نقاط الخلاف والالتقاء بين “داعش” والتنظيمات المتشددة الأخرى

101

تكتبها وردة الياسين لمجلة سيدة سوريا

أوجدت حالة الفوضى الاجتماعية والفراغ  السياسي والنزاعات الطائفية والتدخل الخارجي، الذي تعيشه بعض الدول العربية، أوجدت بيئة ومناخاً مؤاتياً لبعض الجماعات والتنظيمات، ولا سيما تلك التي حملت سمة الإرهاب والتطرف والعنف،  لتعيد إحياء ذاتها ولتفرض نفسها كحركات  وتنظيمات أو أحزاب  تنشد التغيير الاجتماعي والسياسي ولكن وفق منظورها، وغالباً ما كان منظورها مبنياً على مرجعية دينية شكلت أيدولوجيتها.  ولعل ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) خير مثال عن تلك الجماعات، والتي وفقاً لمنظورها يقع  على عاتق أعضائها إعادة بناء الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية في كل مفاصل وقوانين الدولة، وقد انتهج تنظيم “داعش” لتحقيق غايته وهدفه في إعادة الخلافة الإسلامية، العنف والإرهاب  الشديد وإعلان الجهاد المسلح كوسيلة للوصول إلى تغيره المنشود في الدول العربية بداية، ثم في كل دول العالم لاحقاً، كما يزعم ويعلن في مناسبات عدة عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

و يرى البعض بأن” داعش” ليس التنظيم أو الجماعة الوحيدة التي استغلت ولمصلحتها، ما عانته أو تعانيه عدد من الدول العربية أو الاسلامية؛ من تخبطات اقتصادية واجتماعية وسياسية أو حروب يمكن وصفها بالأهلية، وليس الوحيد الذي يمكن نعت فكره بالتطرف وممارساته بالإرهاب، فهناك العديد من التنظيمات والجماعات؛  التي تم تصنيفها من قبل المجتمع الدولي أو من قبل دول ومجتمعات، كحركات وجماعات راديكالية ذات فكر عقائدي متطرف ومنهج إرهابي، منها مثلاً جبهة النصرة لأهل الشام في سوريا، والموضوعة على لائحة المنظمات الارهابية من قبل الولايات المتحدة الامريكية، حركة «جماعة أهل السنّة والجهاد» المشهورة بـ « بوكو حرام» في نيجيريا، والتي استخدمت فتاة لا يتعدى عمرها العشر سنوات، لتفجر نفسها وسط سوق “مايدوغوري”  ما أدى إلى مقتل واصابة عشرات المدنيين، وأعلنت  “بوكو حرام” في عدة مرات انتمائها لتنظيم القاعدة، وهذه الجماعات التي تدعي نصرة المسلمين “السنة” قابلها جماعات وأحزاب وتنظيمات تدعي نصرة  المسلمين “الشيعية”،  كالحوثيين في اليمن وحزب الله  في لبنان. وتلتقي هذه التنظيمات وما يشبهها مع تنظيم “داعش” في  نقطة جوهرية، وهي أن لهذه التنظيمات  هدف باطني بعيد المدى،  يتمثل في إقامة دول أو مجتمعات  يتم السيطرة على مفاصلها من خلال تطبيق الشرع والعقيدة الإسلامية فيها، وتحكمها المرجعيات الدينية بنسختيها “الشيعية والسنية”، غير أن ما جعل تنظيم “داعش” يبدو أشد عنفاً وإرهاباً عن غيره من الجماعات المتشددة الأخرى، هو أنه أعلن عن الهدف الباطني وجعله جلياً واضحاً  ينشد تحقيقه بصورة متسارعة. ويضاف إلى نقطة الخلاف هذه  نقطتين خلافتين أساسيتين، يمكن الاستدلال من خلالهما عن أسباب عد تنظيم “داعش” التنظيم الأخطر، وهما:

