ما الثمن الذي دفعته اللاجئة السورية في ألمانيا؟

152

ترجمته وأعدته لمجلة سيدة سوريا: رهف موسى

عندما جاءت آية، وهي لاجئة سورية تبلغ من العمر 23 عاماً وتعيش في مدينة آخن الألمانية الغربية، من دروسها في اللغة بعد ظهر أحد أيام تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كان المنزل في حالة من الفوضى. وبعد عملية بحث محمومة، اكتشفت أن عربة ابنها “جود”، البالغ من العمر سنتين مفقودة، إلى جانب جوازات سفرهم وهوياتهم. حاولت التحدث مع زوجها محمد، لكن هاتفه كان خارج التغطية. بعد بضع ساعات، تلقت آية مكالمة هاتفية من سوريا من شقيق زوجها قال لها فيها: “احزمي حقائبك، محمد أخذ جود إلى سوريا، ويريد منك أن تلحقي بهما”.

كانت التعليمات بسيطة. إذا أرادت أن تكون مع ابنها، فسيكون عليها أن تسلك نفس الطريق الذي سلكته هي وزوجها قبل أكثر من ثلاث سنوات، عندما لجآ إلى أوروبا. بدلاً من ذلك، اتصلت آية بالشرطة، فابنها ولد في ألمانيا، وتعلمت خلال إقامتها في البلاد أن لها حقوقاً.

عودي إلى ثقافتك

لكن الأوان كان قد فات، حيث أخبرتها الشرطة إن زوجها وابنها استقلا طائرة إلى اليونان في ذلك الصباح، ثم أكمل شقيق زوجها بقية التفاصيل: “بمجرد وصولهما إلى اليونان، أخذهما أحد المهربين عبر الحدود إلى تركيا، ليتجها بعدها إلى سوريا”. بعد بضعة أيام، وصلت سلسلة من الرسائل النصية إلى آية: “إذا كنت تريدين ابنك، عليك أن تعودي إلينا”، كتب زوجها من مسقط رأسه في إدلب، حيث الهدنة غير المستقرة بين الطرفين في الحرب. “لقد أصبحت ألمانية. عودي إلى ثقافتك ودينك وشعبك. تعالي لتكوني أماً جيدة مرة أخرى”.

في رسائل قليلة، لخص محمد هماً مركزياً للعديد من اللاجئين السوريين في ألمانيا: كيفية التعايش مع حريات وطنهم الجديد مع الحفاظ على ثقافة وتقاليد ما تركوه وراءهم. مرت ثلاث سنوات منذ وصول أول موجة كبيرة من اللاجئين السوريين إلى ألمانيا. الآن وبعد أن تجاوزوا الصدمة الأولى للانتقال، ينصب تركيزهم على بناء حياتهم من جديد. وقد تمكن البعض من أخذ الأفضل من كلا العالمين، بينما يكافح آخرون، ممن يخشون من أن يفقدوا هويتهم السورية بينما يستمرون في العيش في ألمانيا. لكن إذا لم يتبنوا بعض أساليب الحياة الألمانية، فإنهم يخاطرون بالعزلة والحرمان من الوظائف والأنشطة التي يمكن أن تساعدهم على الاندماج.

“التقاليد والعادات مفيدة للصحة النفسية. ولكن إذا كنت عالقاً في ثقافة بلدك، فقد يصبح من الصعب الاندماج هنا”، تقول منى بونيمان، وهي أخصائية نفسية سريرية تعمل مع اللاجئين في مدينة بيليفيلد، بالقرب من كسانتن. تؤكد الثقافة الألمانية على الحريات الفردية التي غالباً ما تكون متعارضة مع المجتمعات التي تعتز بالروابط العائلية القوية والمسؤوليات التي تترتب عليها. على عكس الموجات السابقة من المهاجرين الذين جاءوا بحثاً عن وظائف وكانوا مستعدين بشكل أفضل للتكيف مع بلدهم المضيف، لم يكن لدى مجموعة اللاجئين السوريين الجدد خيار كبير حول مغادرة المنزل أو حتى المكان الذي انتهى بهم المطاف. بالنسبة للبعض، فإن اشتراط تعلم اللغة الألمانية وتبني القيم الألمانية يمكن أن يبدو وكأنه فرض وليس فرصة، خاصة عندما تتعارض هذه القيم مع العادات السورية.

أريد حقوقي

تقول بونيمان: “أحد أكبر جوانب التوتر هو دور المرأة في المجتمع. وقد بدأت مؤخراً في رؤية زيادة في التوترات الزوجية، حيث تثور النساء في كثير من الأحيان، بعد أن أدركن أنهن لم يحصلن على حقوقهن قط، فهن يلاحظن المجتمع من حولهن، ويتعرفن على العائلات الألمانية ويردن الحصول على نفس الحريات. بعضهن مصممات على الحصول على  حقوقهن الجديدة، وإذا لم يحصلن عليها، فإنهن يطالبن بالطلاق”.

