الإبادات الجماعية .. هزائم لم تنته حتى الآن

76

تكتبها لمجلة سيدة سوريا- زينة عامر

 

منذ القدم عرف عن الإنسان ميله للعنف، ورغبته في ارتكاب أعمال جرمية بين وقت وآخر، تختلف بشاعتها وشدتها إلا أن حقيقتها تبقى واحدة، عنف موجه ومقصود تجاه إنسان آخر أو مجموعة أخرى من البشر، اختلفت نظريات علم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم حول منبت هذا العنف، إلا أنه وبالرغم من المحاولات الكثيرة لفهمه والحد منه لم يزل ماثلاً حتى الآن.

الكثير من الفظائع والأعمال الوحشية ارتكبت عبر التاريخ إن كان باسم الدين، أو تحت أي مسمى آخر كالعرق واللون والمذاهب، ووسمت بعض الشعوب بأنها شعوب مهزومة ومضطهدة لكثرة المجازر والإبادات التي حدثت بحقها، ليست هزائم فردية وإنما هزائم جماعية نتجت عن قتل ممنهج، استهلكت البشرية فيها الكثير من الخسائر المادية والفكرية والثقافية، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، ويمكننا القول بالرغم من التطور الكبير والاختلاف الجذري في بعض مجالات الحياة بين العصور القديمة والعصور الحديثة، إلا أن فكرة الهزيمة لم تنتف نهائياً من حياة الشعوب، ولا زالت الصراعات بين البشر حاضرة مهما اختلفت أسبابها بين اقتصادية ودينية أو عنصرية لكنها حاضرة، وبين الحين والآخر تحدث إبادة لشعب أو أعمال عنيفة،  وتهجير وحروب، بالطبع يتبع هذه الإبادات والحروب خسائر كبيرة على مستوى المادة والفكر والثقافة وتتراجع الشعوب وتنحدر سبل المعيشة لتبدأ ثانية هذه الشعوب ببناء نفسها، والبدء من جديد لإعادة هيكلة نفسها ومحيطها، وكما يحدث في كل الحروب يبقى النساء والأطفال هم الضحايا والأكثر تضرراً.

الإبادة الجماعية، وحسب بيان جنيف الصادر عام 1948،  اسم يطلق على القتل الجماعي المنظم، الذي تقوم به السلطة أو الحكومات تجاه الجماعات، على أساس ديني أو عرقي أو قومي أو سياسي، وقد صنفت الإبادات الجماعية كجريمة دولية، منذ إعلان جنيف.

 

راوندا :

لم يخل التاريخ القريب من المجازر والإبادات، وكانت من البشاعة بحيث بقيت آثارها حتى الآن، ففي راوندا مثلاً قتل ما يقارب 800000 شخص بغضون مئة يوم، في صراع حدث بين جماعتي الهوتو والتوتسي، حصلت نتيجة هذا الصراع إبادة لجماعة التوتسي وهم أقلية من قبل جماعة الهوتو وهم يمثلون الأغلبية، ليقتل مايقارب 75 بالمئة منهم، بدأت هذه الأعمال في 7 ابريل واستمرت حتى منتصف يوليو 1994.

في 15 تموز عام 1994 انتهت عمليات الإبادة، إثر تمكن مجموعة متمردين توتسيين، من طرد المتطرفين الهوتو وحكومتهم خارج راوندا، تعرضت في هذه الإبادة الكثير من النساء والأطفال للاغتصاب والقتل، ولا تزال نتائجها باقية حتى اليوم. في كل حرب أو صراع،لا ينجو من الدمار الحاصل أي شيء، فقد تحولت راوندا الى مكان مدمر مأهول بأناس يعانون من صدمات نفسية، وقتلى ومعتقلين.

يعتبر الخلاف في راوندا سياسياً وإثنياً، تعود جذوره الى عام 1959 حيث حدث انقلاب على الحكم الملكي التوتسي، ونتج عن ذلك  تهجيرهم خارج البلاد لفترة طويلة ليستقروا في دول مجاورة. شكل التوتسيون أثناء وجودهم في الخارج ما يسمى (الجبهة الوطنية الراوندية) وعادت إلى راوندا في غزو عام 1990، واستمر القتال بين الجماعتين حتى عام 1993 حيث انتهى باتفاق سلام بين الطرفين.

في عام 1994 أسقطت طائرة كانت تقل الرئيس الراوندي جوفينال هابياريما ونظيره البورندي سيبريان نتارياميرا، وقتلوا جميعاً حيث اتهمت الجبهة الوطنية بإسقاط الطائرة، وبدأت على إثرها حملة ممنهجة لقتل التوتسي من قبل الهوتو.