الغلو في التكفير واستباحة الدماء

كفر تنظيم ” داعش”  الجماعات الإسلامية قبل غيرها من الجماعات والأفراد من الأديان والطوائف الأخرى، وفي نظرهم  أغلب الناس إما مرتدين، أو فاسقين، أو ضالين، ويرفض “داعش” أي ألية من أليات الإصلاح في عملية التغيير، فكان أن استسهل القتل  دون رحمة أو حساب بأدنى شبهة. وهو أمر جعله حتى أمام التنظيمات المتشددة الأخرى “سيئ السمعة ووحشي” وهي العبارة التي نعتها بها تنظيم القاعدة في افغانستان! كما أن جبهة النصرة لأهل الشام والتي كانت امتداداً لتنظيم “داعش” في سوريا أخذت  على “داعش” قيامه بعمليات الذبح بالسكاكين. علماً  بأنه كان لـ “داعش” صلات وثيقة مع تنظيم القاعدة حتى بدايات 2014، ليقطع  بعدها تنظيم القاعدة كل العلاقات مع “داعش”، بسبب صراعهما على السلطة ومناطق النفوذ، ثم يعلن أبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة في سوريا مبايعةَ تنظيم القاعدة في أفغانستان بقيادة أيمن الظواهري، ورفضه دعوة “البغدادي” زعيم تنظيم “داعش” لمبايعته، على الرغم من أن لـ “داعش”  وجبهة النصرة العديد من العمليات العسكرية المشترَكة.

ويسجل لتنظيم ” داعش” عمليات قتل وذبح واختطاف وتفجير، مارسها بحق الأقليات الدينية وأماكن عباداتهم كهجومه على كنيسة سيدة النجاة ببغداد في عام 2010،  وكقتله واختطافه لما يقارب 3000 يزيدي من منطقة سنجار في العراق  في 2014، وتعرضت العشرات من النساء الايزديات للاغتصاب من قبل عناصر التنظيم ، كما تبنى “داعش” عمليات تفجير لسفارات وهجوم على مقار ومراكز حكومية، واختطاف لشخصيات اعلامية ودبلوماسية  عربية وأجنبية. كهجومه على  مقر القنصليّة التركية في الموصل شمالي العراق في 2014، واختطافه الدبلوماسيين الذين كانوا في مبنى القنصليّة. ويجاهر تنظيم “داعش” بممارساته الإرهابية، حيث يعرض ما يقوم به من عمليات قتل وذبح وطرق تعذيب، ويبثها على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مواقعه الخاصة.

فكر متجمد

الفكر الجهادي السلفي، هو الفكر الذي يتبناه تنظيم ” داعش” وهو ذاته الفكر الذي تتبناه العديد من التنظيمات والجماعات المتشددة، ولكن يمكن وصف الفكر الداعشي بالمتجمد (غير المتطور) والبعيد كل البعد عن القراءات المنطقية أو العقلية أو المرونة، فهو فكر يرفض الحداثة جملة وتفصيلاً. ولا يراعي تنظيم “داعش”  أو يعي التغيرات التي تحصل في المجتمعات البشرية، فهو يتعامل معها بسطحية، مما يؤدي إلى إسقاط بعض الأحكام الفقهية على الواقع الحالي، من دون مراعاة تغيير العلة والزمن. ومن هذه الأحكام: أحكام الرقيق والجواري، أحكام الجزية، أحكام أهل الذمة.. إلخ. ويحرم داعش بعض المواد الدراسية كالكيمياء واللغات الاجنبية باعتبارها لغة الكفار، وهو أيضاً ينظر للموسيقى وكل الفنون الانسانية بنظرة الريبة ويدرجها في  خانة المحرمات.

ولا يسعى تنظيم “داعش” في سوريا، أو في جيوب الدول الأخرى التي يتواجد فيها إلى تغيير أنظمة حكمها الديكتاتورية ، فلداعش مشروع معلن من قبله وهو إقامة دولة الخلافة، التي تم تنصيب ومبايعة “أبو بكر البغدادي” أميراً للمسلمين عليها ، ثم طالب جميع المسلمين في كافة بقاع الأرض  بمبايعة الخليفة! وعلى عكس التنظيمات والجماعات المتشددة الأخرى لا يقبل تنظيم “داعش” التشاركية ويرفض  لغة الحوار أو الجلوس على طاولات المفاوضات مع أحد. فمثلاً تشاركت جبهة النصرة وحركة أحرار الشام وجيش الاسلام في سوريا  مع فصائل الجيش الحر وفصائل المعارضة المعتدلة، في معارك عدة  ضد قوات النظام السوري، وباستثناء جبهة النصرة ، تمكن فصيلي جيش الاسلام وحركة احرار الشام من أن يكون لهم ممثلين في المفاوضات السورية السياسية.