عندما وصلت آية ومحمد إلى ألمانيا في أيلول/ سبتمبر 2015، كان قد مضى على زواجهما شهر فقط. كانت الحياة في مخيم اللاجئين صعبة، وكثيراً ما كان محمد يضرب زوجته. تقول آية، التي طلبت عدم تعريفها هي وزوجها إلا بأسمائهما الأولى من أجل حماية ابنها: “سمع الناس صراخي، لكن لم يتدخل أحد لإيقاف الأمر، لأنه في مجتمعنا، ليس من شأن أي شخص أن يتدخل بين الرجل وزوجته”. توقف الضرب عندما التحق محمد وآية بدورات إلزامية في اللغة الألمانية. يومها علمت آية بحقوق المرأة في ألمانيا، وعلم محمد أن ضرب زوجته أمر غير قانوني، وبعد عام ولد ابنهما جود.

تقدمت آية، وهي طالبة في الهندسة المعمارية في سوريا، في صفوفها الألمانية، لكن محمد لم يستطع مجاراتها، وسرعان ما تولدت لديه الغيرة من تقدم زوجته. تقول آنا بيبر، وهي متطوعة في منظمة كاريتاس ساعدت الزوجين على الاستقرار: “كانت آية أكثر ذكاءً من محمد، وكانت هذه مشكلة بالنسبة له، فهي التي كانت تتعامل مع جميع الأوراق الألمانية للأسرة”. شعر أن دوره كرجل للمنزل قد انهار. وكلما زادت صداقة آية مع زميلاتها من الطالبات والأمهات الألمانيات في مجموعة لعب ابنها، ازداد عدد معارف محمد من الجالية السورية التقليدية المتمركزة في مسجد مجاور، حيث وجد الرجال الذين شاركوه في غضبه وكفاحه للعثور على عمل.

استاء محمد من مطالب آية التي ساعدها في القيام بالأعمال المنزلية بينما كانت تواصل دراستها الألمانية. تقول آية: “أراد أن يعيش بالطريقة السورية، لكني أردت حياة جديدة هنا في ألمانيا، أحببت الحياة هنا خلافاً له”.

تجادلوا كثيراً، كما تقول آية، حتى بات العيش بينهما لا يطاق. وعند تشجيع صديقة، فعلت آية شيئاً لم تكن لتقوم به في سوريا، حيث طلبت الطلاق، تقول: “شعرت بأنني أمتلك حقوقاً كامرأة، ولم أكن أهتم بما تقوله الثقافة والمجتمع السوري”، وبعد أسبوعين عاد محمد إلى سوريا. الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تعود بها آية إلى جود، هي أن تمزق أوراقها الخاصة باللجوء أمامه.

 

إشكاليات الاندماج

كان الاندماج حجر الزاوية في قرار المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لقبول قرابة مليون لاجئ في عامي 2015 و 2016، حيث كان من المتوقع أن يتعلم القادمون الجدد – حوالي نصفهم من السوريين – اللغة الألمانية ويجدون وظائف في نهاية المطاف. شرط الاندماج كان لتخفيف مخاوف الناخبين الألمان من أن المهاجرين الجدد سيكونون عبئاً على الاقتصاد، وكذلك لتجنب الانعزال الذي تعانيه الموجات السابقة من المهاجرين من تركيا والبلقان. لكن الاندماج الثقافي لم يكن محدداً بشكل واضح.

تقول بيبر، التي ساعدت في تسوية أوضاع المئات من العائلات السورية التي وصلت إلى مدينة كسانتن في عام 2015: “في البداية، كان الجميع متحمسين للغاية. لكن الآن أصبح الألمان يوافقون فقط في حال تمكن المهاجر من الاندماج، وهو أمر شديد التعقيد. وقد استغل حزب أقصى اليمين المتطرف المشاعر المعادية للمهاجرين، ودخل البرلمان للمرة الأولى في عام 2017. وتحت الضغوط، أعلنت ميركل في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أنها لن تستمر في منصبها لفترة أخرى”.

بالنسبة لكثير من الرجال والنساء السوريين، فإن كلمة الاندماج ترتبط بفقدان الإحساس العميق بالهوية الثقافية. تقول رشا (32 عاماً) التي وصلت مع عائلتها من حلب في عام 2016: “أصبحت اللغة الألمانية تعني فقدان قيمي وتقاليدي السورية”. وعلى الرغم من تشجيع زوجها لها على خلع الحجاب، إلا أنها تجد نفسها غير جاهزة لمواجهة الأمر، فهي تشعر بنفسها تسير عارية أمام العامة.

يقول غسان، زوج رشا، إن الأمور مختلفة في سوريا، حيث توفر العائلات الكبيرة شبكة أمان. يريدها أن تتعلم اللغة الألمانية وأن تجد وظيفة تسهم في دخل الأسرة. “لماذا لا تكون زوجتي قوية ومستقلة؟ ماذا لو حدث لي شيء ما؟ يجب أن تكون قادرة على العمل”.