بدأت الإبادة بكتابة قوائم بالمستهدفين من جماعة التوتسي المعادين للحكومة، ثم بدأ قتل كل المطلوبين مع أفراد عوائلهم وجيرانهم وأقاربهم، في نفس الوقت الذي أخذت النساء فيه كسبايا لإشباع الرغبات الجنسية للقتلة، لم يتحرك أحد من دول العالم المتقدمة أو منظمات المجتمع الدولي لوقف عمليات القتل، أمريكا أعلنت عن عدم رغبتها في التدخل وأرسلت فرنسا قوات لإنشاء منطقة آمنة في الوقت الذي كانت فيه حليفة للحكومة الراوندية.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-04-27 08:12:20Z | |

يعرف عن مجازر راوندا بشاعتها وسوءها بسبب الأسلوب الممنهج الذي تم القتل به. حيث تحولت مجموعة من الشباب في الحزب الحاكم إلى ميليشيا تقوم بالمذابح.

وتم تجنيد جماعات محلية وأفراد لتحديد الأهداف والبحث عن المطلوبين، ورفع القتلة شعارات عنصرية، تحض على قتل التوتسي، استمر ذلك إلى أن استطاعت الجبهة الوطنية الراوندية الاستيلاء على بعض المناطق، حيث توغلت داخل البلاد وتمكنت من طرد الهوتو، ليهربوا إلى الكونغو الديموقراطية.

 

نيجيريا:

غالباً ما تتعرض الأقليات إلى اضطهاد على مستوى المعيشة والعمل والحقوق بشكل عام، وقد يتطور هذا الظلم ليصل إلى حالة من الصراع تنتهي بقتل هذه الأقليات وإبادتها أو تهجيرها. في نيجيريا هناك أقلية شيعية حديثة العهد، في عام 1972 من القرن الماضي بدأ ظهور الشيعة وكان قد بلغ عددهم ما يقارب 500 ألف شخص، بعد عام 1994 تشكل هناك ما يسمى بالحركة الإسلامية، وقد اعتنقت هذه الحركة أيضاً المذهب الشيعي وبدأت بدعاوى تبشيرية لنشر التشيع في نيجيريا والدول الإفريقية المجاورة. في العام 1999 بلغ عدد الشيعة في نيجيريا وباقي الدول الإفريقية ما يقارب 7ملايين فرد. اعتُقل الشيخ إبراهيم الزكزكي والمولود في عام 1953 في مدينة زاريا في نيجيريا، وكان يعتنق أحد مذاهب السنة، قبل اعتناقه المذهب الشيعي، اعتقل عدة مرات بسبب نشاطه الديني، كما أنه لوحق هو وجماعته من قبل المجموعات المتطرفة والسلفية وتم اضطهادهم وتعذيبهم على أيديهم، في كانون الأول/ ديسمبر 2015 تعرض الشيخ الزكزكي لهجوم على منزله من قبل الجيش النيجيري، مما أدى إلى إصابته بجروح و قتل العديد من أتباعه ومن ثم اعتقاله.

وبعد سنة من اعتقاله وأثناء قيام الحركة بمراسم أربعينية الحسين تم الهجوم عليهم وإطلاق النار بشكل عشوائي في مدينو كانو، نتج عن ذلك مقتل ما يقارب المئة.

وفي شكل آخر من أشكال القتل أيضاً في نيجيريا، يدور صراع دموي بين المسلمين والمسيحيين، تم نتيجته ارتكاب أكثر من مجزرة بحق المسيحيين من قبل المسلمين، والصراع بين الطرفين ليس لأسباب دينية بالدرجة الأولى وإنما يقوم الخلاف بسبب صراع على الموارد الطبيعية بين المزارعين. والمجازر لا زالت مستمرة حتى الآن، ففي شهر آذار الفائت حدثت خمس هجمات على قرى المسيحيين، ولم يحدد مجمل القتلى حتى الآن. الصراع بدأ في عام 2017، وكانت أسبابه الرئيسية خلافاً على الأراضي والموارد الطبيعية بين المزارعين ورعاة الماشية، في البدء كانت الهجمات خفيفة ثم بدأت بالتوسع والانتشار لتشمل مساحة كبيرة من نيجيريا والنتيجة حتى الآن عشرات الآلاف من القتلى دون الوصول إلى حل للنزاع.

