رغم المعوقات المجتمعية.. شابة مقدسية تحلق في فضاء “صفر نفايات”

11

أسيل جندي- القدس المحتلة
مثل كثير من منازل المقدسيين يبدو منزل عائلة الشابة المقدسية نجلاء عبد اللطيف اعتياديا من الخارج تزين مدخلَه نباتات وأشجار مختلفة، لكن بمجرد دخول هذا المنزل يلج الزائر إلى تفاصيل أسلوب حياة مذهل من التزام شابة عشرينية فيه بهذا العصر.

التوجه نحو “صفر نفايات” أسلوب حياة تنتهجه الشابة العشرينية منذ عامين ونصف العام، وتخلل مسيرتها الكثير من المعوقات المجتمعية التي تسعى لتبديدها من خلال رفع الوعي بأهمية حماية البيئة من النفايات اليومية التي يمكن تقليصها عبر اتباع أساليب بسيطة غير مكلفة ماديا.

ولدت نجلاء في القدس عام 1994 وترعرعت في حي وادي الجوز قبل أن تكمل رحلتها المدرسية في الأردن ومن هناك إلى السويد، حيث درست في إحدى جامعاتها بتخصص إدارة الأعمال والاقتصاد.

وخلال رحلتها الجامعية انخرطت نجلاء بحكم تخصصها في مؤسسة تعمل بمجال تحقيق الاستدامة الاقتصادية، وربطت ذلك بالاهتمام بالبيئة ومشاكلها والأزمات العالمية التي يسببها الانحباس الحراري والتغير المناخي.

في منزل أسرتها الهادئ، استقبلت الشابة المقدسية الجزيرة نت للاطلاع على أسلوب حياتها الجديد الغني بالتجارب الملهمة.

كل شيء في المنزل وضع في مكانه بعناية، وخلال مكوثنا وتجولنا به لاحظنا خلوه من التحف والأكياس البلاستيكية كما خلا المطبخ من أي أوان بلاستيكية واقتصرت محتوياته على القطع الزجاجية والمعدنية.

استهلاك وتقنين
“كنت أعيش حياة استهلاكية بحتة كأي فتاة رغم الوعي بالمشاكل البيئية، لكن بمجرد إنهائي دراستي الجامعية وعودتي للقدس قبل عامين ونصف العام رأيت النفايات منتشرة وواضحة في كل المدينة بعكس السويد التي يستهلك سكانها كثيرا لكن نفاياتهم يُعاد تدويرها فلا تظهر هذه المشكلة هناك.. من هنا بدأت بتغيير جذري لنمط حياتي”.

اطلعت نجلاء على تجارب مجتمع “صفر نفايات” حول العالم وبدأت في مستهل مشوارها الصديق للبيئة بالاعتماد على نفسها بتصنيع مزيل للعرق ومعجون أسنان من زيوت ومواد طبيعية، ولاحقا تمكنت من صنع مرطبات للوجه والجسم بمواد طبيعية أيضا.

ليس هذا فحسب، بل حولت كافة مخلفات الطعام في منزلهم إلى سماد عضوي لتربة منزلهم، وتدفن فيها يوميا قشور الخضروات والفواكه وبقايا القهوة والطعام الفائض، أما عظام الدجاج واللحوم فتضعها لقطط الحي لتقتات منها.

“تحولتُ تلقائيا إلى إنسانة نباتية لا آكل اللحم سوى مرة كل شهر عندما أشعر أن جسمي بحاجة إلى البروتين الحيواني.. عدا عن ذلك فأنا لا أتناول الألبان والأجبان وأصنع الحليب النباتي يدويا من الشوفان”.

يبدو المطبخ في هذا المنزل كمختبر يُحضر فيه بعناية كل ما هو صحي ولا يفرط من يحضر أي وصفة فيه بأي جزء من الخضروات، فمثلا أوراق القرنبيط التي يلقي بها كثيرون في سلة المهملات تقطعها نجلاء وتصنع منها طبقا نباتيا تقول إنه يفوق في طعمه كثيرا من الوصفات التي تعتمد على لب الخضروات لا قشورها.

لا للأواني البلاستيكية
“استغلال كل أجزاء الخضروات والفواكه يساعد بشكل كبير في تقليل النفايات.. عندما أرى الكم الهائل من النفايات في المدينة أدرك كم يعتمد المقدسيون في حياتهم اليومية على الاستهلاك وكم يلجؤون لاستخدام البلاستيك لتقليل الجهد، خاصة في الإفطارات الرمضانية والولائم العائلية الكبيرة وهذه جريمة بحق البيئة”.

حرص نجلاء على استخدام الصحون (الأطباق) والكؤوس الزجاجية في كافة الولائم بات يشكل مصدر إزعاج لآخرين لا يروق لهم ذلك “عندما يأتي وقت تنظيف الصحون تقول لي فتيات العائلة اعتمدي على نفسك في ذلك لأننا نريد جميعا استخدام البلاستيك وأنت صممت على استخدام الزجاج..  ويعتبرون ذلك عقابا لي”.

والدتها السويدية وقفت إلى جانبها وساندتها في أسلوب حياتها الجديد وباتت ووالدها يستخدمان المنتجات التي تصنعها نجلاء يدويا.

تحاول الشابة المقدسية أيضا إعادة استعمال ملابسها وتكييف القديمة منها مع صيحات الموضة ما استطاعت، تقول “لم أشتر منذ عامين أي قطعة ملابس وإذا اضطررت لذلك فأشتري ملابس مستعملة عبر الإنترنت أو من حانوت في رام الله يبيعها وتذهب نقود المشترين لأعمال خيرية.. فتيات العائلة والمجتمع المحيط لا يروق لهن ذلك خاصة أنني أعيد حياكة الملابس وأكرر استخداماتها”.

تمكنت نجلاء من تقليل نفاياتها بنسبة 90% وتسعى للوصول لمرحلة صفر نفايات لكن ذلك خارج عن إرادتها، فتقول إن الورق الخاص بالمراحيض يمكن إلقاؤه في المرحاض نفسه في أوروبا، لكن في القدس البنى التحتية غير مهيأة لذلك، وبالتالي لا يمكن التخلص من هذه النفايات سوى بإلقائها في الحاويات.

ورغم أنها تجلب من منزلها الأكياس القماشية والأوعية الزجاجية أثناء تسوقها، فإنها حتى الآن لا يمكنها التخلص من الفواتير التي تتسلمها من المحال التجارية سوى بالحاويات، عدا عن ذلك فإنها لا تنتج أي نوع آخر من النفايات، وفي حسبة بسيطة أكدت أنها تمكنت من توفير 2500 دولار أميركي سنويا باتباعها نمط الحياة الجديد.

غادرت نجلاء قبل عام المؤسسة التي كانت تعمل بها في مجال تخصصها وتفرغت لنقل تجربتها للآخرين فأنشأت مدونة إلكترونية تغذيها بتجاربها اليومية في عالم “صفر نفايات”، كما تستفيد من تجارب هذا المجتمع الذي ترى أنه آخذ بالتوسع في الغرب، فيما لا ترى أن هذه التجارب ستنتقل وترى النور قريبا في فلسطين.

المصدر: الجزيرة