لكن رشا، التي تزوجت غسان عندما كان عمرها 14 عاماً ولديها الآن خمسة أطفال، لا تعرف شيئاً عن العمل خارج المنزل. تقول: “لا أحد، بصرف النظر عن زوجي، يطلب مني تغيير أي شيء، لقد فقدنا منزلنا بالفعل في سوريا، لكن قيمنا هي التي تجعلنا نرتبط بمجتمعنا وثقافتنا. هم كل ما تبقى لنا”.

التحدي، ليس فقط بالنسبة للاجئين الجدد، بل أيضاً للمهاجرين من الجيل الأول، حيث أن القيم يمكن أن تتحول إلى حواجز في مسيرة الاندماج. تنتشر شائعات سورية بانتقاد آباء اللاجئين الذين يسمحون لبناتهم المراهقات بقضاء بعض الوقت مع الأولاد، أو المطلقات والأرامل اللاتي يبدأن بمواعدة الرجال – وخاصة الرجال الألمان. تقول علا شود، وهي أم عازبة تبلغ من العمر 35 عاماً من طرطوس: “في اليوم الذي اكتشف فيه الناس أنني أواعد ألمانياً فقدت كل أصدقائي السوريين”. لقد وجدت الرفقة، لكنها فقدت أيضاً رباطها النهائي مع وطنها – مجتمعها. “أشعر بالعزلة الآن” تقول، وهي لا تزال غير متأكدة من أنها اتخذت القرار الصحيح.

تقول بونمان، العالمة في علم النفس: “أرى هذه المعضلة في كثير من الأحيان في عملي. إن وجود شبكة دعم اجتماعي أمر حيوي للاستقرار العاطفي للاجئين، لكن التحدي يظهر عندما تضطر المرأة للانفصال عن الشخص الذي يسيء إليها والمطالبة بالاستقلال، الأمر الذي يتعارض مع المعايير الثقافية لمجتمعها، أنا أتفهم لماذا لا يرغب شخص ما في الإساءة إلى الشبكة الوحيدة التي يملكها”.

ثمن باهظ

وجه النظام القضائي الألماني اتهامات ضد محمد زوج آية لخطفه ابنه جود، وفي حال عاد إلى الاتحاد الأوروبي، فسيتم اعتقاله. وعلى الرغم من أن جود من مواليد ألمانيا، إلا أن الحكومة تعتبره مواطناً سورياً، حيث لا تتمتع الشرطة بسلطة قضائية. وإذا عادت آية إلى سوريا للبحث عن ابنها، فستفقد حقها في اللجوء في ألمانيا.

تقول بيبر: “الأمل الوحيد هو أن يدرك محمد أن طفله سيحظى بفرص أكثر في ألمانيا ويسمح له بالعودة، لكن آية تعتقد أن ذلك لن يحدث، لأن  محمد خائف من الاندماج، ويخاف من أن يكبر جود في ألمانيا”.

وهكذا تواجه آية خياراً مؤلماً، فهي تفتقد جود بشدة، وتقضي معظم أيامها في غرفة نومه، تنظر إلى ألبومات الصور الخاصة به، وتقوم بترتيب  ملابسه بحب وتشم بيجامته التي كان يرتديها قبل ليلة خطفه ولا تزال تحمل رائحته. زوجة أخ آية تعيش في نفس المجمع العائلي الذي يعيش فيه محمد في إدلب، وترسل لها تحديثات سرية حول حالة ابنها جود. في بعض الأحيان، إذا كان محمد خارجاً، تساعد آية وابنها جود في التحدث عبر الفيديو، لكنه أصغر من أن يفهم ما يحدث.

في هذه الأثناء، تتصاعد التوترات في سوريا مرة أخرى مع بدء الولايات المتحدة سحب قواتها. التغطية الإخبارية لمعركة تلوح في الأفق قرب إدلب هي مصدر كوابيس لآية. “غادرت سوريا لأنني لم أكن أريد أن يكون لدي طفل في هذا الوضع، والآن يوجد ابني على أرض المعركة”.

بعد أشهر من الانتظار، تدرس آية الاستسلام لمطالب محمد والعودة إلى ديارها. لكن الثمن باهظ. “إذا عدت إلى سوريا، فسأفقد كل شيء تعلمته في ألمانيا”، تقول، وهي تتجول في صور لحياتها في المنفى على هاتفها. حتى لو حصلت على الطلاق ونجحت في الاحتفاظ بجود، سيكون من المستحيل مواصلة دراساتها في الهندسة المعمارية كأم عزباء. “سأفقد نفسي في سوريا. سأفقد حقوقي، وملجأي، وتعليمي”. تتوقّف على صورة ابنها في حفل عيد ميلاده الثاني، في أيلول/ سبتمبر الماضي، تنهمر دموعها وتقول: “جود أهم شيء في حياتي”.

المصدر: مجلة سيدة سوريا

الرابط الأصلي

http://time.com/5492641/syrian-refugees-women-germany/