دون ديللّو” رواية فنانة الجسد .. الحياة من ثَقب أسود

103

لمجلة سيدة سوريا- عرض وترجمة: محمد عيد إبراهيم

تُعتبر رواية “فنانة الجسد”، للروائيّ الأمريكيّ دون ديللو، هي الرواية الحادية عشرة، والتي أصدرها بعد ثلاثين عاماً من الإبداع، روايةً ومسرحاً ونقداً، وهو المعروف بأستاذيته التي تكرّر نجاحاته روايةً بعد أخرى، خاصة في روايتَي “أمريكانا” و”عالم تحتيّ”. يقدم فيها ديللو رؤية ما بعد حداثية للحياة، كما تعبر عن نفسها في الحكاية التي يتم سردها بصوت يعيش في زماننا، صوت أرواح منسيّة، تسكُن أصابعنا وتحاور ثقافتنا، فيما هو أكبر من الحياة، أكبر من أجسامنا وهي تعيش الحياة.

يسكن دون ديليلو عالم هارتكي، “فنانة الجسد”، التي تتحدّى بعملها حدود الجسم الفيزيقية، وتواجه رجلاً غريباً، دون عمر محدّد، ويبدآن رحلة في بريّة الزمن، الزمن والحبّ وكل مُدركات الإنسانية. وكما يقولون، إن الروايات الفذّة تعلمنا كيف نقرأها، فكلّ كتاب يخلق مزاجه الخاص ونبرته المميّزة وصوته السرديّ المتألّق. لكن كلّ شخصية في هذه الرواية تتحدّث بكلمات مؤثّرة تُقارب قصائد النثر. ورغم أن الحوار قليل، إلا أنه يدعم كيان الرواية ويأسرك بعمليات القَطع واللّصق التي يجب على القارئ الحصيف أن يُعيد تركيبها ليستعيد توترها ضمن مساق الرواية، التي تتّخذ من قصاصات اللغة وفُتات الأحداث عالماً بسيطاً، يُعنى بما هو بين أيدينا من ماديّات وتفاصيل الحياة أكثر مما يُعنى بالأمور الكبرى وقضايا العالم الساخنة. إنها تسرد عالماً خاصاً عليك أن تشارك في أحداثه بما تخزنه من معرفة أو تملكه من ذكريات.

حوادث فطرية لا تُحتمل

قد يشتكي القارئ أن هذه الرواية دون أحداث، بليدة المحتوى، لا تُفضي إلى شيء في النهاية، فهي عن لا شيء في الحقيقة. لكنه لو أغلق الباب، ونحّى الفهم جانباً، فسيجد نفسه منفتحاً على معجزة باهرة. إن الرواية تتمثّلنا ضمن تجليات كلّ شخصية، وتستكشف من خلال ثقب أسود ما يحدث للحبّ حين يموت فجأة ذلك الحبّ الذي راح ولم يعد له ثمة وجود حيّ.

عليك، كي تستمتع بالرواية، أن تهيم في دروب من الوعي والعبارات المُكرّرة والأشباح، كي تتوق لإعادة الحياة، تتألّم على بسمة أو تحنّ إلى لمسة، لتتحقّق من كينونتك، فتسمع الكلمات التي قيلت ذات يوم، وكانت جزءاً من حياتنا اليومية، في عاديّتها وابتذالها أحياناً، لكنها صارت جزءاً من زماننا. وتُعبّر البطلة، فنّانة الجسد، عن كُنه هذا العبث اللامجدي، وتقترح حلولاً وتفسيرات لما لا يُفسّر. فهل كان الرجل الذي تكلّمه وتتفاعل وتسكن وتنام معه ضيفاً حلّ على المنزل، أم كان صيغة من احتلال ذات ما قد انقرضت بنوع من التواصل للتعويض عن غياب راي؟ أم أن هارتكي امرأة يائسة من حزنها وعزلتها لا تخترع فحسب غير أوهام؟

يقول ديللو في الرواية “يبدو الزمن عابراً. العالم واقعٌ، ينبسط إلى لحظات، بينما تَفِد لتُحدّق في عنكبوت منضغط بنسيجه. هناك لمحة نور وإحساس بأشياء محدّدةٍ بدقّة مع خطوط بريق جارٍ على الخليج. تعرف هويّتكَ أكثر في يوم صافٍ، بعد عاصفة، حين تُطعَن أصغر ورقة متهاوية بوعي الذات. تُحدثُ الريحُ صوتاً بأشجار الصنوبر، ويدنو العالم من كينونته، صعبة الإبطال، ويركب العنكبوت نسيجَه المترنّح في الريح. أجرَت ماءً من الصنبور، وبدا أنها تراقب. أول مرة تراقب هذا. راقبت تحوّل الماء من الصنبور، إلى لون كامد في ثوانٍ. يجرى فضياً ثم صافياً ثم يستحيل في ثوانٍ إلى كامد. وبدا الأمر فضولياً طيلة هذه الأشهر وطيلة هذه الأوقات التي تُجري فيها ماءً من صنبور المطبخ فلم تكن في البداية تراقب كيف يجري الماء صافياً ثم لا يصبح معتماً بالضبط بل كامداً، أو ربما لم يحدث ذلك من قبل، أو أنها راقبته ونسيت. تتأوّه آهته، لكن بعمق غير ملائم كان مصدر إزعاجها أيضاً”.