 

جماعة بوكو حرام

في العام 2014 خرجت إلى الأضواء جماعة بوكو حرام في نيجيريا أيضاً، حيث قامت باختطاف 276 فتاة من إحدى المدارس الأجنبية في نيجيريا، وطالبت مقابل الفتيات بمعتقلين لها لدى الأمن النيجيري. تأسست هذه الجماعة في العام2002 بقيادة “محمد يوسف” وهو رجل دين متشدد، بدأ خطاباته بالحديث عن الظلم والفساد وعدم المساواة في نيجيريا فلاقى تأييداً سريعاً،ليفصح فيما بعد عن إيديولوجية إسلامية متطرفة، وأهداف تتمثل بنشر الشريعة الإسلامية، والدين الإسلامي القويم. تتألف الحركة من مجموعة من الشبان ممن رفضوا الاستمرار في تعليمهم، وذلك بسبب المنهج الغربي المعتمد في التدريس معتبرين أن هذا المنهج لا يناسب الشريعة الإسلامية، في عامي 2010 و2011 حصلت أكثر من هجمة من قبل بوكو حرام في الشمال الشرقي من نيجيريا، على قرى ومدن مسيحية، فقتلوا الكثير وتسببوا بأعمال عنف دامية، على إثر ذلك تم تصنيف الجماعة كجماعة إرهابية.

تتميز بوكو حرام بمنهج محدد بأعمالها وممارساتها حيث تستخدم النساء كهدف لها، تخطفهن أو تغتصبهن وتقتلهن وهي مشابهة بذلك لتنظيم الدولة الإسلامية، والذي أعلنت بوكو حرام مؤخراً عام 2015 مبايعتها لزعيمه أبو بكر البغدادي.

 

تنظيم الدولة الإسلامية:

في نوع آخر من القتل الممنهج والإبادات الجماعية، تعرض الأيزيديون في العراق لسلسة من عمليات القتل الجماعي، في إقليم كردستان وذلك بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق متعددة من العراق والشام، بدأت المجازر في عام 2014 بعد انسحاب البشمركة من بلدة سنجار، دخل التنظيم إليها وقام بقتل ما يقارب 5000 إيزيدياً، في نفس الوقت الذي تم فيه سبي النساء وقتل الأطفال أيضاً.

تم بيع 1000 امرأة كسبايا في الموصل والرقة، واغتصبت 1500 امرأة بشكل جماعي من قبل التنظيم.

فيما يخص المرأة كان التنظيم يتبع أسلوباً خاصاً تم تلخيصه فيما يسمى “وثيقة المدينة”، والتي أصدرها بعد استيلائه على مدينة الموصل، ومن ثم عممها على كل المناطق التي دخل إليها، يدعي التنظيم بأن الوثيقة تعتمد على الشريعة الإسلامية، وتتضمن هذه الوثيقة مجموعة من النقاط التي تحاكم المرأة ككائن ناقص “عورة” يتوجب عليها عدم الظهور في الأماكن العامة وخارج المنزل إلا إذا كانت برفقة “محرم”، كما أنه فرض عليها نوعاً محدداً من اللباس “عباءة ونقاب” مع إعطاء كامل الصلاحيات لرجال التنظيم بالاغتصاب والقتل وخطف النساء القاطنات في المناطق المسيطر عليها من قبل التنظيم، هذا بالإضافة لإجبار بعض الفتيات على الزواج من أعضاء التنظيم.

يحمل الاغتصاب في داخله بعداً سياسياً، فليس الهدف فقط للمتعة، وتلبية الرغبات الجنسية، وإنما تستخدم النساء في الحروب كوسيلة لإضعاف الطرف الآخر، وتفكيك المجتمعات بشكل أكبر، كما أن الاغتصاب يستخدم لأسباب دينية كالتطهير الإثني كما حصل مع الأيزيديات.

تحويل الجنس من حالة حميمية تتسم بالخصوصية والفردانية، إلى حالة جماعية يحكمها العنف والإجبار، هو أسلوب تتبعه التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة وجماعة بوكو حرام في نيجيريا، ويعد جريمة إرهابية، تستهدف البنية المجتمعية في صميمها في مجتمعات كالمجتمعات العربية، والإسلامية والتي يدور الجنس والعلاقات الجسدية فيها ضمن مجموعة من المحرمات، عدا عن ارتباطه بالنسبة لهذه الشعوب بالشرف والأرض والكرامة الإنسانية، وتتخذ هذه الجماعات الاغتصاب والخطف والسبي كوسيلة  لترهيب الناس وتدمير جزء جوهري من ذواتهم يتسم بعاطفة عميقة ومحرمات مرافقة لهذا الفعل، كل هذا يجعل من السهل لجماعة تستخدم الاغتصاب كوسيلة، السيطرة بسرعة أكبر على الجماعات وتدمير حيواتهم.

المصدر: مجلة سيدة سوريا