قاصرات في ريف إدلب… يصارعن زواجهن المبكر بالانتحار

83

تحقيق هاديا منصور – لمجلة سيدة سوريا

خرجت هيفاء (15عاماً) من غرفتها تصرخ قائلةً بأنها لا تريد أن تموت، وحين سألها زوجها عما جرى لها أخبرته بأنها تناولت حبوب الغاز السامة لأنها أرادت الانتحار، فأسرع بها زوجها إلى المشفى، غير أن هيفاء لم يكتب لها النجاة بعد أن كان مفعول السم قد سرى بكل دمها فتوفيت على الفور.

تزوجت هيفاء قبل انتحارها بسنة واحدة من رجل يكبرها بخمسة عشر عاماً، هي التي لم تحبه يوماً، حيث دفعتها المشاكل الزوجية والظلم والعنف من زوجها، الذي لا يرى فيها سوى خادمة له ولأهله، إلى الانتحار ومحاولة التخلص من حياتها، معلنة حالة من التمرد على مجتمع الأصل فيه هو الذكورية التي جعلت والدها يخرجها مجبرة من منزله لتدخل بيت زوجها. وهو ما دفع بفتاة بعمر هيفاء أن تلجأ للانتحار بعد أن وجدت كل ما حولها يكسوه السواد، وكأنها في حداد على طفولتها وسعادتها وأحلامها التي اغتالوها.

تكرر الحالات

لم تكن حالة هيفاء هي الوحيدة، فقد تعددت حوادث الانتحار لقاصرات في ريف إدلب، واللواتي كن ضحية الزواج المبكر الذي يعتبر ليس جديداً أو مستغرباً منذ ما قبل عام 2011، غير أنه في السابق كان المرجع الأول هو قانون الأحوال المدنية السوري المرتكز إلى الشريعة الاسلامية، فقد حدد المشرع السوري سن الزواج ب 18 عاماً للزوج و17 عاماً للزوجة، مجيزاً للقاصر الطلب من القاضي إذن زواج قبل بلوغ السن القانونية، وعليه يمكن للمراهق الذي أكمل سن ال 15 عام وللمراهقة التي أتمت ال 13 عام الزواج وفق شرطين، الأول أن يتبين القاضي صدق دعواهما والثاني احتمال جسميهما، أما حالياً وفي مناطق سيطرة المعارضة السورية والفصائل الاسلامية وغيرها، فيكفي عقد قران عند هيئة شرعية لإقرار الزواج حتى لو كانت الفتاة تحت سن ال 17 عام، كما أن مسببات الزواج تغيرت وأعمار الفتيات إلى انخفاض.

والدة هيفاء الأربعينية لم تتوقع يوماً تلك النهاية لابنتها، حيث تقول مبررة تزويج ابنتها هيفاء بعمر صغير: “أنى لنا أن نعلم بأن ابنتنا سوف تتصرف بهذا الشكل أمام ما يمكن أن يواجهها من مشاكل زوجية لا بد منها”، وتصمت قليلاً لتتابع بغصة: “لسنا وحدنا من زوج ابنتهم بهذا العمر، كثيرات هن من تزوجن بعمر ابنتي وخاصة في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد، ولكن قلائل هن من واجهن المصير ذاته، كيف لنا أن ننفق على عائلتنا الكبيرة والمؤلفة من سبعة أولاد وخاصة بعد تعرض والد هيفاء لإعاقة تسببت بتوقفه عن العمل؟ فنحن لا نملك سوى دكان سمانة صغير وهو بالكاد يرد علينا ما يسد الرمق”.

تعتبر أم هيفاء انها فعلت الصواب بتزويج ابنتها من رجل غني في البداية، غير أنها سرعان ما بدا الندم عليها واضحاً حين فجعت بابنتها التي أنهت حياتها جراء ذاك الزواج.

 دفن لائق

إحدى قصص الانتحار الأخرى كانت بطلتها سعاد (14 عاماً)، التي وجدت مشنوقة في غرفتها. وعن تفاصيل الحادثة تعددت الروايات، فالجيران يعلمون جيداً بأنها لم تكن سعيدة بزواجها، فهي تقيم مع عائلة زوجها ضمن غرفة صغيرة وسط منزلهم الواسع، وتتعرض لمعاملة سيئة من قبلهم وقبل زوجها، وهو ما دفعها في نهاية الأمر للانتحار. بينما يعزو أهلها وأهل زوجها سبب انتحارها لكونها تعاني من أمراض نفسية. وإذ كان من المتوقع من أهل زوجها اتهام سعاد بالجنون ليبعدوا مسؤوليتهم عن انتحارها، والذي من الممكن جداً أن يكونوا إحدى أسبابه لإساءتهم لسعاد وسوء معاملتهم لها، فإن أهلها أرادوا من خلال تأكيد مرض سعاد النفسي إنهاء الأمر هرباً من العار الاجتماعي ولضمان دفن لائق لفقيدتهم