 

الاتساع مقابل العمق

تضحّي رواية “فنانة الجسد”، للروائيّ الأمريكيّ دون ديللو، بالاتساع مقابل العمق، فها هي تضيّق منظورها على حياة واحدة، وموت واحد. لكنها تملك عليك منافذ الإحساس، بكل ما تطلقه من ملامس الأشياء فوق وعي جلدك، ومسام روحك. نرى بطلة الرواية، لورين هارتكي، وهي تشارك زوجها، راي، الإفطار بالصفحات الأولى، وهي صفحات تشير في ما تشير إلى ألمعية باهرة لروائيّ كبير. تمرّ أفكار مرحة على بال لورين وهي تصبّ الحبوب فترى تفاصيل مألوفة كلنا يراها ولا يلتفت، أو تفتح الصنبور فتلحظ صوت الماء في مقطع بليغ، أو تطلّ من النافذة فترى حفنة عصافير تجثم على الشباك تحاول التقاط فتات ثم إلى طيران، أو وهي تدير حواراً سخيفاً لا طائل من ورائه غير اللعب بالفن.               

يمضي راي من مائدة الإفطار، إلى منزل زوجته السابقة، ليفجّر رأسه. ثم يترك للقارئ أن يفكّ الألغاز، التي لا تنفكّ في النهاية. عادت لورين من جنازة راي، لتستأجر نزلاً صيفياً فتكتشف حياة مستخفية غريبة بحجرة فارغة، رجل عييٌ لا يملك الإفصاح عن نفسه، قد يكون معوّقاً، وهو هناك من أسابيع. حضوره قاس عليها، ثم يبدأ هذا الكيان الملغز الكلام بصوت راي، وصوتها، يستعيد حواراتهما تقريباً قبل انتحار راي.

هل تناسخ زوج لورين؟ أم كان الرجل ببساطة مجرد معتوه يختلس السمع، ثم يعيد إنتاج العبارات التي سمعها من قبل في مخبأه؟ لا يفضّ دون ديليلو الموقف. بل يدع لورين تخطو إلى مزيد من الإلغاز، وتتأمل ما تريد عن هذا التماهي الظاهر بين الماضي والحاضر، بين الحياة والموت. يقول ديليلو “هكذا المزاج. صوت وتدافع وضباب وراءك فتنسلّ إلى حياتكَ من جديد، تحسّ بثقلٍ مؤلم في صدركَ”.   

وبخبرة عالية، يسعى إلى التجريد في رواية صغيرة الحجم، لكنها تقلق روحك من المغامرة والخطر. فعليك أن تستعذب أو تستطعم كل فقرة، بل كلّ عبارة، أو بالأحرى كلّ كلمة، فهذه الرواية تأسر اللبّ وتثير الخيال. انظر إليه يستذكر “لماذا لا يجلب عليك موت من تحبه الدمار الشنيع؟ فأنت لا تعرف كيف تحبّ من تحبهم إلى أن يختفوا فجأة. ثم تفهم كيف ابتعدت قليلاً عن معاناتهم، كم كنت توفر على نفسك غالباً، بقلب غير محترس إلا نادراً، فتشغّل شبكاتك من العطاء والأخذ”.

 

عبارات مقشّرة مقتصدة

تأكّد أنك في المزاج الصحيح لتقرأ مثل هذه الرواية، فلن تجدها رواية تقليدية ولا درامية ولا مسطّحة، ولا حبكة فيها. لكنها سترغمك على التفكير في طبيعة الهوية ومن نحن. إنها نوع من الخرافة الحديثة، أكثر من كونها رواية. فالعبارات قصيرة مقشّرة في شذرات أحياناً، ورغم خفّتها إلا أنها كثيفة في الآن نفسه. فعليك أن تقرأ بنظرة فنية، وستنال مكافأتك في النهاية.

