المنابع المشتركة للتوحش وافتراق المسارات

76

 

مقالة تكتبها لمجلة سيدة سوريا – غالية الريش

في البدء كانت القاعدة، فقد دشن الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، مرحلة جديدة في الصراع الدولي، والأمريكي تحديداً ضد تنظيم القاعدة، الذي وجد في العراق التربة الخصبة  لتوسيع رقعة الصراع المعولم والمضاد للأمريكان، وفي استثمار المظلومية “السنية”  التي بدأت بالتصاعد، والممتهنة بفعل سياسات “نوري المالكي” آنذاك، أي بعد وصول قوى طائفية “شيعية” إلى السلطة، بعدما تراءئ لكثير من المعنيين داخل الإدارة الأمريكية وخارجها بإنتهاء صلاحية “الجهاد الأفغاني” بُعَيد دحر التواجد السوفييتي من أفغانستان، من قبل مشغليهم  ومموليهم الدوليين في أجهزة الإستخبارات الدولية.

بعد وصول “الجهاد الأفغاني” لتحقيق أهدافه، الآنفة الذكر، لم يعد بوسع “أولياء الأمر” السيطرة عليه، إذ خرج  جنّيّ الإرهاب من قمقمه، وتوقف عن إدراج طاقاته في الحيزات السياسية  والاستخباراتية الضيقة، لتبدأ عملية تفارق حاسمة بلغت ذروتها في 11 أيلول 2001 التي تمخضت عن خوض حربين عبثيتين في كل من أفغانستان والعراق، لم تزد إلا في قوة إنتشار وامتداد الجهادية الأفغانية في مسميات جديدة، وعلى مناطق جديدة.

اتسمت الموجة الجهادية العراقية  بتنوع مشارب أعضائها، مدعمة رفدها بقوى وعناصر من أجهزة النظام القديم (الحرس الجمهوري- الجيش العراقي الذي أمر بول بريمر بِحَله مؤسساً لحقبة فوضى إحتلالية عارمة- الحزب الحاكم)، فضلاً عن الاستقطاب الخارجي عبر دعوات الجهاد ضد المحتل الأمريكي والذي لاقى تجاوباً في أوساط شبابية عربية، امتزج فيه بداية الحافز الوطني مع الديني ليستقر الحافز الديني هذه المرة وبطلاء طائفي في التعبئة العامة للجهاد ضد الأمريكان، بعد أن تسلمت ممرات دخول المقاتلين جماعة القاعدة ومن يدعمها على الصعيد الاقليمي ونخص هنا بالذكر، أجهزة الاستخبارات السورية والإيرانية التي سهلت ودعمت وتواطأت مع تنظيم القاعدة، في سياق لعبة التوظيف الوخيمة التي غالباً ماترتد دموياً على مشغلها وداعمها.

في العام 2004 قام أبو مصعب الزرقاوي، بذبح أحد الرهائن الأمريكيين في العراق ويدعى “يوجين أرمسترونغ” وذلك بجز عنقهِ بسكين في فيديو مصور قامت جماعة التوحيد والجهاد بنشره على الأنترنت لتبدأ سنة جزّ وقطع الرؤوس عند هذه المجموعة.

أسس ماسمي بتنظيم التوحيد والجهاد، وظل يتزعمه حتى مقتله في حزيران 2006. بايع تنظيمه أسامة بن لادن في 2004 وتحول اسم التنظيم إلى قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين. تميز التنظيم بعمليات استهدفت النجف وكربلاء والحجاج الشيعة، وأماكن العبادة الإسلامية والمسيحية واليزيدية.

عَمِل تنظيم قاعدة الجهاد في العراق  على جمع أشتات الجماعات الجهادية من خلال إعلان مجلس شورى المجاهدين في العراق في العام 2006، والذي كـان إطاراً موسعاً لعدد من الجماعات الجهادية، حيث ضم المجلس كلاً من تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، والطائفة المنصورة، وسرايا أنصار التوحيد – سرايا الجهاد الإسلامي – سرايا الغرباء – كتائب الأهوال- وجيش أهل السنة والجماعة. كان الهدف المعلن للمجلس إدارة الصراع في مواجهة الاحتلال الأمريكي والعملاء المرتدين.

في هذا السياق كان تنظيم الدولة الإسلامية يبني مشروعه الذي اعتمد على ستة عناصر ستبلور ملامحه النهائية وتوصله للسيطرة على مساحات شاسعة من سوريا والعراق:

الأول: الإستفادة القصوى من خبرة ضباط الجيش العراقي السابق، الذين أصبحوا في موقع تحديد السياسات العسكرية، هؤلاء العسكريون الذي رمى بهم بول بريمر خارج مؤسسة الجيش بقراره الغاشم حلّ الجيش العراقي.

الثاني: تأمين موارد مالية ضخمة تسمح للتنظيم بامتلاك القدرة على تحقيق برنامجه.

الثالث: التركيز على مسألة الإعلام وإظهار الجبروت والقسوة والرهبة لتحييد وإخضاع كل المخالفين لمشروع الخلافة.

