبلت 16 شخصًا فقط كما استقبلت جمهورية التشيك ما عدده 12 شخصًا فقط، وفق إحصائيات المرصد الأورومتوسطي، ومع اقتراب مواعيد الانتخابات الجديدة في الدول الأوروبية بدا الشارع الأوروبي منقسماً تماماً حيال ملف اللجوء، الأمر الذي دفع الأحزاب اليمينية إلى استغلال الموقف، وتحويل الانتخابات إلى نوع من الاستفتاء على قضية اللاجئين، واستطاع تحقيق العديد من النجاحات، حيث ارتفع عدد الأحزاب الشعبوية  من ٢٤ حزباً في عام ٢٠٠٠ إلى ٦٤ حزباً في عام ٢٠١٧، وطبقاً لإحدى الإحصائيات فقد صوت ٣٠ مليون شخص لصالح اليمين الشعبوي في ٢٢ دولة أوروبية خلال السنوات الخمس الأخيرة، و شكلت الأحزاب الشعبوية حكومات أغلبية في المجر وبولندا والنرويج والتشيك وسلوفاكيا وصربيا والبوسنة، وشاركت في حكومات ائتلافية في النمسا وسويسرا وبلغاريا وفنلندا. وتقود المعارضة في برلمانات بلجيكا وهولندا، كما حصل في انتخابات الرئاسة الفرنسية على ثلث أصوات الناخبين.هذا الصعود دفع أحزاب يمين الوسط لتبني سياسات أكثر تشدداً تجاه الهجرة، وأصبح من الصعب تشكيل حكومات ائتلافية متماسكة فكرياً في أوروبا الغربية، حتى أن تشكيل الحكومة في هولندا استغرق ٢٠٨ أيام.

اللاجئون كأزمة داخلية

يمكن القول بأن دوافع الحكومات الأوروبية عامة والألمانية خاصة في استقبال اللاجئين متعددة ومتقاطعة، فهي تتعامل مع موضوع اللاجئين كأزمة داخلية بالدرجة الأولى، فبعد وصول مئات الآلاف من اللاجئين إلى أراضيها تسعى السياسات الألمانية للحيلولة دون تحول وجودهم في المستقبل إلى أزمة أكبر نتيجة عدم اندماجهم في المجتمع أو تشكيلهم مجتمعات موازية ومنغلقة، كما تسعى أيضاً للتعامل مع اللاجئين على أنهم فرصة يمكن استثمارها من أجل دعم سوق العمل والحفاظ على المستوى الاقتصادي المتقدم في ألمانيا.

وفي حالات الهجرة المرافقة للحروب، كما هي الحال في سوريا، تكون الهجرة مرتبطة بالطبقة الوسطى في المجتمع، فهي ليست هجرة الشرائح الفقيرة التي تبحث عن حياة أفضل، وإنما هي هجرة كفاءات، وحتى في حال عودتهم إلى بلادهم بعد انتهاء الحرب فإنهم سيشكلون جسراً للتواصل والتعاون الاقتصادي والثقافي بين بلادهم وألمانيا، فمن الطبيعي أن يستوردوا لبلادهم التكنولوجيا والآلات الألمانية التي تدربوا عليها.

المصدر: مجلة سيدة سوريا