أما أهل جمانة (14عاماً)، والتي انتحرت هي الأخرى بعد يأسها من حياتها بواسطة السم، فقد اعترف أهلها بانتحارها وبأنهم السبب وراء ذلك لأنهم لم يصغوا لمعاناة ابنتهم وأجبروها على العيش مع زوج يعاملها بقسوة. وعن قصة جمانة تحدثنا جارتها رويدة العلي  قائلة: “تزوجت جمانة في سن 13 عاماً، وكان زوجها ينتمي لتنظيم جبهة النصرة ، كان قلما يسمح لها بالخروج من المنزل ويجبرها إن خرجت على وضع النقاب، ويعاملها وكأنها إحدى ممتلكاته الخاصة التي لا يسمح لأحد برؤيتها، عدا عن ذلك كله كان يضربها ويهينها كلما فشلت في التعامل معه نظراً لصغر سنها، فهي لا تجيد الطبخ والأعمال المنزلية، وهو ما كان يغضبه باستمرار، وقد حاولت جمانة مراراً اللجوء إلى أهلها بغية تخليصها من زوجها، الذي كانت ترى فيه وحشاً وليس زوجاً، غير أن أهلها كانوا يضعون اللوم عليها في كل مرة ويعيدونها مجبرة إليه ليكون انتحارها نهاية مأساتها”.

 

الموت أو الطلاق

إن الأحداث التي تشهدها سوريا منذ عام 2011 وحتى الآن كانت عاملاً رئيسياً من عوامل زيادة نسب الزواج المبكر، فقد عانت السوريات بصفة خاصة من الحرب الطاحنة ودفعت ثمنها غالياً، فمنهن من تركن تعليمهن مقابل تأمين مستقبلهن ولو كان ذلك في صورة زواج مبكر، ووفق آخر الإحصائيات المنشورة بهذا الصدد فقد ارتفعت نسبة الزواج المبكر أو زواج القاصرات إلى 35 بالمائة عن العام 2015، وذلك وفقاً لتقرير أعده المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، وقد خلص تقرير الأخير إلى أن هذه الظاهرة تنتشر في مناطق سيطرة المعارضة التي تتعرض للقصف المتواصل وتعاني الفقر بحيث يتم تزويج القاصرات اللواتي يفتقدن إلى الإعالة والحماية.

رهف تزوجت ولم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، بعد أن أجبرها أهلها على الزواج من أحد مقاتلي التنظيمات الإسلامية، والذي يكبرها ب 15 عاماً نظراً لظروف الأهل المادية، لم يمض على زواج رهف أكثر من شهر واحد حتى بدأت “المأساة التي لم تدرك أسبابها ولا معانيها”، على حد وصفها، فقد تعرضت للكثير من الضرب والعنف والإهانة والشتم كونها لا تعرف كيف تدير أمور البيت الحياتية، هي التي كانت بالأمس تلعب مع أطفال الحي لتجد نفسها فجأة مسؤولة عن بيت وعليها أن تديره، وفي حال أخطأت فسوف تتعرض للعقاب.

تقول رهف متحدثة عما مرت به من ظروف سيئة: “بعد كل عقاب بالضرب كنت أفكر بالانتحار، فأنا لا أستطيع مجرد التفكير بالطلاق الذي يعتبر جريمة عند أهلي والمجتمع الذي ينظر للمرأة المطلقة على أنها غير سوية وغير مسؤولة”، وتؤكد رهف بأنها وبعد عدة محاولات فاشلة للانتحار طلقها زوجها ولم يمض على زواجها غير أشهر معدودة.

عودة رهف لمنزل والدها دفع الوالد لتزويجها مرة أخرى من رجل يكبرها هذه المرة بـ(25) عاماً والذي أجبرها على العمل في أحد مشاغل الخياطة لكسب المال والانفاق عليه، استمرت رهف على تلك الحالة أكثر من ثلاثة سنوات تعرضت فيها لأبشع أنواع المعاملة من الزوج ما دفعها لمغادرة المنزل والعودة ثانية إلى منزل والدها تاركة خلفها طفلين.

وبعد حصولها على الطلاق عاود الوالد تزويجها للمرة الثالثة من زوجها الذي تعيش معه اليوم، رهف لم تتجاوز الثامنة عشر من عمرها وقد تزوجت للمرة الثالثة.

الأسباب والدوافع

أسباب عديدة تدفع الأهل لتزويج بناتهم وهن قاصرات، جلها يعود إلى فقدان المعيل وإلى العادات والتقاليد والطبيعة الاجتماعية التي تجعل من الإناث الحلقة الأضعف فلا يدع خياراً أمامهن سوى الزواج، يضاف إلى ذلك الأسباب الاقتصادية ومنها الفقر والحاجة وعجر رب الأسرة عن تأمين مستلزمات الحياة اليومية لأفراد أسرته، ولذا غدا الزواج للقاصر الحل الأفضل وخاصة بعد تفكك البنية التعليمية.