الرابع: إتباع سياسة المفاوضات مع العشائر والبنيات الإجتماعية المحلية مستفيدا من دروس الصحوات.

الخامس: عدم التهاون مع أي تنظيم جهادي يريد التعاون مع داعش على قاعدة الندية(البيعة أو القتال).

السادس: الغلو في التعامل مع أية مجموعات سكانية غير سنية لتطهير أماكن تواجد التنظيم ممن يمكن ان يشكل قاعدة احتجاج أو رفض لممارسات التنظيم.

قيادي سابق بجبهة النصرة يكشف أسرارا جديدة عن حجي بكر

إنقسام في معسكر الجهادية: عذراً  أمير القاعدة… عذراً أيها الدكتور

كان لسيطرة العنصر العراقي على الخط الجهادي ضد الأمريكان وعملائهم  دوراً مهماً فيما يمكن تسميته ” تبيئة” القاعدة، وتوطين عوامل نفوذها وسيطرتها بعيداً عن أجندة القاعدة التي لا توصل إلى هدف أو مكان، في وهم أممية إسلامية معولمة مضادة للعولمة الأمريكية.

من هنا يمكن فهم مغزى الإفتراق عن خط تنظيم القاعدة “العالمي”، التي عجزت عن قيادة مديدة لمجتمعات محلية، وبقيت سياساتها المحلية رهينة البعد العالمي في صراعها مع الغرب والأمريكان على وجه الخصوص. هذا من جهة، ولأن المنظور العالمي هو مايتحكم في حسابات تنظيم القاعدة، كانت النزعة البراغماتية مفقودة في التعاطي مع الوضع الداخلي العراقي، على حساب التعاطي البراغماتي، خدمة لاعتبارات إقليمية ودولية، وهذا ماتبدى على سبيل المثال بقرار تجميد أي عملية عسكرية في إيران لإعتبارات لوجيستية وتكتيكية، الذي كان بالمقابل يلقى معارضة من داخل المجموعة العراقية في تشكيلاتها المتعددة، وهو ماحدا بتنظيم الدولة أن يفتح النار على  تنظيم القاعدة الذي تشكل في أتونه، وجاءت كلمة أبو محمد العدناني الشامي، في متن رسالة لأيمن الظواهري كلحظة إفتراق حاسم بين تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الذي غدا نواة وجنين الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، في سرد ما اعتبره أبو محمد العدناني لوم ومساءلة خط القاعدة في جملة مواقفها وارتكاباتها، سواءً في الموقف من الدول المحيطة بالعراق وموقف القاعدة منها، أوفي الموقف من الصبي الغرّ الخائن، ويقصد أبو محمد الجولاني الذي نكث البيعة، أوثالثاً في موقف الظواهري المندد بالعجالة لتأسيس دولة الخلافة الإسلامية، وعدم توفر عوامل نضج قيامها، وبأن الدولة، ليست فرعاً من فروع تنظيم القاعدة العالمي بأي حال من الأحوال.

لكن هذا التنظيم المتوحش، والأكثر تصلباً على الصعيد النظري والايديولوجي، والأشد عنفاً على الصعيد الميداني، أظهر ممارسات متناقضة على الجبهتين السورية والعراقية.

يشير المختص بشؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية: “أنه في الوقت الذي كان يمارس نهجاً متطرفاً عنيفاً مع حركات المعارضة المسلحة في سوريا، ويخوض حروبه وفق منطق الحروب الجديدة، ويعتمد على فرض سيطرته المكانية بالقوة الباطشة، ويتعامل مع خصومه الإسلاميين باعتبارهم صحوات ومرتدين، أظهر تنظيم الدولة “طبائع” مغايرة تماماً على الجبهة العراقية، إذ عقد تحالفات مع قوى وحركات سياسية وعسكرية وعشائرية سنية أقل إلتزاماً إيديولوجياً ودينياً، وأكثر عداء تاريخياً لجماعة الدولة، وخاض حربه في العراق وفق مبادىء حرب الأنصار، وتعامل مع خصومه من الإسلاميين، باعتبارهم “ظهيراً ونصيراً”.

لكن تنظيم الدولة الإسلامية الذي انتهت دولته من على وجه الخارطة، وبقي التنظيم كمجموعات متشظية، أو نائمة، مما يصطلح على تسميتها بالذئاب النائمة، لم يصل إلى ما وصل إليه بفعل طلعات قوى التحالف الدولي الجوية، ورجحان ميزان القوى العسكري لجبهة أعدائه العريضة، بل لأن تنظيم الدولة في العراق والشام لم يحظَ بحواضن إجتماعية دائمة، وأن ماكان يتحصن به، حواضن مؤقتة أملتها عليه إكراهات سياسية وميدانية، وقام أغلبها على استثمار العامل الطائفي، إبان الأزمات التي عصفت- ولا تزال- للأسف- في بلداننا، وفي كل الأحوال لم يشكل نهج التنظيم المتصلب فكرياً وعملياً جاذبية لشعوب المنطقة العربية، ولايؤسس نموذجاً تطبيقياً ممكناً بالعقد والإختيار، وفق نموذج الخلافة التاريخي الإسلامي، فهو يستند إلى تراث الأحكام السلطانية، لفقه الغلبة والشوكة من خلال فرض سيطرته المكانية، بالقوة في أماكن مأزومة.