تتوافر الظروف والأسباب الموضوعية  في دول المنطقة العربية، لولادة  تيارات عنيفة مثل  “داعش” تحمل  أفكاراً ورؤى، ستؤدي إلى مزيد من الكوارث والأزمات والتخلف، والأخطر هو إذا كان “داعش” و”جبهة النصرة ” فرضياً، يمثلان النسخة السنية في تصوراتهما  ويقدمان خطابات تقوم على المظلومية السنية، يقابلهما حركات أخرى مثل حزب الله اللبناني كنسخة شيعية  أو معسكر شيعي،  يدعي  ظاهرياً محاربة اليهود الصهاينة  والأمريكان وتحرير الأراضي العربية المغتصبة والتصدي للإرهاب في سوريا، إلا أنه فعلياً بدأ يظهر ومنذ اندلاع الثورة السورية كحزب طائفي يتبنى مرجعيته الدينية، وقد سجل لحزب الله وللمليشيات الشيعية المدعومين من إيران ممارسات إرهابية بحق السوريين السنة، ومواقف عداء وكراهية تجلت في شعارات رددها أنصاره مثل (لبيك يا حسين، يا مهدي أدركنا…) ، ولم يختلف حزب الله إذ يرفع راياته “الصفراء”  على مناطق سورية معلنا وبصورة فجة بأنها أضحت مناطق تقع تحت  سيطرته ونفوذه، ويعمل عل تشييع أهلها وقاطنيها. وفي اليمن تظهر الحركة الحوثية بشكل رسمي كحركة زيدية شيعية عام 2003 وتتهمها السلطات اليمنية  بسعيها لقلب نظام الحكم الجمهوري، وإعادة نظام الإمامة وتشكيل تنظيم محظور باسم الشباب المؤمن, ونشر الأفكار الضالة المحرضة على العنف وإثارة المذهبية والعنصرية، ويتلقى الحوثيون الدعم المادي والتأييد لحركتهم من قبل ايران وحزب الله.

منذ بدايات 2019 يتهاوى تنظيم ” داعش” في سوريا، ويوشك على الانتهاء تحت ضربات التحالف الدولي، وينحصر نفوذه عسكرياً، ويخسر مناطق سيطرته، وهو كان قد خسر قبل ذلك أي تأييد أو دعم شعبي مدني أو عسكري محلي  له، نتيجة لممارساته العنيفة  وتطرفه. ولكن المنطقة العربية لاتزال تعج بالتنظيمات والجماعات والحركات الارهابية المتطرفة دينيا وعقائدياً، والتي لا يقل ضررها وخطرها عن تنظيم “داعش”، بل ربما هي أشد خطورة حيث أنها لا تفصح عن مشاريعها وأهدافها، وقد تردي أقنعة  أو تتستر بمصطلحات المجتمع المدني، وهي في الحقيقة بعيدة كل البعد عن السعي لإقامة أو قبول مجتمعات  ودول ديمقراطية.

يعتبر تنظيم ” داعش” وغيره من الجماعات المتشددة في الدول العربية،  مخرجاً سلبياً من مخرجات الأنظمة السلطوية والشمولية  الفاسدة، والسياقات الاجتماعية المتردّية، والاختلالات التي تعانيها  المنظومة الفقهية والفكرية، مضافاُ إلى ذلك وجود لعبة إقليمية أو دولية أو قوى فاعلة كان من مصلحتها خلق وإحياء أفكار وجماعات تكفيرية متطرفة في المنطقة العربية.

المصدر: مجلة سيدة سوريا