ثمة أسباب أمنية وسياسية تقف خلف زواج القاصرات أيضاً، لا سيما في ظل غياب أي حل قريب بانتهاء الحرب، إضافة لانتشار حالات الخطف والاغتصاب، ما أفضى لزرع الخوف لدى الأهالي.

من جهة أخرى هناك رغبة لدى بعض الفتيات أنفسهن بالزواج بغية التخلص من حياتهن الراهنة والضغوط العائلية ساعيات للحصول على حياة جديدة ربما تكون أفضل.

منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة تعرف زواج الأطفال بأنه “زواج رسمي أو اقتران غير رسمي قبل بلوغ سن الـ(18) عاماً”، وهو حقيقة واقعة بالنسبة للفتيان والفتيات، رغم أن الفتيات أكثر تضرراً بشكل غير متناسب، حيث بات معلوماً بأن الفتيات اللاتي يتزوجن في سن مبكرة غالباً ما يتركن التعليم ويصبحن حوامل وهو ما يهدد  صحتهن الجسدية والنفسية، كما أن الأزمات النفسية المرتبطة بالحمل والولادة تعتبر عنصراً هاماً لوفيات الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و 19 عاماً في جميع أنحاء العالم، بحسب ” يونيسيف”، وذلك  أن الفتاة القاصر وبسبب الزواج والولادة في سن المراهقة تطرأ على جسدها ونفسيتها تغيرات كبيرة  بسبب حالات الاكتئاب وإحساس بفقدان الشعور بأهمية الحياة، وبأن أعباءها من أولاد ومسؤوليات كبيرة عليها.

وفي تفاصيل أكثر عن الأسباب التي تدفع الفتيات القاصرات للانتحار، تحدثنا المرشدة النفسية علا كريم (30عاماً) قائلة: “غالباً ما تعاني العديد من الفتيات القاصرات من اضطرابات نفسية ترجع بشكل أساسي إلى تلك الصدمة التي تتعرض لها تلك الفتيات جراء زواجهن المبكر، حيث  لا يزلن في مرحلة الطفولة ولم ينضجن بعد، لذا يقعن فريسة الأمراض النفسية مثل الهيستيريا، الفصام، الاكتئاب، القلق والخوف وبالتالي الانتحار أحياناً”، وتوضح أن عدم نضوج الفتاة بشكل كاف، والذي يجعل منها غير قادرة على التعامل أو التصرف مع زوجها بشكل جيد، وخاصة في تلك الحالات التي يكون فيها فارق السن بينهما كبيراً مما يتسبب بحدوث الكثير من المشاكل هو ما يدفع بها للانتحار.

كما وتبين الكريم بأن الفتاة القاصر تفتقد لهويتها الاجتماعية نتيجة هذا الزواج ويزداد لديها الشعور بأنها لا تملك شخصية خاصة بها، ويرجع هذا الأمر لإحساسها بعدم قدرتها على اتخاذ أي قرار يخصها، والأصعب من ذلك كله هو عندما تغدو الفتاة القاصر أماً وهي لا تملك ثقافة أو خبرة تمكنها من التعامل مع أطفالها، هي التي لا تزال في مرحلة الطفولة، فكيف لها أن تتعامل مع أولاد “ففاقد الشيء لا يعطيه”، ويضاف إلى ذلك كله بأن الفتاة القاصر لا تستطيع إدارة شؤون منزلها بالشكل الجيد أو الكافي.

وبدورها تقترح الكريم مجموعة من الحلول للحد من زواج القاصرات وبالتالي انتحارهن، منها تحسين الأحوال الاقتصادية للقاصر وإعالتها اجتماعياً، فسح مختلف المجالات لتقديم تعليم أفضل للفتيات مما يؤدي إلى نضجهن فكرياً، تنفيذ التشريعات المناسبة، زيادة الوعي لدى الاهالي بخطورة الزواج المبكر وتأثيراته على الفتاة والمجتمع من خلال وضع برامج توعية دينية وثقافية للأسر في مختلف المدن والقرى السورية، وضع استراتيجية متكاملة إعلامياً لمناهضة زواج القاصرات و تنشيط دور المؤسسات المدنية ومنظمات حقوق الإنسان.

وإلى أن تنفّذ بعض حلول الكريم في بلد تعاني حرباً شعواء قضت على كل شيء فيها، تستمر ظاهرة زواج القاصرات لتبقى الفتيات الصغيرات هن الخاسر الأكبر بعد أن فقدن الكثير من حقوقهن في الحياة والتعليم والطفولة.

المصدر: مجلة سيدة سوريا