ولايعني  توفر الكثير من أسباب الدعم والموارد واستقطاب عشرات آلاف “المهاجرين”، والقوة الباطشة أن يستمر بمثل هذا النمط من التسلط والحكم، فضلاً عن فقدانه أي تصور وحدوي اجتماعي، يقوم على احترام التنوع واحترام وحدة وصراع المصالح التي تقوم داخل أي مجتمع، فمنظور تنظيم الدولة إقصائي، ولاحظوظ لنجاحه، في أي مكان، ومجتمع، بل قام التنظيم على إيقاظ وجع الهويات، والعزف على وتر تسعير تناقضاتها.

 

جبهة النصرة… تحذو حذو غريمها، ولكن في سوريا

مع انزياح ثقل تنظيم القاعدة عن العراق، بعد تسيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، تركزت فعالية القاعدة في إطار مسماها المحلي “جبهة النصرة”  في سوريا، والتي استفادت من السياق الثوري بعد العام 2011  في عملية بسط نفوذها وتمددها على حساب الفصائل والجماعات العسكرية المناهضة للنظام. وقد اتبعت كل الوسائل المتاحة الناعمة منها أو الصلبة في تطويع خصومها، واستفادت من الدعم والتمويل القطري، واللوجستي التركي في السيطرة على مقدرات محافظة إدلب تعادل مساحتها أكثر من نصف لبنان، مستفيدة من الغطاء التركي.

يجمع الكثير من المراقبين أن هيئة  تحرير الشام يشبه تنظيم داعش في البنية والتنظيم والوسائل والأهداف، إلا انها تعمل بأساليب أكثر ذكاء لإنشاء دولة إسلامية خاصة بها تتسم بكونها مدروسة ومخططة، وقد استفادت من تجربة داعش في العراق. وعلى عكس التوسع السريع الذي قام به داعش وجذب اهتماماً واسعاً ضده، عملت الهيئة مع مجموعات مختلفة من فصائل المعارضة، واعتمدت طريقة انتهازية، سمحت لها بالتوسع التدريجي وسحق منافسيها.

قال الباحث نيكولاس هيرسمان من “مركز أبحاث الأمن الأمريكي الجديد” أن: “هيئة تحرير الشام تشترك في الهدف نفسه مع داعش لكنها اعتمدت على السماح للفصائل الأخرى بالوجود. إلا أنها كما مؤسسات المافيا القوية تحتفظ بالقدرة على استخدام القوة الساحقة ضد أي كيان يظهر ويعارض وجودها”.

 

دور المرأة في تنظيم داعش… حقائق وأساطير

برع تنظيم الدولة الإسلامية في جذب واستقطاب العناصر الشابة والنسائية بوجه خاص، واستطاع ببروغانداه الجاذبة، التي استخدمت وسائل الترغيب والترهيب تحويل مئات الفتيات الى انتحاريات ومقاتلات، وداعيات.

إلى جانب أوروبا وأمريكا، عُدت منطقة أسيا الوسطى من المناطق الرئيسية المصدرة للنساء المنضمات الى داعش. تتراوح الشرائح العمرية مابين 18- 22 أبرز الشرائح العمرية التي قبلت الإنضمام إلى صفوف الدولة الاسلامية. يقدر عدد السيدات بحوالي 10% من عدد المقاتلين الأجانب في صفوف داعش. وكان يوجد من 100- 150 إمرأة فرنسية بالدولة الاسلامية، وفقاً لمصادر اجنبية.

هذه المؤشرات تدل على أن تلك البنى الإجتماعية المصدرة لهؤلاء “المجاهدات” ليست مأزومة وحسب، بل أنها تصدر أزماتها إلى ساحات الحروب المشتعلة، وتفتح النوافذ والأبواب والمطارات لخروجهم/ن، كنفايات بشرية نافلة، والتخفيف من أعبائها الأمنية.

هذا التفكيك والتحليل من جهة البحث الاجتماعي الذي يقارب المشكلة من زاوية إجتماعية، لا يتعارض مع جهة التحليل التي تتناول ظاهرة الهجرة الجهادية من زاوية استقطاب المرضى النفسيين لخدمة صورة تنظيم الدولة الوحشي المخيفة البشعة، وإظهار إدارة التوحش التي تأسس عليها تنظيم الدولة.

إن أقصى مايمكن أن يقوم عليه تنظيم الدولة اليوم، زعزعة الأمن والإستقرار الهش في هذه البنية الإجتماعية أو تلك، في ظل الحطام الإقتصادي والفساد السياسي، والمظالم الإجتماعية التي باتت سمة متفشية في منطقتنا.

المصدر: مجلة سيدة سوريا