يقول ديللو “أنزل كوب العصير. أخرج العلبة من قميصه وأشعل سيجارة، السيجارة التي يدخّنها مع قهوته منذ بلوغه الثانية عشر، كما أخبرها، وجعل العود يشتعل قليلاً قبل أن يهزّه بحركة بطيئة مولعة بالتأمّل ثم يضعه على حرف صحنه. كانت تتقبّل رائحة التبغ. فهي جزء من خبرتها عن جسمه. عطر الرجل، راسب دخان وعادة لا تنقطع، بُعد ليليّ، تفرزه من الشَعر الرماديّ الملتفّ بصدره وتتذوّقه من فمه. حيث يكون بالعتمة، سجائر ونوم مغمغم ومائة شيء آخر قابل وغير قابل للتسمية. حين تتطلّع الطيور في المنازل، فماذا ترى من عوالم مستحيلة. فكّروا. ودّت تصديق أن الطائر يراها، امرأة بفنجان شاي في يدها، ولا يهمّ تعاقب الليل والنهار، شبح مكان ينطلق من الزمان. هناك غرابة في صوته، أثر يتطوّر حتى وهو يتحدّث، استطاعت تتبّع مصدره. ليس ذلك انتحال شخصية صريحاً فقد سمعت عناصر من صوتها، وصال سريع، أزيز خفيف من عمق الحلق، درجة نغمته، رنينه، وصعوبته بالبداية، أثيريّ تقريباً، يكشف أن صوتها قادم من شخص آخر، منه هو، وأزعجها ذلك بشدّة. لم تتأكّد إن كان صوتها. ثم تأكّدت. بدا متلبساً دورها في حوار مع آخر. هناك شفرة بأبسط حوار تدلّ المتحدّثين عما يدور خارج الصوتيات المجرّدة. كانت مفقودة حين يتكلّمان. نبضة مفقودة. يصعب عليها التوافق مع درجة السرعة. لديهما كلمات غير منضبطة. فقدت معه اللمسة، فقدت الاهتمام أحياناً، لم تعد تعيّن راحة الإيقاع أو شواهد التوقيت أو السكنات المسموعة التي تساير تعليقاً. لم يسجل استجابة بوجهه لأشياء قالتها وضلّلها هذا. لا درجات توكيد هنا أو فتور هناك. بدأت تفهم أن كلامهما دون حسّ زمنيّ والإشارات عند مستوى غير منطوق. إنه الشيء الذي لا يفهمه أحد. وفي المكان الماديّ حيث يعيش، حياً من جديد، كلمة بكلمة، لمسة بلمسة، وهي تفتح عينيها وتغمض عينيها وتفكر بومضة عين أن العالم قد تغيّر. كان ينتهك حدود الإنسانيّ فيه. تنسجم عيناها مع سماء الليل. مضت بعيداً عن المنزل، بعيداً عن سفح النور الكهربيّ، أصبحت السماء أعمق. راقبت طويلاً فبدأ النور ينتشر ويذوب ماضياً نحو سكون أعمق، ينمّي أطواره والمقادير والسنين الضوئية بأرقام يصعب بلوغها حيث ينبغي على المرء أن يخترع أسماءً بلهاء لتمثّل صفوف الآحاد والأصفار والقوى والأبعاد حيث لغة وقت النوم بالطفولة هي وحدها التي تنقذنا من الرعب والخزي. في البداية استخدمت صوتاً على الهاتف لا يخصّ أحداً، صوت بشريّ محايد الجنس، ثم شرعت تستخدم صوته بعدئذ. صوته، صوتٌ حادّ جاف، بجسم مجوّف، كطير يهمهم على لسانها“.  

هل نعرف الحبّ فقط، حين نفقده؟ فالحياة تمضي، بصدمة غير متوقّعة، هل نعتبرها خطأنا؟ وهل نحسّ بالذنب لأننا عاجزون عن الفهم؟ وكيف ينفجر كون وجودنا، ويتحلل روتين حياتنا، مخلّفاً وراءه العدم فجأة؟ فيا لها من رحلة! في البداية تحبطك الأسئلة، ثم تسكن حياتك بمعانيها الراقدة كأصل الغصن في الغصن.

 

سيرة روائي

دون ديللو، روائيّ أمريكيّ من أصل إيطاليّ، ولد في نيويورك عام 1936، تخرّج في جامعة فوردهام 1958، وتمثّل رواياته عالم ما بعد الحداثة حيث تصوّر غربة وقلق الأمريكيّ من الإفراط في المادية والثقافة الشعبية واصطناع الحروب. بدأت رواياته بحسّ فكاهيّ وأسلوب معقّد، ثم استحالت إلى روح سوداوية يملكها الجهل والنزعة إلى التدمير. وقد صوّرت آخر رواياته “المتساقط” حادثة 11/9 بمشهدية رعب شبحية. واحتلّت معظم رواياته لقب أفضل المبيعات في أمريكا وأوربا. كتب عدّة مسرحيات، منها: غرفة النهار (1986)، حب أكاذيب نزيف (2005)، مسألة الثلج (2007). له سيناريو واحد “اللعبة 6” (2005). ونال جائزة الكتاب القومي، وجائزة بن فوكنر للرواية، وجائزة ايريش تيمز للرواية. وهو عضو الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب.

 

من رواياته: أمريكانا (1971)، لاعبون (1977)، كلب راكض (1978)، الأسماء (1982)، صوت أبيض (1985)، برج الميزان (1988)، ماو الثاني (1991)، عالم تحتيّ (1997)، كوزموبوليس (2003)، المتساقط (2007)، النقطة ياء (2010)، الصفر ك (2016).

بالإضافة إلى عدد من مجموعات القصص القصيرة، منها: نهاية أسبوع ضائعة/ الراكض/ حياة ساكنة/ منتصف الليل مع ديستويفسكي/ الخطّ.

وكذلك عدة مسرحيات، منها: مهندس ضوء القمر/ غرفة النهار/ نزيف أكاذيب الحبّ/ كلمة ثلج.

عرض وترجمة: محمد عيد إبراهيم